يتمثل حلم طالما داعب خيال العلماء منذ عقود في امكانية الحصول على طاقة نظيفة غير محدودة من الانصهار النووي الذي لا تنبعث عنه أية غازات ملوثة، ولا يخلف سوى كميات قليلة من النفايات النووية، والأهم من ذلك ان وقود الانصهار يأتي اساساً من البحر، اذن لن تكون هناك حاجة للاعتماد على منابع النفط المحدودة في نهاية المطاف او التنقيب في المناطق الطبيعية النقية بحثاً عن النفط. كل ما يتطلبه الامر هو اعداد مزيج بسيط من نظائر الهيدروجين الحار بما يكفي لانصهار نوى ذرات الهيدروجين واطلاق كميات هائلة من الطاقة لكن منذ اكثر من نصف قرن والطبيعة لا تزال تلعب لعبة «الاستغماية» مع علماء الاندماج النووي حيث تلهو معهم بجعلهم يعتقدون انهم يقتربون من غايتهم ثم تسخر منهم بتهكم لاذع وتوحي لهم بأن «الحصول على طاقة غير محدودة من الانصهار النووي لا يزال على بعد 2.5 سنة وسيظل كذلك الى الأبد». لكن الآن يبدو ان فريقاً من باحثي مشروع «توروس» الاوروبي المشترك في اكسفورد ـ (جيت) مقر الاختبارات الدولية لماكينات الانصهار ـ ربما يكون قد نجح في الخروج من هذا الطريق المسدود. وفي اجتماع الجمعية الامريكية الفيزيائية الذي عقد اكتوبر الماضي في كاليفورنيا، كشف هؤلاء الباحثون النقاب عن بيانات تظهر انه بالامكان فعلاً انتاج درجات حرارة تصل الى 100 مليون درجة مئوية والمحافظة عليها على نحو يتيح نظرياً على الأقل جلب مصدر طاقة النجوم الى الأرض. وهذا تطور واعد بالنسبة لباحثي الانصهار النووي الذين انخفضت معنوياتهم الى نقطة متدنية في عام 1998، عقب توقف مشروع المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي (ايتار) الذي كان يرمي لبناء آلة صهر بحجم بناء بعشرة طوابق، فالحسابات التي قام بها الباحثون النظريون في الولايات المتحدة اثارت شكوكاً خطيرة حول صحة المزاعم بأن (ايتار) سوف يبلغ نقطة الاشتعال، هذه الشكوك اضافة الى تكلفة المشروع الباهظة التي قدرت بعشرة مليارات دولار دفعت الكونجرس الى عدم الموافقة على المشاركة الامريكية وبالتالي القضاء على أي أمل في بناء الماكينة العملاقة. بعد ذلك بدأ العديد من العلماء يشككون جدياً في امكانية ترويض الانصهار النووي لا سيما ان أبسط الحسابات المنطقية لا تدعو ابداً للتفاؤل، فالنجوم تبدو في الخارج وكأنها محطات مضطرمة لتوليد طاقة لكن بالنظر عن كثب الى نجم مثل الشمس نجد انه كميات الطاقة الناتجة عن انصهاراته النووية لا تتجاوز واطاً واحداً لكل متر مكعب من حجمه، في حين ان على مفاعل الانصهار العملي ان يحشر طاقة تساوي مليون ضعف هذا المقدار وكلما تعمق العلماء في دراسة الخصائص الفيزيائية بالغة التعقيد للبلازما (غاز مؤين يحتوي على اعداد متساوية تقريباً من الايونات والالكترونات الموجبة) في آلات الانصهار ازداد احباطهم وكانت المسائل الاشكالية الأكبر تتمثل في حجم المفاعل المقترح وقدرة تحمله لارتطام النيوترونات الناتجة عن تفاعلات الاندماج وتحمله للحرارة الهائلة على سنين طويلة