بيان الاربعاء: يجمع الجزائريون على أن توفر الإرادة السياسية أمراً كافياً لفك أكبر معضلات البلاد في بداية هذا القرن: انفجار الوضع بمنطقة القبائل مع كل ما حمله، من دماء ودمار وأحقاد أفقدت سكان تلك المنطقة الثقة في الحكم القائم ووصلوا لأول مرة في التاريخ لطرح مسألة إدارة شئونهم بأنفسهم والانفلات من السلطة المركزية. وتجاذبت تيارات مختلفة المشارب تلك القضية، وتراشق الجميع طيلة عشرة أشهر بالتهم والتهم المضادة. وحدثت تحولات جذرية في المواقف في وقت قياسي من رفض الرئيس بوتفليقة المطلق الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية ورسمية في سبتمبر 1999 الى قيادته الحملة لتكريس اعتمادها في الدستور أسوة باللغة العربية. ويجمع الجزائريون أيضا حكومة وأحزابا و صحافة بأن الوضع خطير وبلغ درجة الانفلات، لكن الحلول المرهونة بالإرادة السياسية وحدها تعطلت وأعداد كبيرة من شباب القبائل تميل يوميا الى التطرف جراء الإحساس بالظلم والحرمان. وتعتقد نسبة عالية من الطبقة السياسية والمجتمع المدني أن اندلاع الأحداث لم يكن فقط بسبب مقتل شاب برصاص عسكري من الدرك في ثكنة بلدة بني دوالة بولاية تيزي اوزو ولكنها كانت نتيجة غضب كامن في نفوس العامة وجد في ذلك الحدث مبررا للانفجار في وجه كل ما هو رسمي، وتحولت المنطقة الى كتلة من نار ودخان. وفي ظل غموض أساليب معالجة هذه المسألة يبقى حتى أكثر الملاحظين تفاؤلا مشدودين الى الأحداث اليومية التي لاتزال تلهب الساحة بعد عشرة أشهر من اندلاع الأحداث. في هذا الجو المتشنج المتسم باحجام الرسميين وشبه الرسميين عن الحديث في الموضوع، «لحساسية الموقف» كما يقولون باستمرار يحاول «بيان الاربعاء» تقديم مختلف وجهات النظر حول الموضوع مع مجموعة من الشخصيات منها ما هي متصلة بالحدث مباشرة وأخرى ملاحظة ومجربة. وهذه هي الشخصيات المشاركة في الندوة: أحمد الدان رئيس دائرة الاعلام بحركة مجتمع السلم ثاني أكبر قوة برلمانية في البلاد، مصطفى بن محمد عميد نواب البرلمان الجزائري ـ الأمين العام لحزب العمال، بلعيد أبريكة قائد الحركة الاحتجاجية، فرحات مهني ـ زعيم الحركة من أجل الحكم الذاتي للقبائل، سليم عليلوش ـ رئيس وفد العروش المفاوض مع الحكومة، الدكتور عبد الرزاق دوراري ـ باحث في السيميائيات الاجتماعية بجامعة الجزائر، الدكتور عبد الحق برارحي نائب بمجلس الأمة ووزير سابق، الدكتورة زينب الأعوج أديبة وشاعرة. وفيما يلي نص الندوة: ـ كيف ينظر إلى الأزمة، هل هي تمس القبائل فقط؟ ـ أحمد الدان رئيس دائرة الإعلام والاتصال في قيادة حركة مجتمع السلم: يقول أولاً: الأزمة أزمة عقيدة وتاريخ تمس كل الجزائريين وليس القبائل وحدهم، أنا لا أسلًم بتسمية «أزمة القبائل» فما يجري بهذه المنطقة جزء من الأزمة الجزائرية الشاملة في الاضطرابات التي مست عمق مكونات الشعب في السنوات الأخيرة وخصوصا مكونات الهوية من دين وتاريخ. فعلى خلفية دينية تأزمت مختلف القطاعات في البلاد لعشر سنوات فيما يمكن تسميته «أزمة العقيدة». وفي شكل صدامات ومطالب عرقية تتجلى الأزمة في شقها التاريخي. والمسألة تعم الجزائر وليست خاصة بمنطقة القبائل وحدها أو بقضية القبائل كما تسميها بعض الأطراف. ولقد وصلت بعض هذه الأطراف الى استعمال عبارة «شعب القبائل» وكأنه كيان منفصل عن الشعب الجزائري. وهذه التسمية وان كان معظم الجزائريين ومعظم القبائل يرفضونها إلا أنها موجودة في الواقع كاتجاه سياسي. الأحداث التي تجري بهذه المنطقة في تقديري جزء من نتائج اضطرابات العقد الماضي وجزء من أزمة متعددة الأشكال تعيشها البلاد على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية. وتتصل أيضا بأزمة العلاقة بين الجزائر ومحيطها الإقليمي والدولي وهي بالتأكيد ستعطل المسار التنموي وبعض أولويات الجزائريين ويستدعي انفراجها ممارسة قواعد الديمقراطية من شفافية ونزاهة على أكمل وجه. فالوضع تعقد واتخذ أبعادا متشعبة منها الاجتماعي بالاحتجاج ضد الظلم أو كما يسمى في الجزائر (الحقرة) وما يمكن اعتباره سياسياً كالمطالبة برحيل الدرك الوطني من المنطقة وهو مساس خطير بمؤسسات الدولة وأخذت أيضا الشكل الثقافي من خلال عنصر اللغة. وبصدد هذا الشكل الأخير كانت حركتنا قد أكدت في مناسبات عديدة بأن أمر ترقية الأمازيغية الى لغة وطنية ورسمية لا يخضع لقرار بقدر ما يكون نتيجة التطورات التي ستشهدها هذه اللغة في الواقع وكسبها الأدوات العلمية التي تجعل منها ما يريده المطالبون بترقيتها وعندئذ ستصبح واقعا مفروضا وليس للدين أو الديمقراطية أو مؤسسات الدولة صلة مباشرة بالموضوع كما ليس لها أي عقدة تجاه اللغة ولكن حين تصبح أداة لتمزيق الوحدة الوطنية والتشكيك في عروبة الجزائر وفي إسلام الشعب الجزائري تصبح اللغة وسيلة لأهداف غير سليمة. ولا أرى أن ثمة حلاً للمشكل ان ارتبط فقط بهذا الموضوع فحتى إن اعتمدت هذه اللهجة لغة رسمية ووطنية فإن التوتر سيبقى بالولايات المتوترة حاليا فثمة دوافع تتجاوز عامل اللغة والتراث الى دعوات للانفصال واعتماد نظام أمني خاص من خلال الإصرار على ترحيل الدرك الوطني من المنطقة وما إليها من تجليات التوتر. وتغذي هذا الوضع أطراف أود أن أسميها «الجماعات التي تقتات من الأزمة». وهي جماعات المصالح التي تحرص على أن تبقى الجزائر باستمرار في أزمة تقتات منها وتبيض أموالها وتبيض شخصياتها وتاريخها وتبيض أيضا بعض المشاريع المشبوهة التي يراد تمريرها وهي تلحق الضرر بالوطن. فثمة إذن مصالح