الملف السياسي: كان الأمل كبيرا في فاعلية الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، وفي أن تتحمل الولايات المتحدة مسئوليتها كراع أمين، أو وسيط نزيه لعملية السلام.. غير أن تصرفاتها وسلوكيات مسئوليها في الفترة الأخيرة وخاصة منذ وقوع أحداث سبتمبر 2001 اقتلعت بذور هذا الأمل، واستبدلتها ببذور اليأس والاحباط، متنازلة عن دورها الحيوي والضروري لايجاد قدر من التوازن اللازم لدفع مسيرة السلام، الأمر الذي يحدث خللا خطيرا في الموقف يؤدي في النهاية الى فشل كل الجهود، والى تفجر الأوضاع وانهيار حالة الأمن بما ينذر بحدوث كارثة في المنطقة، ويصبح تحقيق أهداف السلام وحماية المصالح لكل الأطراف أمرا مستحيلا. وهذا يؤكد بشكل قاطع وجود خلل عضوي في صميم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وقصور خطير في النظرة الأمريكية للأبعاد الحقيقية للأزمة والمخاطر الكامنة. في الحقيقة لم تكن العلاقات العربية الأمريكية تسير دائما على نحو سلس قبل سبتمبر 2001، فقد خيم الانحياز الأمريكي المزمن والتأييد الأمريكي الأعمى والمطلق لاسرائيل، بظلاله السلبية على هذه العلاقات بشكل ظاهر، ثم أتت أحداث سبتمبر لتضيف تعقيدات جديدة وخطيرة للعلاقات، وذلك بعد أن توجه الاتهام الأمريكي بارتكاب اعتداءات سبتمبر 2001 الى عناصر أتى جلهم من دول ذات علاقة طيبة بالولايات المتحدة. وقد أدى ذلك لاحقا الى أمور كانت وما زال لها انعكاساتها السيئة على هذه العلاقات، مثل اندفاع السلطات الأمريكية الى عمليات اعتقال واسعة بين المواطنين العرب المقيمين في الولايات المتحدة على نحو يشبه ما يجري في الدول التي كانت الولايات المتحدة تدين سجلها في حقوق الانسان، دون السماح لحكومات الدول المعنية بمتابعة ما يجري بالنسبة لمواطنيها، هذا فضلا عن مواقف مجتمعية غير رسمية تضمنت صداما محتملا أو على الأقل توترا مكتوما لم يقتصر نطاقه على العرب في الولايات المتحدة فحسب، وانما امتد الى بعض الأمريكيين من أصل عربي. أما الأكثر أهمية من ذلك، فقد تعلق بالتناقض الكامل بين المفهومين الأمريكي والعربي للارهاب، فالمفهوم الأمريكي للارهاب «فني» لا يميز على أي نحو بين أعمال العنف التي تروع الآمنين لأهداف مشبوهة، وبين القتال من أجل التحرر الوطني، وهكذا طال هذا المفهوم منظمات تحظى بسمعة نضالية رفيعة في الأوساط العربية لسجلها المشرف في المقاومة المشروعة للاحتلال الاسرائيلي. وطالبت الولايات المتحدة الدول التي تحتضن هذه المنظمات، أو على الأقل تسمح لها بالنشاط، بأن تتخذ حيالها اجراءات قمعية مانعة، وهي مسألة ما زالت بانتظار مزيد من التطورات السلبية، ومن ناحية ثانية فان المفهوم الأمريكي للارهاب جعل أوساطا أمريكية تنظر بامعان الى محتوى النظم التعليمية السائدة في عديد من البلدان العربية لتخلص الى أنه بحاجة الى مراجعة، وفي محاولة لاستئناف عملية «غسيل المخ القومي» التي كانت قد بدأت وتعثرت فيما سمي بثقافة السلام بحيث تشمل السلام مع الجميع، وليس فقط مع اسرائيل، بغض النظر عن الاخلال الجسيم بالعدالة في النظام العالمي الراهن. ولم تقف التداعيات عند هذا الحد، فلأن الخلاف بدأ بالمفاهيم، كان من المنطقي أن يمتد الى سبل المواجهة، اذا لم تكن الدول العربية بصفة عامة مستعدة لأن تتجاوز علنا الدعم السياسي والدبلوماسي لحملة الولايات المتحدة ضد الارهاب، أو أن تشارك فيما سمي بقوات حفظ السلام في أفغانستان بعد القضاء على حكم طالبان، أو أن تقبل توجيه ضربات عسكرية الى احداها في سياق الحملة، وبدا الرأي العام العربي متململا من المعالجة الأمريكية للمسألة برمتها، رافضا لها، خاصة في ضوء السجل الأمريكي في مساندة اسرائيل، وكلها أمور ساعدت على تفجر أزمة في العلاقات العربية ـ الأمريكية على صعيد الاعلام الأمريكي، كان لها ردود أفعالها العربية، وان حرصت الأطراف الرسمية على الجانبين أن