يمكن اعتبار الفترة الممتدة من انقسام حزب المؤتمر الوطني وخروج مجموعة المؤتمر الوطني الشعبي هي بداية الفترة الانتقالية على صعيد عفوي تلقائي رغم وجود اتفاقات ثنائية ، بين الانقاذ وبعض القوى السياسية. وتكمن العفوية في كون الانقاذ قد قبلت بعودة المعارضين وممارستهم لنشاط مقيد ومحدود بالاضافة لانفتاح محسوب للصحافة، ولكن كل هذا تم دون توقيع اتفاقيات او مواثيق ملزمة بين الحكومة والمعارضة يمكن مراقبة ومتابعة تنفيذها والتزاماتها بدقة. وهذا وضع شاذ ومهتز وقد يظل انتقالياً لفترة طويلة، فكل الذي حدث هو ان الانقاذ تحولت من شمولية سافرة إلى شمولية محجبة أي تخفي بعض ملامحها الدكتاتورية دون ان تتخلى عنها تماماً. لذلك اتسمت هذه الفترة الانتقالية الحالية التي نعيشها الآن بالارتباك وعدم القدرة على التنبؤ والتوقع. وهذا ما يجعل الجميع محتارين ويسأل كل واحد الاخر هل فهم شيئاً مما يدور في الساحة السياسية؟ هذه حالة لا سلم ولا حرب أو لا ديمقراطية ولا دكتاتورية. وهذا الوضع الغريب مليء بكل الاحتمالات السالبة ويهدد بالفشل المحتم لاستحالة ان تسير الامور بهذه الطريقة حتى الابد. فهو وضع قد يستمر لبعض الوقت ويقنع بعض الناس ولكن ليس كل الوقت ويقنع كل الناس. لابد من وقفة ومراجعة واختيار طريق السلامة رغم وجود المتزمتين وقصيري النظر في المعسكرين مما يعقد الامور ويجعل الانتقال اكثر تعقيداً. من المعروف ان النظم الدكتاتورية تستهل عهدها بالعنف والقمع والاضطهاد لانها لا تملك شرعية سوى القوة والقمع لذلك تلجأ إلى العنف العاري بقصد ما تسميه «تأمين الثورة» وهذا مافعلته الانقاذ خلال السنوات الاولى. وقد تراجعت عن كل ذلك على المستوى المعلن، وحاولت التبرؤ من ذلك باعتبارها تجاوزات فردية وليست سياسة دولة ونظام. وقد ظهر هذا الاتجاه بعد عام 1995 وعقب محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك. وبدأت الانقاذ محاولات دؤوبة لتحسين صورتها وسجلها الخاص بحقوق الانسان وصار من الممكن المناقشة والتحاور مع المنظمات المهتمة بحقوق الانسان بعد ان كانت تتهم بالتدخل في الشئون الداخلية السودانية. وفي بعض فترات الزهو طالب البعض بجلد كاسبار بيرو مبعوث لجنة حقوق الانسان باعتباره قد اساء للقوانين الاسلامية. اما الان فالترحيب بالمبعوثين والموفدين مبالغ فيه لدرجة تخجل تواضع القادمين لمتابعة وضعية حقوق الانسان في السودان. انقسم السودان ـ الوطن عند مجيء الانقاذ إلى حكام مقابل مستضعفين وهم المعارضون أو غير الملتزمين وهم الذين لا ينتمون إلى تنظيم الجبهة الاسلامية القومية «الآن بعد الانشقاق اصبح بعضهم يسمى غير مواكبين». ومن البداية تم فصل كل المعارضين الحقيقيين او المحتملين من وظائفهم. وكان الانقاذيون يبررون ذلك ـ خارج السودان ـ بان الرئيس الأمريكي المنتخب يقوم بتغيير المعاونين والعاملين معه. وكان الانقاذيون وهم دعاة النموذج الاسلامي في الحكم يقتفون اثار شيطانهم الاكبر ـ كما اسموا الولايات المتحدة الامريكية آنذاك. كما ان الرئيس المنتخب لم يكن يفصل صغار الموظفين وكل جهاز الخدمة المدنية، كما ان الرئيس الجمهوري قد يستعين بديمقراطيين لان حق المواطنة مكفول ويعطيهم الحق في العمل. المهم تلك مجرد تبريرات استوجبتها ظروف استثنائية واعتقد ان الانقاذ لديها الشجاعة الآن للاعتراف بالخطأ ثم اصلاح الخطأ. لابد ان تقدم الانقاذ نقداً ذاتياً وهذا واجب ديني يعرفه أصحاب المشروع الحضاري الاسلامي أكثر منا نحن الافندية المتغربين او حتى المعلمنين، فالمؤمن تواب ونواب أي يتوب ويرجع عن الخطأ ولا يكابر في الخطأ فهذه من صفات المنافقين. قضية ارجاع المفصولين بحسب شروط الخدمة المدنية المتعارف وفي كثير من الاحيان قد يكون بعضهم قد بلغ سن المعاش، هؤلاء يحالون بصورة طبيعية إلى المعاش. ويظل السلم الوظيفي كما كان عام 1989 عند قيام الانقلاب، مع ضرورة تدريب واعادة تأهيل المفصولين تعسفياً. المقصود بمثل اصلاح هذا الخطأ ان يغلق إلى الابد