يستمد هذا الكتاب أهميته من انه يوضح لنا جانباً من أسرار السلوك السياسي الامريكي الراهن الذي يبدو للبعض لغزاً تكتنفه الأسرار، ويلقي الضوء على مجموعة مهمة من الحقائق أبرزها ان التحرك الأمريكي الذي سبق 11 سبتمبر بسنوات لم يكن الا انسياقا وراء النزوع الى التسلط الامبراطوري مع الحرص على التملص من المسئوليات التي يفرضها الحكم الامبراطوري بحسب التجربة التاريخية على امتداد قرون طويلة. ومؤلفا الكتاب روبرت تكر أستاذ السياسة الخارجية في جامعة جونز هوبكنز، وديفيد هندركسون استاذ العلوم السياسية في جامعة كولورادو، يعدان من الكتّاب الاكاديميين البارزين في الولايات المتحدة، ونقد أولهما لمعطيات الفكر الماركسي وطروحاته الأساسية أشهر من ان يعرف به، كما ان مساهمات ثانيهما في اطلاق العديد من الافكار وبالونات الاختبار الامريكية لا يغفل عنها أحد من متابعي التداخل بين الفكر والحركة الامريكيين. افتح ـ من فضلك ـ «مقدمة ابن خلدون».. تأمل مليا العبارة والمعنى اللذين اختارهما مفكرنا المسلم الكبير عبدالرحمن بن خلدون عنوانا للفصل الثامن عشر من ـ الباب الرابع ـ الكتاب الأول من عمله الموسوعي الجليل.. والعنوان يقول: - إن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره وأنها مؤذنة بفساده. تكاد تكون عبارات نهاية العمر للحضارة أو الايذان بفساد العمران هي تلك التي استخدمها بعد ابن خلدون بنحو 400 سنة مفكر عظيم آخر انجليزي هذه المرة هو ادوارد جيبون الذي وضع كتابا موسوعيا آخر بعنوان: «تاريخ اضمحلال وسقوط الامبراطورية الرومانية». كان الأستاذان الكبيران العربي والانجليزي مشغولين بمتابعة صعود ومن ثم سقوط الكيانات السياسية ـ الادارية العملاقة التي يطلقون عليها اسمها المتداول: الامبراطوريات. يقول ابن خلدون: ان العمران كله من بداوة وحضارة ومُلك (حكم) وسوقة (جماهير) له عمر محسوس كما أن للشخص الواحد من اشخاص المكونات عمرا محسوسا.. وذلك أن الترف والنعمة (ثراء الموارد) إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه الى مذاهب الحضارة والتخلق بعوائدها (سلوكياتها)، والحضارة كما علمت هي التفنن في الترف (النزعة الاستهلاكية كونسوميرزم بمعنى الاسراف في استهلاك الموارد الى حد الاهلاك)... واذا بلغ التأنق في هذه الأحوال المنزلية (الاستهلاكية) الغاية تبعه طاعة الشهوات فتتلون النفس من تلك العوائد (تتغير أنماط السلوك ومنظومات القيم الاجتماعية) بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها، لا في دينها ولا دنياها.. (الأقواس مضافة بتواضع من الفقير كاتب السطور وبقصد الايضاح ليس إلا).. حتمية التدهور وفي ضوء ما سبق نستطيع أن نضيف ما ذهب اليه مفكر من عصرنا أشار اليه كتاب «غواية الامبراطورية» الذي نقلب صفحاته في هذه السطور. الكاتب هو بول كينيدي في مؤلفه الشهير الصادر في السنوات الأخيرة عن ارتفاع وسقوط الحضارات والامبراطوريات.. وهو يطبق في هذا الصدد مبدأ يكاد يقول بحتمية هذا التدهور ومن ثم السقوط، مع ذلك يلفت النظر أن مؤلفي كتابنا إذ يحيلان الى آراء بول كينيدي فإنما يفعلان ذلك بحذر وتحوط شديدين