الملف السياسي: كان من المأمول ان يتخذ الرئيس الامريكي بوش خطاً متعقلاً باتجاه البحث عن تسوية مرضية أو شبه مرضية لصراع الشرق الأوسط. لكن من الواضح انه عقب أحداث 11 سبتمبر اتخذ الرئيس الامريكي خط التشدد والتحيز، اللامتناهي لصالح اسرائيل وتوجيه الانتقادات الى الطرف الفلسطيني بمثل الحدة التي توجهها بها أطراف الحكومة الاسرائيلية اليمينية المتطرفة. كان لآمال العرب في ان ينتهج بوش خطاً أفضل من ذلك ما يبررها، حيث ان الرئيس بوش فاز في انتخابات 2000 بترجيح يسير اكتسبه من أصوات عرب ومسلمي ولاية فلوريدا التي حسمت النتيجة لصالحه، هذا بينما انحاز يهود أمريكا بكاملهم لتأييد منازله في جولة الانتخابات آل جور الذي ينتمي نوعا ما من الناحية العرقية الى سلالة يهودية، بالاضافة الى اختياره لنائب من غلاة اليهود الامريكان المناصرين لاسرائيل هو جوزيف ليبرمان. هذا العامل كان وحده كافيا في نظر الكثيرين لكيما يوجه الرئيس الامريكي الى اتخاذ خط معتدل بازاء الصراع العربي الاسرائيلي، أما اذا أضيف اليه العامل الآخر المتعلق بتراث أبيه في حرب الخليج، ومناهضة اللوبي الصهيوني الضارب في واشنطن بخصوص الاعتمادات المالية المخصصة لبناء المستوطنات الاسرائيلية، فقد بدا للكثيرين ان خط بوش سيكون لا محالة أقرب الى المصالح العربية منه الى صالح اسرائيل. لكن هذا العامل الثاني ـ فيما يبدو ـ كان ذا أثر كبير في توجيه بوش لاتخاذ مواقف الاسرائيليين وتبنيها. فقد رأى ما فعله مناصرو اسرائيل في امريكا بأبيه حتى اسقطوه في انتخابات 1992 بعد أشهر قلائل من حرب الخليج التي سمت فيها شعبيته لتصل الى حدود 90% من مجمل الرأي العام الامريكي. ما فعله أولئك ببوش الأب كان خطيرا جدا، وكان جديرا بأن يتأمله ويحذره أي سياسي أمريكي يأمل في الوصول الى قمة السلطة والبقاء فيها بلا متاعب تذكر. والعقل الأمريكي ببراجماتيته يفكر دائماً في عواقب ما يفعل، لا في مشروعية أو أخلاقية ما يفعل، فإذا كان البقاء في جانب الحق والعدل يؤدي الى متاعب، فالأفضل للسياسي حينها ان ينحاز الى الجانب المقابل طالما أمن شره مع حاضره ومستقبله السياسي. جاءت بعد ذلك حوادث 11 سبتمبر فهزت امريكا من جذورها وقواعدها هزة عنيفة، وكونت المزاج السياسي بلوثات العدوانية الحضارية العنصرية الصارخة، وهي اللوثات التي دأبت على بثها منذ أكثر من عقدين من الزمان تجمعات اليمين الديني بأطروحاتها الفجة، ثم انضافت اليها تجمعات المنظرين السياسيين الكبار شأن صمويل هنتنجتون وفرانسيس فوكاياما واشباههما من أساتذة العلوم السياسية الذين أخذوا على عاتقهم احياء مهمات قدامى المستشرقين شأن هاملتون جب ولويس ماسينيون وأضرابهما من عتاة المستشرقين الذين كانوا ينظرون لحركة الاستعمار الفكري والامبريالي، وبجانب مقاعدهم المنضدة في الساحات الاكاديمية كانوا يحتلون مكاتب اخرى كمسئولين نافذين في وزارات شئون المستعمرات. المبادرة الجريئة