الملف السياسي:إذا كانت التوازنات الدولية وأنماط العلائق التي أفرزها نظام القطبية الثنائية قد سمحت للدول العربية باستغلال مساحات الاختلاف والصراع بين القطبين الشيوعي والرأسمالي كأطر لحرية المناورة وتحقيق بعض الأهداف المرتبطة بالاستقلال والتحرر، وبناء الحد الأدنى من أسس العمل الوحدوي العربي، فإن تحولات ما بعد الحرب الباردة وانتقال النظام الدولي إلى نظام أحادي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية انعكس سلبا على وضعية أعضاء النظام الإقليمي العربي في الترتيبات الدولية الجديدة. وقد تجلت هذه الانعكاسات السلبية في صور متعددة تجسد جميعها تبعية النظام الإقليمي العربي للقوى الأساسية الموجهة لهذه التحولات الدولية الجديدة، وعدم قدرة أعضاء هذا النظام على بلورة شكل من أشكال التكيف الإيجابي مع الوضع الجديد. فما اعتاد الأمريكيون على تسميته بالنظام الدولي الجديد كان أصلا نتيجة لحرب الخليج الثانية التي برهنت في الحقيقة عن عجز الأنظمة العربية في فهم طبيعة ومغزى التحولات الدولية، وهو ما أدى في النهاية إلى اختراق سيادتها والتقليص من مجال مناورتها في العلاقات الدولية. من جهة أخرى، يبدو أن مسار السلام في الشرق الأوسط تزامن إلى حد بعيد مع التحولات التي حدثت في النظام الدولي وهو ما دفع الملاحظ البسيط إلى الاعتقاد بأن ذلك سيؤدي إلى تغيير طبيعة النزاع العربي ـ الصهيوني وطبيعة أهداف وتصورات أطرافه مما يؤدي في نهاية المطاف إلى ازدياد احتمالات حله. ولكن ما حصل يؤكد أنه رغم تنازلات الطرف العربي فإن الطرف الصهيوني يتجه نحو تعظيم مكاسبه بحكم الانحياز المطلق للطرف المهيمن والموجه لتحولات ما بعد الحرب الباردة تجاه إسرائيل. وكنتيجة لهذا الوضع أصبحت الدول العربية موضوعا أساسيا لمشاريع التنافس بين الولايات المتحدة والقوى الأخرى التي تريد القيام بدور مهم في النظام الدولي المرتقب خاصة منها الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك فإن هذه المنافسة بين هذه القوى يمكن أن تشكل المدخل الذي يمكن الدول العربية من الولوج في هياكل وميكانيزمات العلاقات الدولية إذا ما استطاعت بلورة سياسات عقلانية وموضوعية في سبيل تحقيق هذا الغرض. من الناحية الشكلية، يمكن القول أن نهاية الحرب الباردة تمثل قمة انتصارالمنظومة الفكرية الليبرالية الغربية على المنظومة الاشتراكية ومن ثم تحول الأولى إلى قيمة وتراث فكري عالمي، وهو ما كان بمثابة اللبنة التي تزيد من صلابة وتلاحم وقوة التحالف الليبرالي الغربي. ولكن من الناحية الموضوعية برهنت الأحداث الدولية على اختلاف وتناقض المواقف الغربية مع أهداف الاستراتيجية الأمريكية حول بعض المواقف الدولية. فحتى أثناء حرب الخليج الثانية التي مثلت نموذجاً للتنسيق والتضامن بين الدول الغربية، ظهرت بعض الأصوات داخل الاتحاد الأوروبي معارضة للسلوك الأمريكي تجاه الأزمة. وفي هذاالسياق يمكن تفسير استقالة وزير الدفاع الفرنسي ومعارضته للسياسة الأمريكية في المنطقة. لقد كان مسار برشلونة للشراكة الأورو ـ متوسطية بمثابة شكل آخر من أشكال الاختلاف ثم التنافس بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية حول منطقة حوض المتوسط. وهذا ما دفع أمريكا إلى المبادرة بمشروع السوق الشرق أوسطية كوسيلة لاحتواء مسار برشلونة الأوروبي. ورغم سلبيات وخلفيات المشروع الأوروبي بحكم أنه يكرس تبعية الدول العربية للطرف الأوروبي، إلا أنه أقل ضررا من المشروع الأمريكي الذي يركز في الأساس على إنشاء نظام إقليمي جهوي يتعدى حدود الوطن العربي ويكون الجانب الاقتصادي ركيزته الأساسية. فمن أهداف المشروع الأمريكي الأساسية جعل إسرائيل القلب النابض لهذا