اقتصادية وسياسية وحتى دينية لاستمرار التوتر بمنطقة القبائل والأزمة في الجزائر عموما. أقول ـ حتى دينية ـ لأن المسيحية في تيزي اوزو وبجاية أصبحت ظاهرة متفشية بشكل واسع تهدد كيان الدين الاسلامي بهذه المنطقة رغم ما عرفت به في السابق من تمسك بالإسلام ونشره. ولعلمكم فإن أهم ولاية في الجزائر من حيث تشييد المساجد هي تيزي اوزو وأكبر المصادر الدينية في البلاد كانت زوايا الدين والعلم بتيزي اوزو. أما بجاية فحدث ولا حرج فقد كانت قلعة من قلاع العروبة والاسلام في التاريخ الجزائري. لكن اليوم تضرب هذه المنطقة بمصالح دينية بالتنصير أو بنشر مظاهر غريبة كبعض الغناء الذي يشمت في الاسلام وهو ما لا يرضى به عاقل لا في تلك المنطقة ولا في غيرها من الجزائر. ويجري كل هذا في ظل ضعف عام للسلطة الجزائرية والدولة الجزائرية التي أصبحت هشة يهزها صدور كتاب بفرنسا من لحبيب سوايدية (ملازم سابق في الجيش أصدر كتابا بفرنسا اتهم فيه السلطة بالضلوع في المجازر الجماعية المنسوبة للجماعات الإرهابية ـ المحرر) ويهزها اضطراب في بلدية من بلديات القطر ويهزها انخفاض سعر البترول وتهزها تصريحات المنظمات غير الحكومية حين تلوح بمحاكمة الجنرال فلان أو المسئول فلان. وضعف الدولة أعطى قيمة إضافية لبؤر التوتر التي تظهر هنا وهناك في البلاد. والذي يجري في القبائل أثقل كاهل المواطن الجزائري وعرض مصالحه للخطر فما يجري هناك من قطع للطرق التي تربط أجزاء البلاد المختلفة ونصب حواجز مزيفة لا يختلف في شيء عن الممارسات التي يقوم بها الإرهابيون باعتراض طريق الناس وتجريدهم من ممتلكاتهم وقتلهم. وتهدد تلك التصرفات بردود فعل خطيرة تعم البلاد. فقد يرد الشخص الذي تحرق سيارته، مثلا، في تيزي اوزو بنفس الفعل حين يجد سيارة من هذه الولاية بالمنطقة التي يقيم فيها. الوضع خطير إذن ومظاهر الاحتجاج بالقبائل ليست جديدة وتجري بصفة دورية منذ 1980م بل وكانت انطلاقتها في «حرب الولايات» عام 1963 مباشرة بعد خروج الاستعمار الفرنسي من البلاد وبداية الصراع بين من كانوا اخوة في الكفاح ابان الثورة التحريرية. لكن السلطة كانت سلبية في التعاطي معه فقدمت الوعود عن طريق قنوات غير مؤسسات الدولة. ولم تتبع أساليب الديمقراطية في التعامل مع المشكل من أساسه. وكان لابد من توسيع مجال الرأي في مثل هذه القضايا وتكفل المؤسسات الدستورية بالموضوع للاستجابة للمطالب المعقولة والرد على تلك التي لايمكن تحقيقها. أما أن يتكفل بالموضوع رئيس الحكومة أو وزير او حتى رئيس الجمهورية فهذا مجرد هروب الى الأمام ولا يحل بأي حال من الأحوال المشكل القائم. فالجزائري تربى مدة ثلاثين عاما في أحضان المطالب بعقلية «البايلك» (عبارة تركية مستخدمة في الجزائر ومعناها الملك العام ـ المحرر) لذلك يجب التعامل مع هذه العقلية في الظروف الجديدة بما يمكن من امتصاص عوامل التأزم وبما يسمح تجاوز هذه العقلية نفسها. وكنا ننتظر أن تتكفل الأحزاب بالمسألة كونها غدت سياسية وذات أبعاد داخلية وخارجية لكن أبعدت الأحزاب السياسية لتحل مكانها بدائل ذات اتجاه سلبي أعادت الى الميدان عقلية القبيلة في التعاطي مع أحداث بدولة حديثة، وهو أمر غير منطقي ولا يتناغم أبدا مع التطور الديمقراطي للجزائر. وأود أن أشير الى أن هذه المشاكل لم تكن واردة عندما كان البعد الديني والقيمي موجودا وكان الناس يتعاملون مع القيم ويعتبرون الاسلام أكبر من العرق. وأرى هنا ثلاثة عناصر يجب توفرها كإطار عام تجري فيه معالجة الأزمة أولها توفرالبعد الديني بقطع الطريق أمام انتشار المسيحية ومنع نشوء بؤر توتر وهمية مبنية على العرق وهذا بإفساح المجال أمام العلماء والدعاة للعمل وتوفير الدولة لمتطلبات ذلك باعتبارها المسئولة عن الجوانب المتصلة بالدين من خلال وزارة الشئون الدينية. وهذا سيسمح أيضا بتفادي الوقوع فيما وقعت فيه البلاد سابقا حين أصبح من لا يفقهون شيئا في الاسلام يتحكمون في توجيه الناس حتى أعلنوا «الجهاد» باسم الدين وارتكبوا في ظله مجازر في حق الأطفال والنساء. تفاقم سياسي ـ مصطفى بن محمد ـ عميد نواب البرلمان الجزائري ـ الأمين العام لحزب العمال يقول: معظم المطالب التي رفعها القبائل تعبير عن مظالم يعيشها الجزائريون في مناطق أخرى حتى يكون حديثي حول الأوضاع الخطيرة في منطقة القبائل مختصرا ومركزا أقدمه في تسع نقاط هي كالتالي: ـ إن الوسائل والطريقة المنتهجة من قبل السلطة الجزائرية في سبيل حل هذه الأزمة زادت الأوضاع تأزما، والدليل الانقسامات التي ظهرت في صفوف العروش واستمرار حركات الاحتجاج والغليان الشعبي، وما حدث في منطقة القبائل لم يكن صدفة بل نتيجة لتفاقم المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولاسيما غياب الحرية والديموقراطية الفعلية، واتضح أن سياسة الهروب إلى الأمام لا تحل المشاكل بل تعقد المسائل. ـ الاعتراف بالقبائلية جزء من حل الأزمة التي تعرفها هذه المنطقة، لكن الأزمة أعقد من مشكل الهوية والثقافة ولذا الحل في نظرنا هو الإسراع إلى اتخاذ خطوات ملموسة وبنية صادقة لحل المشاكل القائمة لا في منطقة القبائل وحدها بل في كل أنحاء البلاد. ـ نحن نعتقد أن هناك من يحرك هذه القضية داخل الجزائر وخارجها لأسباب متباينة، وفي المقابل التفاف المواطنين في المنطقة حول مسألة الأمازيغية دليل على تمسك السكان بثقافتهم وأصولهم ودليل آخر على شرعية المطلب، لكن اللوم والمسئولية يقعان على عاتق السلطة في الجزائر، فعليها أن تحل هذه المشكلة حتى تغلق الأبواب