وعلى الرغم من أنهما ينطلقان من فكرة أن أمريكا باتت بسلوكياتها المعاصرة في حال اقرب الى الاستسلام الى غواية الامبراطورية ـ السلوك والنظرة وأنماط التعامل مع الآخرين، أقرب الى الوقوع الارادي في حبائلها إذ باتت واشنطن تعد نفسها، لا بمثابة رجل شرطة الكوكب كما كانت الحال منذ عقود سبقت في القرن العشرين، بل هي ترى نفسها الآن بمثابة القطب الأوحد.. والمحور الفرد غير المسبوق من حيث امكاناته ومكانته ومن حيث نفوذه وتأثيره في مجريات الأمور على مستوى العالم كله، يستوي في ذلك احتساء الكولا والتهام الهامبورغر.. كما يستوي أيضا شن الحملات العسكرية ومحاولة الهيمنة على صندوق النقد الدولي واستنساخ طبعات أحدث عمرا، وربما أشد خطرا من مخطط حرب النجوم وهي حرب تدور بصواريخ سوبر ـ متقدمة في أجواز الفضاء. وعلى الرغم من اشارة الكتاب الى الأستاذ بول كينيدي إلا أن الكتاب يصنف هذا المؤرخ الكبير ضمن فئة يطلق عليها المؤلفان وضعا طريفا هو: التدهوريون ـ بمعنى انهم المفكرون والعلماء القائلون بأن التدهور ـ الانحطاط أمر مقدور بحكم قوانين النشوء والارتقاء على الامبراطوريات الكبرى باعتبار أن ذلك واحد من الدروس البليغة ويعتبر الدالة المستقاة من تجارب التاريخ. يستوي في ذلك عندهم ما أصاب الامبراطورية الرومانية في العصر القديم والامبراطورية البيزنطية ـ شارلمان وخلفاؤه في العصر الوسيط ثم الامبراطورية التركية ـ العثمانية ومن قبلها امبراطورية نابوليون ومن بعدهما الامبراطورية البريطانية في العصور الحديثة. في هذا السياق يقول كتابنا: - إن التدهور (بالنسبة للامبراطورية الأمريكية) أمر محتوم وعلى نحو ما يذهب اليه المؤرخ المعاصر بول كينيدي الذي نشر مقالة شهيرة في جريدة وول ستريت جورنال علق فيها على قرار الرئيس بوش ـ الأول خوض حرب الخليج ـ قال كينيدي: - أجل ـ تدهور أمريكا محتوم اذا ما سمحنا باستمرار التيارات الراهنة السائدة (مع فاتح التسعينيات) في المجتمع الأمريكي وهي من قبيل حجم الدين القوي الداخلي والمتزايد اضافة الى الانخفاض المضطرد في انتاجية العامل الأمريكي (المقارنة هنا بالعامل الياباني على سبيل المثال) فضلا عن التواضع المتدني لمستوى الاداء التعليمي في أمريكا (المصطلح المستخدم هنا هو «مديوكر» الذي يشير مع ظلال معانيه في متن الانجليزية الى أمر عاطل من التميز بعيد عن التفرد أو الرقي أو النبوغ) ويضاف الى ذلك ـ كما يقول كينيدي ـ ما أصاب مجتمع أمريكا (في رأيه) من تحلل خيوط النسيج الاجتماعي وكل هذا يتعارض مع تلك الالتزامات الباهظة التي ينوء بها كاهل أمريكا حاليا وتتمثل في نشاطها وتواجدها وتكاليف هذا كله من حيث الرجال والأموال والمواد في أنحاء شتى من الكرة الأرضية. وكأنها بهذا الاغراء بالسلوك والتبعات الامبراطورية أقرب في طبيعتها وديناميات حركتها الى بحور الرمال المتحركة، كلما أوغلت فيها الأقدام، انغرست أكثر وأكثر، حتى لتصل الأقدام الى نقطة الانغراس الكامل فلا هي تستطيع النكوص بعيدا عن خوض التجربة ولا هي تقدر على أن تنقل خطاها الى الأمام. والمعنى المقصود هو أن النجاح مثلا في احراز هدف هنا او تحقيق غاية