استباقا لكل ذلك وفي محاولة جريئة لمعالجته جاءت المبادرة السياسية الجسورة لولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز حيث كشفت «واشنطن بوست» في احدى خبطاتها السياسية المثيرة عن مبادرة تقدم بها الأمير السعودي في 24 أغسطس الماضي للجانب الأمريكي كي يلين مواقفه المتصلبة في تأييد الجانب الاسرائيلي، عندما سمع الأمير السعودي اجابة من الرئيس بوش على سؤال عام من أحد الصحفيين عن حركة السلام في الشرق الأوسط، وكان مثيرا ان الرئيس الامريكي لم يعن في اجابته بأي استعراض أو تحليل لذلك المشهد المعقد من مشاهد الصراع العربي الاسرائيلي، وإنما بادر بتبسيط الموقف واختزاله في عبارات كان الأجدر بها ان تصدر من جانب شارون لا من جانبه هو، إذ أجاب على السؤال قائلا: «لن يتفاوض الاسرائيليون تحت الضغوط الارهابية، إن المسألة هي بهذه البساطة، وان الفلسطينيين إذا كانوا راغبين فعلا في التفاوض، فإنني أدعو عرفات بكل قوة لكي يبذل جهده بنسبة 100% لايقاف النشاطات الارهابية». إن المدهش في هذه العبارة ان الرئيس الامريكي تحدث على لسان اسرائيل قائلا ان اسرائيل لن تتفاوض مع «الارهابيين» لقد كان بامكانه ان يقول ان الاسرائيليين يقولون ذلك، ثم يكتفي بنسبة ذلك الى الاسرائيليين، أو ان يقول انهم يقولون ذلك، وأنا اعتقد ان موقفهم صحيح، أو حتى يقول ان الاسرائيليين يقولون ذلك، وأنا أؤيدهم في ذلك الموقف، لكن أن يتحدث بهذه الفجاجة على لسان الاسرائيليين ما يدل على انعدام أي قدر من اللباقة الدبلوماسية أو الحكمة أو الاحتراس لدى شخص يمارس شئون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية ويقرر مصائر ومآلات كثير من الصراعات الضخمة التي يعج بها العالم اليوم!! وشبيه بهذا الموقف التبسيطي في اختزال صراع نصف قرن وأكثر في فلسطين. دعوة بوش لعرفات لبذل جهوده بنسبة 100% لانهاء المقاومة والعنف وان بوش يوجه تلك الدعوة لعرفات الذي لا يمتلك دولة بالمعنى المفهوم للكلمة، لكي يقتلع جذور العنف، هذا بينما لم يتمكن هو بآلته الاستخباراتية والعسكرية الضخمة ان يفعل ذلك حتى الآن! وهكذا فمن عدم العدل ومن عدم المنطق ان يُخاطب عرفات بذلك المطلب، وذلك على افتراض ان حركات المقاومة والتحرير، المطالب باخمادها حركات عنف وارهاب، وهذا أمر تحتاج أمريكا ايضا الى ان تعيد النظر فيه! لقد كان من المشروع ان تثير تلك الاجابة غضب ولي العهد السعودي وان تدعوه ليرفع سماعة الهاتف فورا ليتصل بالسفير السعودي في واشنطن، الامير بندر بن سلطان وليوجهه للقاء بالرئيس بوش، لينقل اليه احتجاجا قويا على تلك التصريحات التي استخفت استخفافا شديدا بالجانب العربي ولم يأبه الا بمصالح الاسرائيليين، ولقد لخصت المصادر السعودية الرسالة الاحتجاجية التي حملها الامير السفير بأنها كانت تعبر عن ان من حق الادارة الامريكية ان تعتقد بأن ادارة شارون هي وحدها التي تحقق مصالح الولايات المتحدة