أمام من يتخذ منها مطية للاصطياد في المياه العكرة. فالبعض يتهم فرنسا بالضلوع في هذه الأزمة وعلى السلطة أن تبادر بالحل الواضح في نظرنا وحينئذ يتضح من يفتعل الأزمة ويفضح من يحركها. ـ لا حظنا أن السلطة أخذت وقتا وهي تحاول معالجة هذه المسألة وقد صرفها ذلك عن الالتفات إلى حل مشاكل المواطنين المتعلقة بحياتهم اليومية وذلك عبر مناطق أخرى من الوطن والتي لا تختلف كثيرا عن مشاكل هذه المنطقة ولا سيما في شقها الاجتماعي والسياسي، كما ان نتائج الأزمة وخيمة في المنطقة فضلا عن سقوط ضحايا الخسائر المادية كانت كبيرة كما أثرت على أداء الإدارة والمؤسسات وعطلت مصالح المواطنين نتيجة الفوضى السائدة والذين يحتاجون إلى الاستقرار والأمن للاهتمام بحياتهم. ـ استمرار أزمة القبائل من عام 1980 دليل على أن السلطة في الجزائر لاتريد إنهاء هذه المشاكل بالطرق السلمية والكفيلة بإخماد نيران هذه الأزمة، وأزمة القبائل تعود إلى سنة 1949 لكن بوجه آخر بحيث احتج بعض القادة في الحركة النضالية الجزائرية من التهميش والإقصاء من الأحزاب السياسية مثل حركة انتصار الديمقراطيات ولم يكن ثمة إعلان صريح بشأن المطلب الأمازيغي خلال تلك الفترة، لكن هناك من كان يقول من قادة الثورة ان القبائل مالوا إلى فرنسا ولذلك وقع إقصاؤهم وقمع بعضهم، وإذا كانت هذه القضية تعود كل مرة فلأنها لم تجد الحل النهائي والمناسب. ـ مسألة الأمازيغية في هذه المنطقة لا يمكن لأحد أن ينكرها والاعتراف بها أمرضروري لأن المطلب شرعي ولا يحتاج إلى استفتاء شعبي أو ما يشبهه، وقد أكدنا منذ سنوات أن تجاهل القضايا ومشاكل الشعب من شأنه أن يؤزم الأوضاع أكثر. كما أن هناك تأزماً سياسياً نتيجة غياب الحرية والديمقراطية الحقيقية وتفاقم المشاكل الاجتماعية فاتسعت دائرة البطالة والفقر، ولذا نجد أغلب مطالب هذه المنطقة مطروحة في مناطق أخرى من الجزائر وعلى السلطات المعنية أن تسارع في حل المشاكل الفعلية وتدرك أن سياسة مسك العصا من الوسط لا تنفع. ـ الحكومة ارتكبت خطأ جسيما لما فتحت الحوار مع مجموعة من المواطنين نعتوا بممثلي العروش، ولما توصلت معهم إلى بعض النتائج لم تسارع إلى تطبيقها ولاسيما ما يخص الاعتراف بالأمازيغية كخطوة تبين نية السلطة في إيجاد الحلول. حتى وإن كانت مصداقية العروش توضع بين قوسين والدليل ما أثير حول شرعية تمثيل هؤلاء المفاوضين لمواطني المنطقة حيث ظهر من لايعترف بالمفاوضات مع الحكومة ولا بالنتائج المتوصل إليها، ولذا لا يمكن الحديث عن نتائج مرضية بل من شأن هذا التوجه أن يزيد في تعقد الوضع. ـ الحكومة تخلت عن الأحزاب بما في ذلك أحزاب الائتلاف الحكومي وخلقت ما عرف بالعروش، ولا ندري لماذا؟ هل هي رغبة في خلق بدائل للأحزاب؟ وإذا كان هذا هو مبتغى السلطة فإنه خطأ كبير. فالمشكلة تهم الوطن ككل والقبائل أنفسهم يقولون إن المشكلة وطنية والأمازيغية مطلب وطني فلماذا لا يفتح نقاش صريح وشفاف داخل البرلمان الذي يضم أحزاب تمثل المنطقة بقوة وأعني جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية؟ وحتى وإن كنا نعرف أن التزوير حدث في الانتخابات السابقة إلا أن الحل المرضي لن يأتي إلا بفتح الحوار مع ممثلي الأحزاب بدل الحوار مع أطراف أخرى لا هوية لها. ـ الحل الوحيد هو فتح الحوار الديمقراطي والفعلي بإشراك القوى السياسية ممثلة في الأحزاب لتساهم في حل المشاكل القائمة كما أننا في حزب العمال نؤمن بالحل الشامل لا بأنصاف الحلول التي تهدئ الأوضاع فترة وجيزة لتعود بحدة وقوة. الحركة الاحتجاجية ـ بلعيد أبريكة قائد الحركة الاحتجاجية يقول: السلطة أهملت مطالب القبائل وحركتنا وطنية حملت هموم كل الجزائريين، أود أن ألاحظ أولا أن الجماعات الحاكمة يحلو لها أن تتحدث عن «أزمة القبائل»، وأن ترش الناش بصيغ لمعالجتها ووعود بتجاوزها. هذا هروب من الحقيقة لأن الأزمة موجودة على مستوى تلك الجماعات ذاتها وليس في القبائل ولا في أي منطقة من الجزائر. وما كنا لننتظم بهذا الشكل للدفاع عن وجودنا وعن مصالحنا لولا ذلك الافلاس الذي وصلت اليه السلطة بجميع أجهزتها. فقد مررنا بمرحلة صعبة ومعقدة بداية من ابريل الماضي وبلغت ذروتها في يونيو. وغدا الموت برصاص الدرك والشرطة أمرا عاديا في القبائل خصوصا وفي الجزائر عموما. هذه ليست مبالغة فقد حدث أن قتل ثلاثون شخصا وجرح المئات في يوم واحد. وحين وصل الوضع الى هذا الحد تحركنا وتعهدنا للسكان بالتكفل بمطالبهم واقترحنا على السلطة مخرجا بتنفيذ برنامج مطلبي تبناه مؤتمر عام جرى بمدينة القصر وهو ما أصبح يسمى «أرضية القصر» يتكون من 15 نقطة... هي في الحقيقة مبادرة لتجاوز الحالة الخاصة التي انجرت عن قتل الدرك شابا من المنطقة ببرودة دم والاستهتار والاستخفاف الذي قابلت به السلطات العليا ذلك الحدث. وقلنا إن تجاوز تلك الحالة يمر عبر الاستجابة للمطالب المطروحة بلا شروط ولا آجال. وأصبحت الكرة إذن في ميدان الحكام. أما على مستوانا فقد لمسنا تطورا كبيرا لحركتنا الاحتجاجية التي يقارب عمرها العام. ولا أظن أن ثمة حركة مواطنين في العالم تأسست في ظروف أليمة وبلا أدنى الوسائل تمكنت من الصمود في وجه الخراب والموت. وتكاد الحركة أن تتحول الى تنظيم حقيقي مهيكل، فقد كان الناس لا يعرفون بعضهم البعض وما جمعهم هو الاحساس بالظلم والاضطهاد من سلطة تمادت في تجاهل مطالبهم واستباحت ارواحهم، ومع مرور الزمن أصبحنا مثل أسرة واحدة لكل دوره ونحس بأننا نكبر فيما تتراجع السلطة. ونرى أن قضيتنا تتجه نحو الانفراج لأن المطالبين بها مستمرون في كفاحهم أما على مستوى السلطة فلا نعلم ما تريد. ويحلو لها في معظم الأحيان أن تحصر ما نطالب به في الخانة اللغوية لكن هذا غير صحيح وهروب من الواقع، فمطلب الاعتراف بالأمازيغية هو واحد من ضمن 15 مطلبا تحملها «أرضية القصر» التي نعتبرها السفيرة الوحيدة للقبائل لدى السلطة. وأتذكر أن الاعتراف بالأمازيغية مطلب قديم وتجند له السكان منذ عقود. وقناعتنا اليوم هي أنه لا يمكن الحديث عن جوانب اللغة والهوية دون تشديد العمل من أجل الديمقراطية الحقيقية ودون حرية التعبير وتحسين الأوضاع؟ فكل المطالب مترابطة ولا يمكن تلبية واحد دون آخر. ودعوني أذكر هنا بأول حركة احتجاج جماهيرية حول مسائل الهوية والثقافة، فقد كانت أحداث الربيع البربري التي اندلعت في 20 أبريل 1980 شرارة للمطالبة بالاعتراف بالأمازيغية وبنشر الديمقراطية والحريات ومع أن تلك الحركة التي انطلقت من الجامعة تعرضت لقمع شديد فإنها تغلغلت في أوساط المجتمع، وخلقت لنفسها مسارا خاصا ومناعة من التآكل وظلت هكذا قائمة ويشتد عضدها باستمرار الى اليوم. وتمكنت خلال عشرين عاما من تقديم تضحيات كبيرة لتعبيد الطريق أمام تحقيق المطالب. وأذكر هنا أن فتح أقسام دراسية للغة الأمازيغية في السنوات الأخيرة كان بفضل إضراب المحفظة الذي قام به تلاميذ وأساتذة منطقة القبائل عام 1994. لكن اليوم تدريس الأمازيغية لا يكفي ولابد من إيجاد إطار قانوني بترسيمها دستوريا. والاعتراف بكونها لغة وطنية أمر غير مطروح و«لعب أطفال» فهي وطنية بالأساس ولا يحتاج ذلك الى اعتراف من أحد، فالناس يتحدثون بها في القبائل ومنطقة الأوراس ومنطقة بني ميزاب في الصحراء و الشنوية غرب العاصمة والشلاح والطوارق في أقصى الجنوب هي إذن حاضرة على كامل التراب الجزائري ولغة الملايين منذ نعومة أظافرهم الى نهاية حياتهم. المطروح هو ترقيتها في مؤسسات الدولة الى لغة رسمية يتم التعامل بها في هذه المؤسسات. وأعتقد جازما أن هذه المسألة لها دور أساسي في تأزيم أو تهدئة الوضع في الجزائر. وأقول إن الاستجابة للبرنامج المطلبي الذي تبنته الحركة بمدينة القصر ووقع عليه ممثلو عشر ولايات يشكل الطريق إلى الاستقرار. وأؤكد أيضا أن الحركة مازالت ملتفة حول هذا البرنامج ولاتزال موحدة والقول بأن هناك «عروش محاورين» وعروشاً ضد الحوار مغالطة. فالذين يلتقون حول مائدة مع الحكومة هم أشخاص لهم علاقة سابقة مع السلطة وهم في الحقيقة يمثلون وجه السلطة في القبائل ويعتبرهم الناس في المنطقة عملاء النظام ليس إلا، وهم معزولون في قراهم وأحيائهم، لأن الناس يدركون أننا دفعنا الثمن غاليا ويجب محاربة من يلعبون بدماء من سقطوا من أجل القضية. وحين تسألوننا: «لماذا ترفضون الحوار؟» أقول لأن حركتنا ناشئة أفرزتها أحداث الربيع الأسود الذي بدأ في أبريل 2001، لكن بها إطارات عالية التكوين ومارست العمل السياسي من قبل ولها من الخبرة ما يمكنها من تقدير الأمور بصدد العلاقة مع السلطة. ونعرف جيدا القدرات الكبيرة للسلطة في الجزائر على التفرقة واختلاق المشاكل وسط معارضيها. وتوجه لنا انتقادات أننا رفضنا الدخول في مفاوضات مع النظام على أساس أن الحوار هو نهاية كل النزاعات وأن الجزائر بعد حرب طويلة مع فرنسا انتهت إلى مائدة المفاوضات وجيش الإنقاذ قاتل الحكم القائم ثم فاوضه في نهاية المطاف. هذا أمر طبيعي ونعلم ذلك جيدا. اسباب رفض التفاوض ـ لماذا رفضتم التفاوض؟ ـ إبريكه: ببساطة طلبنا الموافقة المبدئية من السلطة العليا على برنامجنا المطلبي ثم يتم اللقاء لابرام اتفاق رسمي، لكن السلطة لم تستجب وتريد استدراجنا لحوار لا ينتهي تكون نهايته ليس إيجاد تسوية للمشاكل القائمة ولكن إيجاد ثغرات في جسم الحركة لهدمها. ولقد أدركنا ذلك منذ البداية. ويتساءل الكثيرون لماذا نطالب بسحب فرق الدرك من منطقة القبائل، أود أن أقول أن مشكلتنا مع الدرك لم تبدأ بقتل الطالب جرماح ماسينيسا بداخل الثكنة في 18 أبريل الماضي لكن هذا الجهاز ارتكب مخالفات متكررة وكان مصدر قلق السكان بتماديه في الظلم وممارسات ترفضها أخلاق وتقاليد سكان منطقة القبائل ونشر آفات اجتماعية. ويلاحظ الجميع أن الدرك لا يتدخل عندما نحتاجه ويتأخر في نجدة الناس ولم يتجند ضد الأعمال الإجرامية التي ترتكبها الجماعات الإرهابية في المنطقة... الدرك باختصار مشغول بأعمال أخرى غير حماية الناس لذلك لن نخسر شيئا إن غادروا بل سيكون رحيلهم جزءاً من مسار الاستقرار. نحن ندرك هذا لكن أناسا آخرين من جهات أخرى يؤنبوننا على هذا الموقف ويتهموننا بأننا ضد مؤسسات الدولة ويشككون في إمكانية الحياة بلا درك. نحن لم نطلب رحيل الشرطة ولا الحرس البلدي ولا أي جهاز آخر من أجهزة الدولة. ونحن لم نطرح نظاما أمنيا خاصا بالقبائل دون سواها من مناطق الجزائر. لقد رأينا أن هذا الجهاز يفرز المساوئ دون المحاسن فطلبنا إزالته، ويمكن لغيرنا في مناطق أخرى أن يفعل نفس الشيء ولا أعتقد أن زوال الدرك يشكل نهاية العالم. يمكننا أن نعيش في راحة وبدون درك. والأمر في الواقع بسيط ولا يحتاج الى فلسفة. والدرك معزول في القبائل منذ تسعة أشهر وسيكون عرضة لانتقام السكان ان عاد الى النشاط من جديد بمعنى أن عودته تتسبب في رفع وتيرة الاضطراب. وهناك أمور كانت موكلة للدرك في السابق نرى أن الجيش يمكن أن يقوم بها وكذا المؤسسات الإدارية. وبالنظر الى المسائل التي طرحناها، أصبح الكثيرون بمن فيهم أطراف في السلطة وبعض وسائل الإعلام يصنفوننا ضمن