دون انقطاع وامكانية الحفاظ على درجة الحرارة الداخلية دون استنزافها للخارج. لكن في اجتماع الجمعية الامريكية الفيزيائية قدمت جويل مايو، احدى الباحثين في مختبرات «جيت» افضل دليل الى الآن على امكانية استغلال تأثيرات الاحتباس الحراري الطبيعي الذي يحدث في البلازما ما يعرف بـ «عوائق النقل الداخلي» لصون حرارة المفاعل. ويتوقع لعوائق النقل الداخلي هذه ان تلعب دوراً حاسماً في نجاح اي مفاعلات مستقبلية منتجة للطاقة، فبالتحكم بعناية بالظروف داخل ماكينة الانصهار النووي يمكن ايجاد انحراف في المجال المغناطيسي يقلص معدل ضياع الحرارة بشكل دراميتيكي وهذا يزيد من ارتفاع درجة الحرارة وكثافة البلازما وبالتالي يفترض ان يؤدي الى امكانية بناء مفاعلات اصغر حجماً وارخص تكلفة. وكشفت مايو وزملاؤها في اجتماع الجمعية الفيزيائية عن التقدم المثير في أداء مفاعل «جيت» والذي اتاحته عوائق النقل الداخلي، فقد نجح تأثير الاحتباس الحراري هذا في رفع الحرارة في مركز البلازما الى اكثر من 300 مليون درجة مئوية اي اكثر من ضعف المستوى اللازم لبدء عملية الانصهار واستمرارها وتمكن ايضاً من زيادة حجم البلازما الى عشرة اضعاف ما كان عليه وهو تطور مذهل في الاداء. وفي حين ان باحثي «جيت» يقرون بأن هذه التطورات المثيرة ليست سوى خطوة على الطريق الطويل نحو الهدف المراوغ، الا ان هناك اجماعاً ضمنياً بين جمهور الباحثين على ان النتائج الاخيرة بثت الأمل من جديد في النفوس المحبطة التي ارهقتها الاحباطات المتتالية على مدى العقود الماضية. وهناك أنباء سارة ايضاً بالنسبة لمشروع مفاعل «ايتار» الذي يتم الآن احياؤه من جديد بعد توقف دام خمس سنوات وان كانت النسخة المقترحة الآن اصغر حجماً لكنها اكثر تطوراً وأقل تكلفة من النسخة الافتراضية الاصلية ويبدو الباحثون النظريون واثقين من ان تأثير احتباس الحرارة الذي شوهد في الماكينات الاصغر مثل «جيت» سيظهر ايضاً في «ايتار» الذي يتوقع له ان يولد 500 ميجاواط من الطاقة من عشرات الميجاواطات فقط من التسخين الخارجي. وعقدت في شهر نوفمبر الماضي اول محادثات بين الشركاء الدوليين الذين لا يزالون ملتزمين بالشروع لاتخاذ القرار بشأن مكان بناء مفاعل «ايتار» المصغر وهناك من يتحدث ايضاً عن انضمام الولايات المتحدة من جديد للمشروع الذي بدأ يستفيد من احساس التفاؤل الجديد حول الانصهار حتى بين المشككين من امثال ريتشارد هازلتين من جامعة تكساس والذي قال في حوار مع مجلة «نيوساينتست»: «كنت أميل الى الشك في المزاعم التي أطلقت حول جدوى متابعة البحث قبل بضع سنوات لكنني اليوم اشترك مع غيري في التفاؤل، ففضلاً عن تأثيرات الاحتباس الحراري بدأنا نفهم ما يحدث بالضبط في الاندماج النووي وبذلك تكون الصورة قد تغيرت كلياً». والسؤال الآن هو ما اذا كان بالامكان اقناع الساسة في الولايات المتحدة والبلدان الاخرى بنسيان كل سنوات الاحباط ووضع ثقتهم، ومعها مليارات الدولارات في السعي للوصول لمصدر مطلق للطاقة. عن «نيوساينتست»