تؤكد الطابع غير الرسمي لهذه الأزمة. وربما اتصل أخطر التداعيات بالرغبة الأمريكية في مراجعات أمنية وفكرية واعلامية تقوم بها النظم العربية ذات الصلة، فلم يكن ياسر عرفات وحده مطالبا بأن يطارد من تراهم الولايات المتحدة ارهابيين، لديه، وانما كان الطلب عاما استجاب له من استجاب ليعرض نفسه ونظامه لتفاقم في أزماته الداخلية، ورفض من رفض ليزداد تدهور علاقاته بالقطب العالمي المهيمن، ومن ثم درجة تعرضه للخطر، وبدأ حديث يتسم بالحساسية عن مراجعة نظم التنشئة التعليمية العربية والدينية منها على وجه خاص بما يمس شرعية نظمها ومنظومة قيمها ذاتها. وأخيرا وليس آخرا بدت مظاهر ضيق أمريكي واضح من انتقادات السياسات الأمريكية في وسائل الاعلام العربية، في اتساق تام مع الاجراءات ذات الطابع غير الليبرالي التي ميزت السياسة الأمريكية في أعقاب سبتمبر 2001. ان الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، هي حرب تفتقر تماما الى الهدف المنطقي الذي يخدم أطراف الصراع، ويحقق «المصالحة السلمية والتعايش المقبول»، كما جاء في «الرؤية» الأمريكية المطروحة لحل الصراع العربي ـ الاسرائيلي، والتي تتعارض أهدافها مع جوهر السياسة الأمريكية المطبقة حاليا في المنطقة، والتي تمارس من خلالها أساليب مزدوجة المعايير، تفقدها مصداقيتها وفاعليتها، وتحرمها من القدرة على العمل الايجابي المطلوب، الذي يقود الى الهدف السياسي الساعية الى تحقيقه، واذا كان البعد السياسي العام قد حددته الرؤية الأمريكية بوضوح، فهو تحديد لا قيمة له ما دامت الولايات المتحدة لم تتحمل مسئوليتها التنفيذية الكاملة في تحقيق هذا البعد السياسي، وتأكيد مصداقية رؤيتها، وتصويب انحرافات سياستها السابقة التي عطلت عملية السلام وأضرت بها. لقد أصبح تحقيق التوازن الاقليمي في الشرق الأوسط شرطا ضروريا لتحقيق السلام، ودون توافره فلن يكون هناك سوى العنف والتوتر وعدم الاستقرار، وكذلك لن يتحقق هذا التوازن باستخدام أساليب الضغط والقهر المصحوبة بأعمال العنف، بل بالعمل الجاد لازالة المعوقات أمام التوصل الى تسوية سلمية قادرة على البقاء والصمود، وهذا يتطلب وجود قوة محايدة ونزيهة قادرة على تصحيح حالة الخلل وانعدام التوازن التي تعانيها المنطقة، بما يفتح الطريق أمام امكان التوصل الى ارساء قواعد راسخة للاستقرار والسلام الدائم والعادل. وعليه فان الرؤية الأمريكية التي تتحدث عن السلام، غير قادرة بمضمونها الحالي على تحقيق هذا السلام، حيث لا تتوافر لها الآليات القادرة على ذلك، وعلى التعامل مع المشكلات المعقدة في المنطقة. ان الأمر يتطلب تجاوز حدود الرؤية الأمريكية الى جوهر السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، واعادة النظر في تحديد أهدافها الاستراتيجية، بحيث تصبح أكثر توازنا وانصافا، كتطور لابد منه لتمهيد السبيل نحو استقرار وأمن المنطقة، ان هدف السياسة الأمريكية الوحيد الذي يخص منطقة الشرق الأوسط يتعلق تحديدا بأمن اسرائيل، ثم أضيف اليه مؤخرا هدف مكافحة الارهاب، وليس من ضمن أهداف السياسة الأمريكية أي اشارة الى المصالح العربية، فيما عدا ما يتعلق بحماية بترول الخليج، وهو قضية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي الأمريكي. وتبعا لذلك فان أي تعامل بين الادارة الأمريكية مع قضية النزاع العربي ـ الاسرائيلي انما يتم في اطار الأمن الاسرائيلي، دون أن يولي أي اهتمام لأمن ومصالح الأطراف الأخرى، في المعادلة، بما يؤدي دائما الى اتباع معايير سياسية مزدوجة، برغم أن الولايات المتحدة هي الراعية الوحيدة للسلام في المنطقة، بمعنى السلام لكل الأطراف المعنية وليس السلام لاسرائيل وحدها، وليس ثمة شك في أنه لو دققت الولايات المتحدة في الأبعاد الحقيقية للوضع العام في منطقة الشرق الأوسط وعلاقته المباشرة بالأمن القومي الأمريكي، وفي الوقت نفسه حيدت تأثير الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة والدور السلبي للجماعات اليهودية والدوائر العامة لمصلحة اسرائيل حتى ولو كانت على حساب المصلحة الأمريكية، ستجد أن حرصها الزائد على تحقيق أمن اسرائيل بالمفهوم الاسرائيلي، سوف يقودها الى دروب مظلمة ويلحق الاضرار البالغة بأمن الولايات المتحدة نفسه، ويوجد تهديدا لمصالحها الحيوية، خاصة على المدى الطويل. ان أهم أسباب قصور السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، هو اعتماد الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط على زاوية الرؤية الاسرائيلية، وهي زاوية ضيقة محاصرة بمصالح ذاتية محدودة وأطماع صهيونية واسعة، تتجاهل مصالح الآخرين بما في ذلك مصالح حلفائها، ويمكننا القول ان الصهيونية ودوائرها المهيمنة على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، قد نجحت في أن تفرض على هذه السياسة نظرة ضيقة للشرق الأوسط، محصورة داخل اطار من الفكر الصهيوني، وتحت رعاية الدوائر المؤيدة له. والشيء الغريب المثير للتساؤل أنه برغم تردي الوضع في المنطقة الى حالة من السوء لم يصلها من قبل بسبب السياسة الأمريكية المنحازة كليا لاسرائيل، فلم تحاول الادارة الأمريكية التخلص من قيود النظرة الضيقة المسيطرة عليها، التي قلصت دورها الدبلوماسي من راعي عملية السلام الى دور المتفرج فاقد التأثير، بل والى دور المشاركة في تصعيد حد الأزمة وتدهور الوضع في المنطقة، والاكتفاء بمطالبة طرفين لا يتوافر لهما التوازن الضروري، بالعمل على دفع مسيرة السلام، رافضة أي تدخل مؤثر يمكن أن يساعد على توفير التوازن المفقود. ان الولايات المتحدة مطالبة بالتعامل المتوازن مع أمن الشرق الأوسط، من خلال منظور أكثر شمولا واتساعا واهتماما بالرؤية المستقبلية للمصالح الأمريكية في المنطقة، وأن تراعي الأصول المنطقية والمرجعيات الشرعية في كل حساباتها، لأن ذلك وحده هو الذي يقود الى سبيل السلام العادل، ويوصلنا فعلا الى الاستقرار والأمن لكل دول المنطقة بلا استثناء. كما أنه يمثل السبيل الوحيد الذي يحقق التطور المضيء لمستقبل الشرق الأوسط الذي رسمته الرؤية الأمريكية، والذي سيستمر مجرد خيال لا حقيقة فيه، الى أن يحدث التغيير الضروري للسياسة الأمريكية. يبقى العراق وقضيته الممتدة التي لا تبدو لها نهاية قريبة، حيث يواجه العراق حربا عسكرية أمريكية تتجدد وتتواصل من عشر سنوات، كما يواجه أيضا حربا اقتصادية ضارية ومستمرة، أما الآن فهو معرض لحرب عسكرية أمريكية جديدة في اطار استراتيجية الحرب ضد الارهاب. وقد حاولت الولايات المتحدة وما زالت، ايجاد مبرر يعطيها فرصة العمل ضد العراق، فحاولت أن تربط بين العراق وأفغانستان، لكنها فشلت، كما حاولت أن تربط بين العراق والحرب البيولوجية، ولكنها لم تحقق أية نتيجة، وأخيرا وقد فشلت في ايجاد أي مبرر لتهديد العراق عسكريا في نطاق الحرب ضد الارهاب، لجأت الى الوسيلة القديمة الخاصة بعودة المفتشين الدوليين الى العراق، وأعلنت أن رفض العراق هذا الأمر سوف يعرضها لضربة عسكرية. خلاصة القول أن سياسة الضغوط الأمريكية هي سياسة شاملة موجهة ضد العالم العربي ككل.. بدءا من فلسطين وامتدادا الى سوريا ولبنان والعراق وليبيا واليمن والصومال كما بدأت تداعياتها تجاه مصر والسعودية تطل برأسها يوما بعد يوم، في شكل ضغوط سياسية وحملات اعلامية شرسة. ان فشل السياسة الأمريكية المطبقة حاليا في منطقة الشرق الأوسط، انما يكمن في قيامها على مفهوم خاطئ لأمن الولايات المتحدة كقوة عظمى، وأنها مهما تبلغ قدرتها، فان أمنها لا يمثل قضية منفصلة عن الواقع العالمي، بل هو متصل اتصالا مباشرة بأمن وحقوق الآخرين، خاصة هؤلاء المحرومين من الأمن والأمان، ويعانون فقدانهما نتيجة تسلط السياسات الخاطئة للقوى الكبرى، وللأهداف التوسعية العدوانية لقوة اقليمية مجرمة وكيان عنصري كاسرائيل. ـ كاتب مصري