الخارطة السياسية لكن الواقع ليس ذلك لقد اتفقنا منذ البداية على أننا حركة احتجاجية تحمل مطالب ستعمل حتى تحقيقها وليس لها أي طموح للعب دور سياسي بديل للأحزاب التقليدية ولا ترغب في المنافسة على السلطة. ولا نعقد اجتماعا إلا وأكدنا فيه رفضنا جر الحركة الى معترك السياسة الذي تشغله الأحزاب. ومواقفنا مستقلة وتستند إلى المطالب التي حققت إجماع القبائل. وتساءلتم عن موقفنا من المبادرة التي أطلقتها بعض الأطراف في المنطقة والمتعلقة بطروحات الحكم الذاتي. نحن لا نسير في هذا الاتجاه رغم هذا لا أسمح لنفسي بالحكم على مبادرة هي في بدايتها. وأؤكد أن حركتنا تعمل من منطلق وطني ومطالبنا ليست جهورية هي ديمقراطية للجزائر كلها ولقد طرحنا مطالب اجتماعية تجمع كل الجزائريين ولم ندع أبدا إلى تمييز منطقة القبائل عن سواها بالجزائر. ولم ندع إلى الانشقاق عن وطننا الجزائر. ونحن واثقون بأن نجاح حركتنا التي انطلقت من القبائل ستكون نجاحا للحركة الديمقراطية في الجزائر كلها وفشلها يركع القوى الديمقراطية ويقلص مكاسبها في الجزائر كلها أيضا. ولا نرى أننا مخطئون حين أعلننا بأننا سنمنع إجراء الانتخابات في المنطقة هذا يدخل ضمن نضالنا ونحن نرفض القفز على الواقع إذ لا يعقل تصور تنظيم انتخابات ودعوة الناس للمشاركة فيها ومطالب هؤلاء الناس معلقة منذ مدة طويلة وجراحهم لاتزال تنزف دما. ولا نرى تماما أن قرارنا يمس بسلامة وحدة الجزائر لما تريد بعض الأطراف إيهام الناس لتأليبهم على القبائل وقد سبق أن منعنا ثمانية وزراء من أداء عملهم خلال زيارات الى منطقة القبائل ضمن حصار النشاطات الحكومية التي ترمي إلى تجاوز الحركة الاحتجاجية والقفز على المطالب الشعبية. وما نفعله يجرى التشاور بشأنه في الاجتماعات الدورية التي تضم ممثلين عن مختلف المناطق في الولايات التي حررت البرنامج المطلبي المسمى «أرضية القصر» وهي عشرة لحد الآن ونعمل على توسيعها إلى مناطق أخرى من الوطن. وليس ثمة شك أن عددا كبيرا من الناس سواء في الجزائر أم في الخارج يتساءلون عن حل الأزمة في القبائل. الأمر في تقديري واضح وضوح الشمس هو أن المسألة تتعلق بتوسيع وتعميق مجال الحريات في الجزائر والاستجابة لمطالب سكان القبائل المتضمنة في أرضية القصر الأمر يتعلق بقرار سياسي من السلطة للاستجابة لتلك المطالب و إشراك الحركة الاحتجاجية في تنفيذها لضمان السير الحسن للعملية وبهذا نضع معا حجر الأساس لديمقراطية حقيقية في بلادنا ونتفادى انزلاقات أخطر. وفي انتظار ذلك سنواصل العمل والاحتجاج. الوجود الأمازيغي مهدد ـ فرحات مهني زعيم «الحركة من أجل الحكم الذاتي في القبائل» يقول: الحكم الذاتي ليس استقلالا ولا انفصالا وهو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الوجود الأمازيغي، الوضعية الحالية في القبائل معرضة لكل أنواع المخاطر. فالحكومة فشلت في جر الحركة الاحتجاجية الى التفاوض والشعور بالإهانة والظلم يكبر يوميا لدى سكان المنطقة ويكبر معه الحقد ونزعة الانتقام. فشل الحكومة في تقديري ناتج عن استمرار تعاطيها مع هذا الموضوع بأساليب قديمة أصبحت معروفة الى درجة الابتذال هي المواجهة العنيفة والمناورة السياسية. أما رفض السكان فناتج عن عدم ثقتهم في السلطة المركزية ووعودها بفعل تجربتهم وتراكم الخيبات من جهة وفداحة الخسائر البشرية التي لحقت بهم فيما أصبح يسمى «الربيع الأسود» من جهة أخرى. والسلطة تطلب اليوم من قوم قتلت قواتها منه ثمانين شخصا بالرصاص وأصابت نحو ألف بعاهات عدد كبير منها مستديمة أن يتعامل معها وكأن شيئا لم يكن. هذا موقف غير جدي. فما يفصل الطرفان نهر من الدم لذا تجد الناس يرفضون وجود الدرك الوطني الذي اقترف جرائم القتل بالمنطقة ويطالبون بترحيله قبل أي تفاوض. ثم إن استخفاف المسئولين كلهم بما جرى ولامبالاتهم بالضحايا لايساعد على بعث الثقة تجاه السلطة. وأنا لا أستبعد عودة المجازر التي ارتكبها الدرك العام الماضي في حالة عدم الانسحاب الكامل لهذا الجهاز من المنطقة. وأعتقد أن لجوء الحكام الى الحل العسكري كان اختيارا خاطئا ليس فقط لكون المسألة سياسية ولكن لتوفر اختيارات أخرى أكثر نجاعة وأقل تكلفة. وعوض البحث عن حل فعلي للأزمة وتوفير شروط امتصاص غضب الغاضبين لجأت السلطات مرة أخرى الى المغالطة بتنصيب أشخاص لايمثلون شيئا في القبائل محاورين باسم السكان وهذا شكل في نظر ناس المنطقة تعديا صارخا على الضمير وانحطاطا أخلاقيا قبل أن يكون سياسيا، فهؤلاء يسمون في المنطقة «دمى» يتحركون تحت الطلب وهم معزولون عن واقع المنطقة وأهلها، وهم في هذه الحال كيف لهم أن يكونوا مفاوضين يؤخذ برأيهم. إنها مهزلة. وهذا الاختيار المركب من العنف والمناورة السياسية في الواقع قديم ولم يكن وليد الأحداث الأخيرة. فما يجري هو تراكم أزمات في المنطقة بدأت منذ الاستقلال مرورا بأحداث الربيع البربري التي خلفت مئات من القتلى والجرحى عام1980 فإضراب عام كامل عن الدراسة عام 1994 ببلوغ هذه الأزمات الذروة العام الماضي. وهذا التراكم وفر شروط التباعد والانفصال بين القبائل والسلطة المركزية. ولم نكن لنصل الى ما نحن عليه اليوم لو تمت الاستجابة للمطالب الثقافية التي رفعها طلاب الجامعة والسكان عام 1980 باعتماد الأمازيغية لغة وطنية ورسمية ولم نكن لنصل الى هذا الحد من العنف أيضا لو تحقق هذا المطلب خلال إضراب 1994 المذكور. لقد كان الناس يأملون أن يروا لغتهم حية في وسائل الإعلام وفي الهيئات الرسمية والمدرسة وهذا ليس طموحا خاصا