اسئلة عديدة كانت تشغل بالي وأنا ازور ايران لأول مرة. ما حقيقة ما يجري في جمهورية ايران الإسلامية؟ هل هناك هيمنة واضطهاد للأقلية غير المسلمة؟ هل هناك اضطهاد مذهبي يعاني منه اهل السنة؟ ما مفهوم الإسلام الذي تعتمده جمهورية ايران الإسلامية في التعامل مع المرأة؟ ما حقيقة الصراع بين المحافظين والاصلاحيين؟ ما هي ثقافة الشعب السائدة هل غربية المنحى ام شرقية الاتجاه اسلامية المحتوى؟ ما مدى كفاءة وفعالية ونزاهة واستقامة الإدارة الايرانية في ظل الجمهورية الاسلامية؟ ما حقيقة الديمقراطية التي يتبناها النظام الايراني؟ وأخيراً ما هي افاق المستقبل المنظور لهذا البلد العزيز؟ كنت اعلم مسبقاً ان من المستحيل ان احصل على المعلومات التي اطلبها خلال اسبوع من زيارة ايران وبشكل خاص والبرنامج الذي وضع للندوة كان مكثفاً إلى حد الارهاق اذ كان علينا ان نشارك في الندوة من التاسعة صباحاً إلى الثامنة مساء يتخللها وجبة غداء وتختتم بعزومة عشاء. ان ما حصلت عليه من معلومات ليس اكثر من مؤشرات يمكن ان تشكل فرضيات لبحث معمق يؤكد هذه الفرضيات او ينفيها. الفرضية الأولى: ان الشعب الايراني متحفظ عند الاجابة عن أي سؤال وبشكل خاص على المستوى الرسمي. لقد التقى المشاركون في الندوة بالدكتور كمال خرازي وزير الخارجية. وقد طرح عليهم كل ما يريد ان يقوله. وحين جاء دور الاسئلة والحوار اعتذر بموعده مع وزير الخارجية العراقي وانسحب.. مرة اخرى اختير عدد من الاعضاء المشاركين لمقابلة الرئيس محمد خاتمي الذي بدأ حديثه متطلفاً ومتلهفاً لسماع ما لدى المفكرين والمثقفين العرب.. وحين طرح الدكتور خير الدين حسيب اسئلته حول الموقف الدولي والعلاقة العربية الايرانية.. ومدى تقدم العلاقات مع العراق. وبينما الجميع منتظرون رده على الاسئلة المطروحة اخرج الرئيس خاتمي من جيبه ورقة كانت تحوي نقاطاً عن حوار الحضارات وحين انتهى بعد ما يقرب من ساعة كانت صلاة المغرب قد حانت فاعتذر على ان يستأنف الحوار لاحقاً وانصرف وانصرفنا وحتى يومنا هذا. على مائدة العشاء جلست مع عدد من الشباب الايراني المثقف بعضهم يجيد العربية واخرون يتكلمون الانجليزية واكتشفت انني كنت اكثر من تحدث. الفرضية الثانية: الاقلية غير المسلمة لا تعاني اضطهاداً كما تصوره الدعاية الخارجية وفي البرلمان الايراني ممثلون لهذه الاقليات بما فيهم اليهود وبعضهم يحظى بامتيازات اقتصادية لا يجدها الكثير من المسلمين.. هذه فرضية تحتاج إلى دراسة ميدانية متعمقة لمعرفة مدى التمييز في الحقوق والواجبات التي لا يعكسها القانون ولكنها تمارس في الواقع العملي. الفرضية الثالثة: تتعلق بالشيعة والسنة. صحيح ان الدستور ينص على ان مذهب الدولة هو المذهب الجعفري ـ وهذا نص ليس له مثيل في دستور أي دولة عربية أو اسلامية ـ الا ان هناك مبالغة فيما ينقل عن اضطهاد الشيعة لأهل السنة. بل لقد لمست من بعض اهل السنة ان هناك تطوراً مستمراً في العلاقة إلى الافضل بين المذاهب الاسلامية وان الجهد الذي تبذله مؤسسة التقريب بين المذاهب يقدم خدمة طيبة في هذا المجال ومع ذلك فان البعض من اهل السنة يشكون بأنهم لا يجدون المساجد التي يصلون بها وصلاة الجمعة في طهران محصورة في مسجد واحد رغم ان العاصمة الايرانية تزدحم بالسكان الذين يصلون إلى ما يقرب من ثلاثة عشر مليوناً فان هذه الفرضية ايضاً بحاجة إلى مزيد من الدراسة الميدانية للاطلاع على التفاصيل الدقيقة للممارسة. الفرضية الرابعة: تتعلق بمفهوم حكام ايران للإسلام بالنسبة للمرأة. ويمكن ملاحظة ذلك في ظاهرتين: الأولى: الحجاب الذي يطلق عليه «الحجاب الاسلامي» وهو الذي يغطي الرأس ويمنع ظهور الزينة ويكشف الوجه والكفين. وهذا النوع من الحجاب يفرض على كل امرأة تنزل الساحة الايرانية مهما كانت جنسيتها. وقد تعرضت لهذه التجربة الاخت فريدة النقاش عضوة حزب التجمع في مصر واحدى المشاركات في ندوة العلاقات العربية الايرانية وفي احدى جلسات الندوة طلبت فريدة ان يترك موضوع الحجاب كجزء من الحرية الشخصية وما عدا ذلك فاننا سنتعامل بمعايير مزدوجة حين ننتقد تركيا لاعتراضها على حجاب النائبة التركية وحين ننتقد فرنسا لفرضها في مدارسها على المسلمات خلع الحجاب.. وقد جاء الرد الايراني فوراً من أحد المشاركين الايرانيين في الندوة الذي طالب باحترام خيارات الشعب الايراني وشئونه الداخلية واضاف ولم يحدث منا ان انتقدنا اماكن اللهو والخمور التي تنتشر في بعض الاقطار العربية والاسلامية. الظاهرة الثانية بالنسبة للمرأة في ايران هي تواجدها المكثف في كل مجالات العمل وبلا استثناء فهي في مكاتب الحكومة والطائرات والمؤسسات العلمية وهي في المحلات التجارية والمؤسسات السياحية والاقتصادية وبشكل لا يكاد يوجد في كثير من الدول الاسلامية. وعليه يمكن القول ان الجمهورية الاسلامية الايرانية تتعامل مع المرأة تحت شعار: «غطاء الرأس مطلوب.. وحق العمل مكفول» للفرضيات تتمة في حلقة أو حلقات مقبلة.