باب الفصل التعسفي والتطهير وما يسمى بالصالح العام والاهم من كل ذلك، ان هذه الخطوة تقر حق المساواة بين المواطنين وهذا مبدأ انتهكته الانقاذ في مجالات اخرى كثيرة غير التوظيف والعمل. اذ يبدو ان الانقاذ من خلال استلامها السلطة السياسية اعتبرت كل بقية المواطنين من اهل الذمة. فمن الواضح ان الامتيازات والتسهيلات تذهب كلها إلى الانقاذيين وبطانتهم، واحسن مثال هو التنافس في السوق والاعمال الحرة اذ يظهر انحياز جهاز الدولة المحتكر إلى جانب مجموعات اغتنت سريعاً وهيمنت على الاقتصاد ليس بسبب قدراتها وكفاءاتها ومهاراتها، ولكن من خلال المحسوبية وتقريبهم على حساب الاخرين. هذه الوضعية تكشف أيضاً اللامساواة التي تواجه المواطنين، ولابد ان تعالج قبل الدخول في أي اتفاقيات تهتم باقتسام السلطة والحكم وتنسى حقوق المساواة بين المواطنين وحياد جهاز الدولة الذي يجب ان يخدم كل المواطنين بلا فرز او تمييزه خلقت الانقاذ طبقتها الجديدة من خلال جهاز الدولة ولابد من التغيير والا يكون ما حدث امراً واقعاً. فنحن نشعر بالاغتراب داخل الوطن حين نذهب لقضاء المعاملات، اكثر مما كان الحال عندما كنا في غربة جغرافية. والسؤال مازال في السودان عندما تتوجه لوزارة او مؤسسة او مصلحة حكومية لقضاء امر، هو: بتعرف زول هناك؟ وليس اوراقك سليمة وصحيحة أم لا؟ ومازالت أجهزة الاعلام يسيطر عليها الانقاذيون رغم تسرب ضئيل يحدث بالصدفة، ولكن السياسة العامة هي احتكار الاعلام وتقرأ احتكار العقل السوداني أو الوعي والادراك في ايد محددة تؤمن بالشمولية ولكنها قد تتعطف للاخر وتمتن عليه بلحظات رغم ان الاعلام كله تقع نفقاته على كاهل دافع الضرائب والزكاة والرسوم الاخطبوطية. هذا مجال يحتاج إلى المساواة ـ لانه ملك للشعب السوداني ـ وهذه مقدمة ضرورة لأي وفاق حقيقي او حوار صادق. يجيء بعد المساواة او معها، مبدأ الاحترام للمواطنين بالذات المختلفين او المعارضين للسلطة الحاكمة. ولكن ما قامت به الانقاذ خلال ايامها الاولى ـ كان خالياً من الاحترام بل تعمدت الاهانة والاحتقار بقصد ترويع وتخويف المواطنين المعارضين. وهذا سلوك مشين وشاذ، وقد ادانه عدد من الانقاذيين بصورة فردية وسكتت الحركة الإسلامية ككل عن الخوض فيه. تلك مرارات وجروح اتمنى ان نجد السبيل إلى تجاوزها بطريقة عقلانية وقومية ولكن الا نقفز عليها. في مصر قام النظام الناصري باهانة الشيوعيين ورمى بهم في سجون الواحات والمحاريق من عام 1959 حتى 1964 ومع ذلك حين اظهر عبدالناصر خطاً وطنياً وقفوا إلى جانبه، وفي شيلي تجاوز الديمقراطيون عن مجازر العسكر وفظائع بينوشيه ودخلوا الفترة الانتقالية إلى الديمقراطية بروح مختلفة. حتى ملاحقة بينوشيه تمت بطرق قانونية بعيدة عن الحقد والانتقام. فنحن نحتاج إلى قدر من المصارحة والمكاشفة لدخولفترة الانتقال بلا مرارات مع تأكيد الاحترام والعدل. لابد من جملة اعتراضية، يظهر عدم الاحترام في بعض الممارسات اليومية التي لم تتوقف تحت دعاوى مختلفة. ففي الاسبوع الفائت تم اقتياد بعض الفتيات إلى مراكز الشرطة بتهمة الاخلال بأمن المجتمع ـ هكذا اسميها. وكثيراً ما تتسبب مثل هذه الممارسات في جرح وخدش كرامة بعض الاسر وخلق ندوب وعقد داخل فتيات في مقتبل العمر. ولا أدري لماذا الاصرار على قياس الاخلاق بشكل الملابس وفي الوقت نفسه لا يعتبر نهب أموال الشعب أو تلقي الرشوة أو الكذب جريمة اخلاقية تهز أمن المجتمع حقيقة. لم اسمع بأن هذه الحملات توجهت إلى القطط السمينة التي حولت أموال الشعب إلى مبانٍ شاهقة وسيارات مظللة وزيجات جديدة. هذا ما يهدد أمن المجتمع واخلاقه وقيمه. باختصار هذه الحملات دليل على الاصرار الغريب على عدم احترام المواطنين واستمرارهم كأهل ذمة لدى الانقاذ. الاحترام والمساواة شرطان لقيام مجتمع ديمقراطي وهذه خطوات صحيحة خلال فترة الانتقال تساعد في الوصول إلى خروج من الأزمة وتجاوز الماضي من أجل المستقبل الأفضل، ولكن للأسف مازلنا بعيدين عن الاحترام والمساواة.