بالقبائل، فجميع شعوب الدنيا تريد ترقية ثقافتها وهويتها ونشرها الى أبعد ما يمكن. لكن خاب أملهم وعمدت السلطة في بعض الحالات الى الاستفزاز فمثلا بعد الأحداث التي أعقبت اغتيال المطرب القبائلي معطوب الوناس في صيف 1998 ورفعت خلالها مطالب بترقية الأمازيغية كان رد السلطة هو إصدار قانون عاجل يتعلق بتعميم استعمال اللغة العربية. وهو ما رأت فيه القبائل تحديا لمطالبهم وإصرارا ليس على تجاهلها فحسب بل على إذلال أصحابها. ويجب أن يكون التعامل مع الواقع كما هو ولا يحتاج الأمر الى طاقات فكرية خارقة للعادة لاكتشاف هذا الواقع وهو أن القبائل ليسوا عربا.. والعرب ليسوا قبائل. بلادنا بها عرب وبربر هذا هو الواقع، يجب أن يحترم كل منهما لغة وهوية وثقافة الآخر ويتعايش معه دون مشاكل. وتحقيق الاستقرار والسلم يحتاج الى مقاربة أخرى للأزمة. والواقع كذلك أنه لا يمكن فرض الأمازيغية على المناطق التي يستعمل سكانها العربية لأن الذي يقتنع بأنه عربي تصبح الأمازيغية أجنبية بالنسبة إليه. لهذا أقول إن اعتبار الأمازيغية لغة وطنية في الجزائر أمر تجاوزه الزمن ولم يعد طرحا صالحا. الأمازيغية هي لغة من يتحدثون بها ويناضلون لترقيتها. وحين اقتنعنا باستحالة وجود حل في الأطر التقليدية، وبأن الوضع مرشح لتدهور مزمن طرحنا فكرة الحكم الذاتي كبديل للانسداد والأزمة وسنعمل على تحقيقه بالطرق السلمية. وأود أن أشير إلى أن سكان القبائل استحسنوا عموما طرحنا ورأوا أنه بدأ يؤتى ثماره، فبعد مبادرتنا مباشرة عجلت السلطة بفتح قنوات الحوار والهرولة لاعتماد الأمازيغية وتثبيتها في مواد الدستور. ويتساءل الكثيرون عما يمكن أن يمنحه لنا الحكم الذاتي، أقول إننا انطلقنا في المشروع بعد نفاذ جميع وسائل ايجاد تسوية مع السلطة المركزية بمعنى أننا لا نملك ما نخسر مع هذه السلطة، حتى أن مئات من الناس لم يفكروا طويلا للانتساب للفكرة. فقد خسروا من قبل، فكيف لا يبحثون عن أساليب جديدة لن تكون في كل الأحوال أسوأ مما كانت عليه من قبل، وعلى العكس فإننا سنحقق مكاسب كتلك التي تحققها أية جماعة تحررت من القيود وسياسة الإلحاق. وبالحكم الذاتي ينتهي مسلسل المواجهات الذي ألحق على مدى أكثر من عشرين عاما أضرارا جسمية ونفسية كبيرة بالسكان. حيث ترحل الأجهزة التي استخدمت العنف والقمع لتحل محلها هيئات أمن محلية على أسس جديدة. وبه نعيد تنظيم المدرسة على أساس هويتنا ونرفع المستوى المتدني للتعليم وفق التطورات الحاصلة في العالم ونحن بالتأكيد قادرون على ذلك لكن البرامج المركزية عطلتنا كما عطلت باقى البلاد. وسنفتح قناة تلفزيونية حال الحصول على الحكم الذاتي لترقية العمل الاعلامي والحوار الخلاق. وأذكر هنا أن التلفزيون الرسمي لا يخصص ولو حصة واحدة في الأسبوع باللغة الأمازيغية بعد أربعين عاما من الاستقلال. ألم يشمل استقلال الجزائر الثقافة الأمازيغية؟ الحكم الذاتي ليس انفصالاً وعندما نعلم أن الجزائر ساندت منذ أكثر من ربع قرن قيام دولة مستقلة على أرض الصحراء الغربية التي لايزيد عدد سكانها وقتذاك على 75 ألف نسمة فكيف يحجب عنا الحكم الذاتي ونحن شعب يتجاوز تعداده تسعة ملايين. كما سنشرع في احداث تغييرات اقتصادية عميقة ونحن بتحرير مبادرات أهل المنطقة قادرون على تسجيل طفرة اقتصادية كبرى. فالاقتصاد الجزائري يسير ببطء شديد والتقيد به أخر المنطقة كثيرا علاوة على أن الدولة لم تستثمر بالقبائل منذ أحداث 1980. هكذا إذن فإن الدوافع التي تحرك فكرتنا متعددة الأبعاد وشرعية في آن. ونحن لانرى سبيلا آخر يمكننا من تحقيق طموحنا غير الحكم الذاتي. فقد فشلت السياسات السابقة كما أسلفت. ويتهمنا البعض بأن ما نطرحه هو انفصال عن الجزائر، أقول هنا لو كان هدفنا هو الانفصال ولو كنا نرى مصلحة للاقليم في الانفصال لاستعملنا هذه العبارة بلا تردد ولا حاجة لتغليفها في عبارة أخرى، فالحكم الذاتي الذي نعمل من أجله ليس انفصالا ولا استقلالا عن الجزائر ولكنه منهاج تسيير للشئون العامة يعوض الطريقة السابقة التي أفلست. وأود أن أذكر هنا أن إسبانيا دولة واحدة لكن مقاطعاتها تتمتع بالحكم الذاتي وهذا زادها قوة وقدرة على النمو ولم يعرض ذلك بأي شكل من الأشكال وحدة الأمة إلى الخطر. وأشيد أيضا بطريقة الحكم في دولة الإمارات العربية المتحدة التي نمت وتطورت بصيغة حكم مرن قادر على العطاء. ثم إنني ابن شهيد ثورة التحرير والجميع يعلم ذلك ولست مستعدا لخيانة روح والدي بتقسيم الجزائر التي استشهد من أجلها موحدة. وما نفعله اليوم بالكفاح من أجل الحكم الذاتي هو في الحقيقة استمرار لرسالة هؤلاء الشهداء، لأننا نعمل من أجل ازدهار منطقتنا وانهاء صراعات عقيمة طال أمدها وتضميد جرح في جسم الأمة ظل ينزف منذ عقود. ويعلم الجميع بمن في ذلك الحكام أن منطقة القبائل انطلقت في العمل السياسي المعاصر منذ عام 1927 من أجل مصلحة الجزائر بل ولمصلحة شمال افريقيا كله وفي عمل موحد ومشترك مع باقي مناطق الجزائر وكرست هذا الاتجاه مساهمتها الكبيرة في ثورة التحرير وقتال أبنائها في مختلف أنحاء القطر الجزائري. فليس ثمة إذن ما يدعو الى التشكيك في النوايا حين تطرح مسائل الهوية والثقافة والديمقراطية. وكثيرا ما سمعنا أن قوى أجنبية تقف وراء الحركات الاحتجاجية المتعاقبة في القبائل، أود أن أقول إن منطقتنا لاتحتوي البترول ولا الغاز ولا مناجم الماس الذهب التي تسيل لعاب القوى الأجنبية.