في الشرق الاوسط. ولكن المملكة العربية السعودية من جانبها لا توافق على ذلك، وانها ستعمل على الحفاظ على مصالحها الوطنية بدون أي املاء خارجي عليها، بمعنى ان للولايات المتحدة ان تسير في الطريق الذي تختاره كما ان للمملكة العربية السعودية ان تسير في الطريق الذي تختاره لنفسها. لقد برهنت تلك الرسالة الاحتجاجية العنيفة من ولي العهد السعودي على ان العالم العربي ليس هامشيا ولا ميتا ليس به حراك، وانه لم يصل بعد ، ولن يصل الى درجة لا يحس فيها بالاذلال. «ما لجرح بميت ايلام!!» وانما هو على عكس ما توقعت واشنطن، يتألم ويغضب ويحتج ويبادر وينذر باتخاذ المواقف الكفيلة بتحقيق الانصاف والحفاظ على المصالح القومية الكبرى. وقد خضت الرسالة الاحتجاجية لولي العهد السعودي واشنطن خضة عنيفة بدليل ان الرد على تلك الرسالة لم يستغرق كما توقعت السفارة السعودية بواشنطن نحو اربعة أو خمسة أيام، وانما جاء خلال يوم واحد ثم انه جاء مفصلا، رغم ان ادارة بوش كانت تحاول سابقا ان تعمم وتبسط وتختزل وتنأى بنفسها عن التوسط او حتى رعاية حركة سلام عربي اسرائيلي، ولا تستنكف عن ان تتبنى مواقف اقصى دوائر اليمين الصهيوني الاسرائيلي تبنيا مكشوفا صارخا. الاستجابة للضغوط لقد اضطرت ادارة بوش الى ان تراجع موقفها جيدا وبسرعة خارقة بعثت اشد علامات الاستغراب والاستعجاب. ففي خلال يوم واحد تدارست ادارة بوش المسألة برمتها من جديد، وقدمت فيها مقترحات تفصيلية، اختلفت تماما عن المقترحات التي قدمها بوش في اجابته على ذلك السؤال الذي رفع اليه في المؤتمر الصحفي. تحدثت ورقة الرد على الاحتجاج السعودي عن متبنيات امريكية تختلف كثيرا عن متبنيات حكومة شارون، وكانت أهم نقاط الخلاف حديث الجانب الامريكي عن انشاء دولة فلسطينية «حقيقية» في ارض الضفة الغربية وقطاع غزة وهو مبدأ ترفضه حكومة شارون من الاساس وتحاول ان تحطم ما تحقق منه. كما عبرت ورقة الاجابة الامريكية عن رفضها للاذلال ولاهانة البشر، وكانت الكلمات الامريكية قد صيغت بحذر شديد حتى يمكن ان تقرأ بنحو متجاوز على ادانة غير مباشرة لعمليات الارهاب والاذلال الاسرائيلي للشعب الفلسطيني. فولي العهد السعودي كان قد تحدث في رسالته لبوش عن رفضه للانحياز الامريكي التلقائي لاسرائيل. بحيث اصبح دم الطفل الاسرائيلي ـ في منظور امريكا ـ اغلى من دم الطفل الفلسطيني، كما عبر ولي العهد السعودي عن رفضه لسكوت الطرف الامريكي وعدم استنكاره لمشهد من ابلغ مشاهد الاذلال، اذ عرضت شاشات التلفاز مشهد جندي اسرائيلي متغطرس وهو يلقي بسيدة فلسطينية على الأرض ويطأ على رأسها بحذائه.. العسكري الغليظ. لقد رأى بوش بالقطع ذلك المشهد من قبل ولكنه لم يكن ليستنكره او ليعلق سلبيا عليه الا وهو مدفوع بآلية ضغط قوية. وهذا ما مارسه معه ولي العهد السعودي، الذي برهن على فهم ثاقب لآليات النظام السياسي الامريكي. ان النظام الامريكي قد حدد اساسا لكي يتم توازنه