هناك يشجع، وقد شجع دعاة المزيد من الانفاق العسكري ودعاة المزيد من ممارسة الدور الامبريالي وهذا هو ـ في رأي مؤلفي كتابنا هذا ـ الدرس المستفاد من نجاح أمريكا (أو انتصارها) على العراق في حرب الخليج الثانية، هذا النجاح الذي جاء بعد زوال الخصم السوفييتي فكان في هذين العاملين اغراء ـ أي اغراء بأن تنظر أمريكا الى نفسها في مرآة امبراطورية، حيث رأت نفسها بمثابة القوة الوحيدة والقطب الأوحد في اطار النظام الدولي الذي ودع به العالم سنوات القرن العشرين. من هنا رفعت السياسة الأمريكية الشعار الشهير في مقتبل التسعينيات حول «نظام دولي جديد» وكان المفهوم ضمنا أنه نظام يقوم على أساس هيمنة القطب الأمريكي الواحد على مقاليد الأمور في العالم.. وعلى الرغم من أن أدبيات تلك الفترة حفلت، وكان لابد أن تحفل بشعارات براقة وأحاديث جذابة عن التعاون الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وعلى الرغم من أن كثيراً من الفرقاء استرسلوا أيامها في إزجاء التهاني على زوال الشيوعية ونجاح الرأسمالية ومن ثم انفتاح الطريق ـ كما صورت دعاياتهم ـ الى دنيا العولمة والى اتباع اخلاق القرية.. العالمية التي تقوم على أساس مزيد من الترابط والتكافل بفضل ما حققته ـ كما لا يخفى عليك ـ ثورة الاتصالات وتقنية المعلومات التي تستخدم أحدث وأكفأ أجيال الحواسيب الالكترونية ـ على الرغم من هذا كله، فقد كان هناك صوت مسئول وضع الأمور في نصابها بعيدا عن الشعارات والأمنيات العذبة، والموهومة أيضا.. ولم يكن هذا سوى صوت السيد ريتشارد (ديك تشيني) الذي سبق وتولى وزارة الدفاع في حكومة الرئيس بوش ـ الأب ثم عاد ـ كما هو معروف ليتولى بالانتخاب موقع نائب الرئيس بوش ـ الابن وليمارس حاليا دورا بالغ التأثير في تخطيط وتسيير دفة السياسة الخارجية للولايات المتحدة. هكذا تكلم تشيني تشيني ظل ينظر الى الصراع مع العراق على أنه مثال، مجرد مثال، بل على أنه سابقة سوف يلحقها في رأيه حالات من الصراع مع أمريكا في مناطق شتى من العالم ولابد ـ في رأيه أيضا ـ أن تظل أمريكا على أهبة الاستعداد للتعامل مع تلك الحالات، وفي وثيقة مهمة من وثائق استراتيجية الدفاع يصف ديك تشيني حالات الصراع المرتقبة قائلا: سوف يتعين علينا ـ في الغالب الأرجح ـ أن نخوض من جديد صراعات في تلك الحقبة الجديدة ـ بمعنى حالات طوارئ اقليمية ضد أعداء مزودين جيدا بأسلحة متقدمة تقليدية وغير تقليدية. وبالاضافة الى مصالحنا في جنوب شرقي آسيا، فإن لنا مصالح أخرى في أوروبا وسائر أنحاء آسيا والمحيط الهادي وأمريكا الوسطى (يقصد منطقة البحر الكاريبي) وأمريكا اللاتينية وفي كل من تلك المناطق ـ يضيف نائب الرئيس الأمريكي ـ تلوح فرص جديدة، وكذلك أخطار جديدة من شأنها أن تهدد مصالحنا في المستقبل. ومن ثم، يتعين علينا أن نصوغ سياساتنا وأن نجهز قواتنا لكي نتمكن من الردع الفعال أو الهزيمة السريعة لتلك الأخطار التي سوف تهددنا في مستقبل الأيام. زيادة على هذا فقد عكفت دوائر البنتاجون منذ أوائل التسعينيات على مسح وتقويم قدرات الدول المختلفة في مجالات التسليح وكانت المسألة أشبه بعملية تقدير بالتنبؤ المستقبلي لقدرات الخصوم أو المنافسين المحتملين للكيان «الامبراطوري» الذي يحمل اسم «الولايات المتحدة» في القرن الحادي والعشرين. ويوضح كتابنا أن هذا التقويم أفاد بالآتي: - في عام 2000 من المقرر أن يكون في العالم 15 دولة نامية ممن تمتلك القدرة على بناء منظومات من الصواريخ التسيارية أو الباليستية. وفي العام نفسه يكون هناك 8 من بين تلك الأقطار النامية، ممن يكونوا قد حازوا أو على وشك أن يحوزوا قدرات نووية ذات شأن.. ومع حلول الألفية الثالث يكون هناك 30 بلدا من مالكي الأسلحة الكيميائية.. اضافة الى 10 أقطار يكون في مقدورها ـ كما يضيف التنبؤ الصادر عن دوائر الأمن والدفاع في أمريكا ـ نشر واستخدام أسلحة بيولوجية. مثل هذا التفكير ـ الامبراطوري كما قد نسميه ـ لم يكن له ليقتصر على الجانب العسكري ـ جانب السلاح التقليدي أو غير التقليدي.. لقد تجاوز هذا الجانب الى حيث تطرقت التحليلات والتنبؤات والسيناريوهات الموضوعة الى جوانب الاقتصاد والسياسة المحلية والاقليمية والدولية على السواء. في هذا الاطار وضعوا سيناريوهات تسعى الى رسم عالم المستقبل ـ القريب على الأقل، عالم السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين: ومن هذه السيناريوهات ما يتخيل صورا أبعادها على النحو التالي: في أقطار العالم الثالث النامية، الفقيرة: حكومات تلك الدول تتمسك بالنظرة الثورية التي تحاول تغيير الأوضاع ما استطاعت الى ذلك سبيلا، ذلك لأن شعوبها فقيرة ومحرومة وغاضبة أو فلنقل ساخطة في معظم الأحيان، خاصة وأن عدد سكانها يتزايد باضطراد فيما تزداد مطالبهم وتطلعاتهم لاسيما تحت تأثير أجهزة الميديا الدولية التي تنقل اليهم في التو واللحظة وبكل ألوان الطيف الجميلة المزوقة صورا عن حياة شعوب أخرى ترفل ـ كما تقول تلك الصور ـ في حلل الرخاء وفي بلهنية من رغد العيش من دون أن تحدها حدود.. أو هكذا يتوهمون أن حكومات تلك الشعوب الفقيرة ـ كما يقول السيناريو الأمريكي ـ لن تتورع بحكم اليأس المطبق عن اتخاذ تدابير قد تشكل تهديدا لمصالح الامبراطورية الأمريكية المنبثة في كل أنحاء العالم.. ومن هذه التدابير ما قد يضطر الدول الغنية ـ وفي مقدمتها أمريكا طبعا ـ على أن تضطلع بعمليات نقل أو تحويل مكثف لرؤوس الأموال الى دول العالم الفقير. قد تزداد هذه الاحتمالات خطرا وخطورة في ضوء احتمال قالت به بعض السيناريوهات الأمريكية ويحذر من احتمال سقوط قدرات نووية، بصورة أو بأخرى، في أيدي أطراف تنتمي الى ذلك العالم الفقير، بل أن امتلاك مثل هذه الأسلحة غير التقليدية، أسلحة التدمير الشامل كما تعرف في القاموس الدولي، حتى ولو بكميات محدودة أو صغيرة، يمكن أن يؤدي الى استخدامها بفاعلية من أجل اجبار الأغنياء على تقديم تنازلات لحساب الفقراء وما كان لهم أن يقدموها بغير هذا اللجوء واليأس أحيانا، الى استخدام تلك النوعية من السلاح الفتاك. حكاية العولمة في وجه هذه الاحتمالات قد يثور رأي مقابل يقول: وما للأغنياء في عالم اليوم ومشكلات فقرائه؟ حسب الدول المتقدمة ـ الغنية في شمال العالم أن تباعد بينها وبين دول الجنوب النامي ـ المتخلف والفقير إن استطاعت أن تقدم العون في اطار سياساتها الخارجية فيها ونعمت كما يقولون وإلا فما عليها سوى أن تكفي نفسها ـ في إطار العزلة ـ مغبة اشتعال مثل هذا الحريق. يكاد كتابنا يؤكد أن مثل هذه العزلة أصبحت أمرا مستحيلا أو تكاد تكون. إن التفكير والسلوك الامبراطوري الذي تصدر عنه الولايات المتحدة هو الذي يبشر بحكاية القرية العالمية وهو الذي يؤكد من خلال اعلامياته البالغة بل الرهيبة الكفاءة على حكاية العولمة والترابط والاعتماد المتبادل.. وهو لا يفعل ذلك سوى لأنه تفكير ـ امبراطوري بالدرجة الأولى، ولا يفعله أيضا من منطلق تبادل الخير أو الحدب العطوف من قلب واجف شغوف من جانب الأغنياء على جموع الفقراء في كوكب الأرض والمستضعفين، إنه يفعل ذلك لأن مصالحه منتشرة في كل أرجاء هذا الكوكب وبغير رعاية هذه المصالح وتعظيم عوائدها وحماية كيانها وعناصر استمرارها ـ يعود الماموث الأمريكي كائنا ضخما قابعا بين محيطين محروما من الدور العالمي بل الكوكبي الذي يؤديه كقوة امبراطورية ـ كما أسلفناـ وهذا الدور يترجم بداهة الى أرقام فلكية ـ مليارات من الأرباح والعائدات التي تدخل الجيوب الشخصية والحسابات المصرفية وخزائن الدولة الفيدرالية من واقع ما تدره صادرات تكنولوجيا المعلومات ومشاريع الشركات المتعددة الجنسيات وتوظيفات رؤوس الأموال الأمريكية خارج الحدود. لقد سبق الرئيس الأمريكي هاري ترومان الى اعلان «مبدأ ترومان» عام 1947 الذي يقضي بأن على أمريكا أن تقدم المساعدات الى جميع الأقطار التي تعد نفسها مهددة من جانب الاتحاد السوفييتي أو الأقطار الدائرة وقتئذ في فلكه، وفي تلك الفترة تأجج اشتعال الحرب الباردة لأن الكرملين وحلفاءه اعتبروا أن صدور هذا المبدأ جاء بمثابة اعلان بالحرب ضد المعسكر الشرقي ولما كان مبدأ ترومان إياه قد صدر مسبوقا بالتزام أمريكي بضمان أمن واستقلال الأقطار التي ترفض الدوران في فلك السوفييت ـ فقد جاءت الرؤية الامبراطورية التي شكلتها أمريكا منذ سنوات العقد الماضي لتعيد أصداء هذا المبدأ بعد حذف الخصم السوفييتي طبعا أو فلنقل بعد أن بات الخصم المذكور محذوفا من سياق التاريخ المعاصر، وجاءت هذه الرؤية لتضيف بعدا جديدا من التزويق والترغيب تجسد في استخدام الأمم المتحدة ـ مجلس الأمن بالذات ـ وسيلة مشروعة بل مرغوبة في الظاهر وإن كانت في حقيقة الأمر سبيلا لكي تمارس بها واشنطن نزعة الهيمنة الامبراطورية التي سقطت في حبائل غوايتها كما تقول فصول هذا الكتاب. هنالك جاءت هذه الرؤية الجديدة فدعت، وما برحت تدعو الى «الجماعية» الى الأمن الجماعي ضد التهديدات التي وصفتها بأنها مشتركة.. وقد ترجمت هذا الجانب على أنه التحالف الدولي وصدرت الترجمة مرتين ـ الأولى منذ نحو عشرة أعوام ومؤداها التحالف الدولي ضد غزو العراق ومن أجل تحرير الكويت والمرة الثانية منذ أشهر قليلة وشعارها كان التحالف الدولي ضد الارهاب. تحالفات دولية، وخطابات بليغة من فوق منبر الأمم المتحدة. ورسائل اعلامية موجهة الى الأمم والشعوب تحاول أن تبيع «هذا كله الى فكرها ووجدانها» لكن الفيصل كان ولايزال في هذا كله هو.. المصلحة ـ مصلحة الامبراطورية الأمريكية.