إ ن تحقيق مشروعنا يضع حدا نهائيا لسوء العلاقة بين القبائل والسلطة، ويحسن الأداء في جميع المجالات وينهي نقاشا فارغا حول «وحدة الجزائر» كلما طرحت مشاكل الديمقراطية والهوية في القبائل. ويفتح للجميع طريق التفكير فيما أسمى من التراشق بالتهم. لقد درسنا الموضوع جيدا ومن الناحية الجغرافية يمكن تحديد اقليم الولاية التاريخية الثالثة ـ حسب التقسيم الاداري الذي اعتمدته قيادة الثورة خلال حرب التحرير وهذه الولاية يقطنها القبائل وتتشكل اداريا حاليا من ولايات: تيزي وزو وبجاية وشمال البويرة وشرق بومرداس وجزء من ولايتي سطيف وبرج بوعريريج. ونحن لا نطلب الانتماء القسري لاقليمنا فالمناطق التي تريد أن تبقى خاضعة للسلطة المركزية لها ذلك على أن ينظم استفتاء بهذه المناطق لتحديد مصيرها. ونمارس في اقليم الحكم الذاتي كل النشاطات التي تمارسها أي دولة مستقلة بحيث ننتخب برلمانا ومجالس محلية وحكومة محلية وقضاء محلياً وما الى ذلك من شروط قيام الدولة. وهذا لا يمنع القبائل من التواجد بالبرلمان المركزي والحكومة المركزية. فيما يبقى الدفاع والدبلوماسية من صلاحيات السلطة المركزية وتبقى العملة المتداولة واحدة. الحكم الذاتي كيف تحققون الحكم الذاتي؟ ـ بالنسبة لطريقة تحقيق الحكم الذاتي نحن الآن بصدد نشر الفكرة في الأوساط الشعبية وفي حالة اعتناقها من أغلبية السكان نتوجه الى السلطة لتحقيقها ونتمنى أن يحدث التجاوب عبر حوار مفيد وجدي مرتبط بأجندة تجسيد محددة ومحترمة. لكن في حالة تجاهل السلطة لمساعينا سنكون مضطرين لتنظيم انتخابات بحضور ملاحظين وطنيين ودوليين. ومهما يكن فإن القائمين على مشروع الحكم الذاتي سيبقون رجال سلم مسلحين فقط بالقناعة الديمقراطية والاستعداد للحوار. وهم مع إجماع القبائل على مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة انها تتجاهل مصالحهم ولن تأتي بأية فائدة للمنطقة ولسكانها. ـ سليم عليلوش رئيس الوفد المفاوض مع الحكومة من عروش القبائل يقول: الحوار كان نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة والحكومة تجاوبت مع مطالب القبائل وقبلتها. ما يجري في القبائل من مواجهات يعكس مرحلة تراكمت فيها المشاكل بكل أشكالها ويأتي متزامنا مع التعتيم الإعلامي الذي ولدته أزمة عامة اتسمت بانتشار فظيع للظلم والإقصاء الاجتماعي وتجاهل جذور الهوية وانتشار الأمية ومظاهر سلبية كثيرة أخرى تضافرت كلها لتنتج أزمة خانقة بلغت درجة الانفجار. وبخصوص الوضع الذي شهدته منطقة القبائل يبدو أنه يتجه نحو الانفراج شرط أن تعالج مسائل الإقصاء الاجتماعي والظلم والهوية. أما الوسيلة التي من شأنها معالجة الوضع فهي الحوار الشامل حول كل ما يتعلق بالأحداث وأسبابها. الوضع إذن يستدعي معالجة شاملة وعميقة. وأعتقد أن الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية وإقرار إجبارية استعمالها في المهام الرسمية ومؤسسات الدولة لن يحل المشكل القائم فهذا مطلب رئيسي لكنه ليس كل شيء. بيد أن ذلك يمكن أن يكون مدخلا لحل الأزمة القائمة في منطقة القبائل وفي الجزائر على العموم لمايمثله من اتجاه نحو تعزيز الديمقراطية والحريات. ونلاحظ جانبا كبيرا من التشويه والتشويش رافق الحركة الاحتجاجية وكذا جميع الحركات المطلبية التي جرت بمنطقة القبائل في السنين الماضية. فالبعض يعارض المطالب المطروحة تحت تبريرات واهية وتشكيك في مصداقية المطالب ونزاهة أصحابها فمثلا ترتفع بعض الأصوات هنا وهناك كلما تعلق الأمر بالحديث عن الهوية الأمازيغية للشعب بإشاعات مفادها أن ثمة أطرافاً أجنبية وأقطاباً داخلية لها مصلحة في الاضطراب بالقبائل. إنني هنا أنفي تدخل جهات أجنبية ولا حتى جهات جزائرية مقيمة خارج الوطن. أما داخليا فثمة أطراف عملت بالفعل على أن تحول منطقة القبائل لما لها من خصوصيات الى حلبة صراع لا ينتهي، وهي الأحزاب السياسية التي تستغل القضية الأمازيغية كمطية للوصول الى السلطة أو الضغط على الحكم القائم. كما لا أنفي وجود «مافيا» منظمة لها مصالحها بالمنطقة وتعمل باستمرار على خلق الجو الذي يناسبها إن كان اضطرابا أم استقرارا. وتمكنت الحركة الاحتجاجية الأخيرة من فضح تلك الأطراف، وكرست الانطباع بأن الأزمة التي اندلعت في القبائل هي أزمة كل الجزائر حركها بالأساس تجاهل الوجود الأمازيغي في تاريخ البلاد ونكران هوية هي هوية كل الجزائريين. وأعتقد أن المطالب المطروحة من قبل سكان تلك المنطقة تعبر عن ضرورة تغيير شامل للنظام الذي يسير الدولة الجزائرية. وحين تسألني عن هذا السيل المتواصل من الاحتجاجات في المنطقة منذ الأحداث الكبرى عام 1980، أقول إن حاملي القضية الأمازيغية يدركون أهميتها في حياتهم وهم قاوموا اتجاهات طمسها ولم يربطوا جهدهم بزمن معين بل بهدف كبير هو تكريسها لغة وطنية للجزائريين وثقافة مرجعية للشعب. واستمرار حركة الاحتجاج وأن بوسائل مختلفة هو نتيجة «سياسات» صم الآذان وغض الطرف وتجاهل الواقع التي انتهجتها السلطة في مختلف المراحل لاسيما بعد ما انتفض السكان عام 1980. لقد كانت السلطة تريد دفن كائن حي ينمو ويرفض الموت وهي قضية شعب بأكمله. واليوم يبدو أن الأمور بدأت تتغير وبصفة ملموسة بعدما فتحت قنوات الحوار حول المسائل التي طرحتها حركة الاحتجاج منذ أبريل الماضي وتجسدت في أرضية مطالب توجت اجتماعا عاما لممثلي مختلف مدن وقرى منطقة القبائل. ولقد كانت هذه الأرضية منطلق العمل المشترك بين العروش والحكومة في إطار ورشات العمل وجرى نقاش واسع تجاوبت الحكومة مع المطالب بشكل كبير وبدون أي عقدة أو حساسية. وتمت دراسة كل النقاط المدونة في تلك