عند توجيه الضغوط عليه، وهذا ما يحتاج الى ان يفهمه اكثر العرب، خصوصا اولئك الذين يتدافعون ويتهافتون عليه بغية الاسترضاء او الاستعطاف، وهذا خطأ اساسي فالنظام الامريكي لا يستجيب مطلقا للنزعات العاطفية، او الانعطافات الوجدانية، فهذه ان تقاطرت وتكاثفت، لا تعني سوى الضعف والعجز عن ممارسة الضغط. ثم كان الامير السعودي حصيفا، اذ شفع كلماته الاحتجاجية، بأفعال احتجاج قوية، بقيامه في اليوم التالي لتوجيهه لتلك الرسالة لبوش، بتوجيه الامر لرئيس هيئة الاركان السعودي، الفريق صالح بن علي المحيا، بالرجوع فورا من واشنطن الى الرياض، وكان الفريق المحيا يقود الجانب السعودي في مباحثات ذات مستوى عال لمسائل التعاون العسكري الامريكي، وقد ازعج ذلك أركان البنتاجون خاصة بعد يوم واحد من وصوله الى واشنطن، الى حد بعيد، وزاد انزعاج الطرف الامريكي حينما امر ولي العهد السعودي بارجاع. وفد عسكري سعودي مكون من 40 ضابطا كانوا على وشك الاقلاع الى واشنطن. وقد ارجع هؤلاء بعد ان كانوا قد اتخذوا مقاعدهم على الطائرة التي ستقلهم الى هناك وقد فهم مغزى تلك الخطوة جيدا في واشنطن، وكانت خلاصته ان على الطرف الامريكي ان يضرب صفحا عن اي في امل استمرار التعاون العسكري بين البلدين، وهو خطير المؤدى على موازين واشنطن وحساباتها. والى الخطوات السابقة، اضاف ولي العهد السعودي تهديده بالدعوة الى عقد مؤتمر قمة عربي، يلقي فيه العرب بثقلهم وراء عرفات، من اجل الضغط على الجانب الاسرائيلي والامريكي معا، وقد كان ذلك الموقف «التوحيدي» لجهود العرب اخشى ما تخشاه واشنطن وتل ابيب ولذلك استجابت واشنطن بتلطيف موقفها واعدة بنظرة اكثر تعاونا وعقلانية لاسباب ومآلات صراع الشرق الاوسط، وهي الاستجابة التي سرعان ما عهدت بها واشنطن بعد نحو اسبوعين من ردها على ولي العهد السعودي. اسرار الهجوم ان مبادرة ولي العهد السعودي، واستجابة واشنطن الفورية لها، تعطي تفسيرا جديدا لاسباب الهجوم المحموم في الاعلام الامريكي على المملكة العربية السعودية فمما لا شك فيه ان الجهات الصهيونية المتنفذة في واشنطن كانت على علم بها قبل ان تكشف عنها واشنطن بوست النقاب اخيرا، ولذلك ركزت العناصر الاعلامية الصهيونية هجومها المخطط له جيدا على المملكة العربية السعودية بغية توريطها في جريمة 11 سبتمبر وهي منها براء، وفي محاولة توماس فريدمان الاخيرة لانتزاع اعتذار من الامير عبدالله بهذا الخصوص نوع من ذلك الهجوم الاعلامي الذي يقصد به توهين القدرات الدبلوماسية السعودية ان مبادرة ولي العهد السعودي يجب ان تحيا في وقت لاحق، او يجب ان تبقى حية ريثما ت تعيد امريكا التقاط انفاسها مما الم بها حاليا، ويومها يمكن مواجهة امريكا بالحقائق وممارسة الضغط عليها حتى تلتزم موقفاً اقرب الى العقلانية والعدل في تعاطيها مع قضية الصراع العربي الاسرائيلي. ـ أستاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة الامريكية