الأرضية من الناحية القانونية والتقنية مع بحث آليات تجسيدها ميدانيا ودرسنا مع ممثلي الحكومة إمكانية تطبيق النقاط المتفق عليها وقمنا معا بصياغة تقرير نهائي يصبح ساريا حين يوافق عليه رئيس الجمهورية. ومع اننا حاورنا الحكومة في موضوع تسوية الوضع بمنطقة القبائل بعد شهور من المواجهات وطرحنا اقتراحات فإننا نرفض ما ذهبت إليه بعض الأوساط من أننا نملأ الساحة ضجيجا بغرض إزاحة الأحزاب السياسية التقليدية من مواقعها وأخذ مكانها في المجتمع. أقول إننا نقوم بواجبنا لكننا لا نرمي إلى تعويض أي من الأطراف السياسية القائمة. نحن تحركنا ك«عروش» ولو أردنا غير ذلك لفعلنا وليس صعبا في الجزائر أن تقوم مجموعة من الناس بتأسيس حزب سياسي خاصة اذا كان مشروعها يستند الى قضية كبيرة من شأنها أن تجر الجماهير معها. الهوية التاريخية للجزائر ـ الدكتور عبد الرزاق دوراري باحث في السيميائيات الاجتماعية ـ جامعة الجزائر، يقول: الاضطرابات مست عشرين ولاية ليست كلها قبائلية والقاسم المشترك هو النظام السياسي والوضع الديمقراطي والاجتماعي بداية من الواجب التذكير بأن الجزائر تختلف في جوانب شتى عن باقي البلدان العربية من حيث أن المجتمع الجزائري ـ وهذا راجع إلى تاريخه الخاص القديم والحديث ـ تكونت لديه عبر صيرورة تاريخية طويلة ومعقدة قابلية كبيرة للتطور وإرادة قوية على تغيير أوضاعه للدخول في حداثة سياسية واجتماعية وثقافية وفكرية. إنه لا يرضى أن يبقى في وضع يشبه الجمود الاجتماعي والفكري، بل يحاول بكل قواه أن يشبه حركية شعوب شمال المتوسط ويرى أن أوضاعهم السياسية يمكن تحقيقها في بلاده وأنه أهل لها. وتعد منطقة القبائل بصورة خاصة من المناطق الجزائرية الأكثر تنظيما ومقاومة من أجل إضفاء الطابع الديمقراطي على النظام السياسي السائد في البلاد ومن أجل التقدم نحو تكريس هوية وطنية جزائرية مبنية على التاريخ الحقيقي للجزائر. ولقد مست هذه الأحداث أكثر من عشرين ولاية في الجزائر ليست كلها قبائلية. والقاسم المشترك هنا هو النظام السياسي والوضع الديمقراطي والاجتماعي. حيث يعيش الشعب الجزائري وضعا مزريا فقد فيه قسطا كبيرا مما كان يحوزه من قبل. وبتوسع رقعة الفقر في التسعينيات جراء الأحداث الإرهابية وإعادة جدولة الجزائر ديونها من قبل المصارف الدولية أدى إلى تفسخ نظام الدولة وفساد نظام الحكم. في السنوات الأخيرة من التسعينيات تراكمت الأموال في البلاد بنفس السرعة التي تراكمت بها المشاكل الاجتماعية (البطالة ونظام الصحة العمومية والسكن ومشاكل التكوين والتربية) من دون أن يوضع لها أي حل. كما عمدت السلطات إلى مقابلة كل حركة احتجاجية بالقمع وتضخيم أعداد رجال قمع المظاهرات. في القبائل كان القمع المفرط هو سبب اندلاع النيران التي كانت تنتظر من يضرمها في مادة جاهزة سريعة الالتهاب. وهذا كل ما حدث وضلت السلطة لما ظلت تناور وتساوف بدل الإقدام على الحلول الجريئة. وقد عملت التلفزة التي تسمى عند البعض ب«اليتيمة» واجتهدت بكل قواها على مسخ الحقيقة وتدليسها بل حاولت حتى أن تثيرجزءا من الشعب الجزائري على الجزء الآخر ضاربة عرض الحائط أقدم وأرسخ المبادئ التي تقوم عليها الدولة الجزائرية. وهو التآخي كل أطراف الشعب الجزائري وعد مقبول تجزئته مهما اشتدت الصعاب. كما تعمل الآن على تلفيق التمثيل في حركةالمواطنين (the citizenship movement) مثيرة سخط الممثلين الحقيقيين وسخط الشارع الجزائري والعودة إلى المظاهرات وإلى القمع المفرط. في حين أن الصحافة الخاصة الحرة المكتوبة التابعة للتيار التحديثي (modernization trend of thought) كانت تتعامل بصورة عامة بموضوعية مع الأحداث، على الرغم من أننا لا نستطيع أن نغفل أن لهذه الصحافة أعراضا سياسية معينة إلا أنها كانت تساير الأحداث ولا تلفقها. أما الصحافة المكتوبة التابعة للتيار المحافظ والإسلامي فوقفت عموما موقفا مناهضا للمطالب التي رفعتها الحركة الاحتجاجية في القبائل خاصة، بل ونادت بتسليط القمع على قادتها وعلى المتظاهرين بصورة عامة. وعلى شاكلة هذا كان موقف المجلس الوطني التشريعي الذي يسيطر عليه أصحاب هذا التيارالذين نددوا بالحركة بدعوى وجود يد أجنبية فرنسية من ورائها. لقد طرحت مظاهرات القبائل مسألة الهوية التاريخية للشعب الجزائري وخصوصيته في داخل هذا المجال الواسع والافتراضي الذي يسمى الوطن العربي لاشتراك شعوبه في الكثير من المميزات الثقافية والتاريخية. إن إعادة تأسيس الهوية الجزائرية على التاريخ السوسيولوجيا مطلب يقوم على إرادة تأسيس ذات جزائرية (Algerian self) متفتحة على الروافد الثقافية العالمية بما في ذلك الرافد العربي الإسلامي والإفريقي والمتوسطي. الأمازيغية (Tamazight as a language and as a culture) لغة وثقافة تشكل تاريخيا الركيزة الصلبة لهذه الذات ليس إلا. وقد شكلت مضايقة الأمازيغية (وهي لغة أكثر من 20% من الجزائريين حاليا وهي تنتمي إلى نفس الفصيلة اللغوية التي تنتمي إليها العربية، أي الفصيلة السامية) جزء من الأسباب التي أدت إلى اندلاع هذه الصراعات ولم تكن هي السبب الرئيسي، بل إن سلطات القمع هي المتسببة في هذه الأحداث. ويكفي أن تقرير اللجنة الرئاسية الخاصة باستقصاء الحقائق يؤكد ذلك بشدة. ومن ثم فلا يمكن أن نعطي لترسيم الأمازيغية أكثر من حقها في هذه الأحداث ولا في إمكانية استتباب الأوضاع مستقبلا. إن إقامة نظام ديمقراطي مبني على الحداثة هو الوحيد الذي سيضفي على البلاد استقرارا سياسيا إلى أمد طويل. ولقد بادرت الح