النظام الشرق أوسطي الجديد بحكم تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي، ثم القضاء على الهوية الحضارية والثقافية والعرقية للنظام الإقليمي العربي نظرا لتفككه واندماجه في نظام أشمل. ومع ذلك فالدول العربية كانت أكثر تحمسا للمشروع الأمريكي إذ تنافست فيما بينها لاحتضان قمم مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للتعاون الاقتصادي (الدارالبيضاء، عمان، القاهرة، الدوحة). أما فيما يتعلق بالنزاع العربي ـ الصهيوني، فإن أشكال الاختلاف والمنافسة بين أمريكا والاتحاد الأوروبي تتجلى في سلوكات ومواقف الطرفين تجاه هذا النزاع منذ نهاية الحرب الباردة. ففي الوقت الذي يزداد فيه التحيز الأمريكي المطلق إلى جانب دولة إسرائيل مما حدا بصانع القرار الأمريكي إلى اعتبار السلوكيات العدوانية والإرهابية الإسرائيلية بمثابة أسلوب من أساليب الدفاع الشرعي عن النفس، أما سلوكيات الأطراف العربية التي تدخل في إطار الدفاع عن حق مشروع فقد صنفها الأمريكيون في خانة الإرهاب الدولي، وفي هذا الوقت بالذات تزايدت وتدعمت أصوات بعض الأطراف الأوروبية التي تطالب بحل عادل للنزاع العربي ـ الإسرائيلي الذي يضمن للشعب الفلسطيني حقه في إقامة دولة مستقلة. أخيرا وفي سياق المقارنة والموازنة بين سياسة ومواقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية تجاه الدول العربية يمكن القول كذلك أن مشاعر العداء والحقد تجاه العرب والمسلمين في الولايات المتحدة تطورت بوتيرة سريعة في العقد الأخير. وقد تجلى ذلك على ثلاث مستويات أساسية: في المجال الأكاديمي يمكن الوقوف على الحجم الكبير من الكتابات التي ظهرت في هذه المدة والتي تصب كلها في تصوير العربي والمسلم على أساس أنه «إرهابي» « متخلف» «منغلق» «مبذر»...الخ. ويتم تبسيط هذه المصطلحات على مستوى وسائل الإعلام لخلق رأي عام أمريكي مناهض لكل ما هو عربي. أما على المستوى الرسمي فيتجسد هذا الشعور أحيانا في التصريحات الرسمية المعادية للعرب، أما في حالات أخرى فتتحول هذه التصريحات إلى إجراءات عدوانية ضد بعض الدول العربية ( ليبيا، العراق، السودان). أما في الدول الأوروبية فالوضع يختلف تماما. فإلى جانب القوى المعادية للعرب والمسلمين، هناك اتجاهات وأطراف مؤيدة للحق العربي ومعادية للباطل الصهيوني. من خلال هذه المقارنة البسيطة بين العلاقة بين العرب وأمريكا وبينهم وبين دول الاتحاد الأوروبي، يمكن القول أن نتائج هذه المقارنة تميل إلى تدعيم احتمال استفادة العرب أكثر من التوجه نحو الاتحاد الأوروبي والقوى الصاعدة الأخرى في العلاقات الدولية كآلية من آليات تكيف أعضاء النظام الإقليمي العربي مع تحولات البيئة الخارجية وكشكل من أشكال تعويض الإختلالات الكبيرة في ميزان العلاقة بينهم وبين الولايات المتحدة الأمريكية، مما يسمح في نهاية الأمر من إحداث ضغط على هذه الأخيرة لمراجعة سياستها تجاه منطقة الشرق الأوسط. وهناك عدة اعتبارات وعوامل تدعم سيناريو التوجه العربي نحو تدعيم الروابط والعلاقات مع الفواعل والقوى المنافسة لأمريكا في النظام الدولي المرتقب. أولا: إن مسألة تنويع أطراف التعامل العربي في النظام الدولي تكتسي أبعادا استراتيجية مهمة. فالتنويع يتيح للدول العربية هامشا معتبرا من حرية التصرف والمناورة في العلاقات الدولية، ويجنبها انعكاسات الضغوط التي تفرضها حالات الاعتماد شبه الكلي أو التبعية للطرف الأمريكي. كما أنه يسمح للدول العربية في الميدان الاقتصادي من الاستفادة من امتيازات المقارنة بين الاختيارات والبدائل التي يوفرها كل طرف من أطراف العلاقات الخارجية العربية، ويخفف من وطأة التحفظ والرفض الأمريكي في إمداد الدول العربية بالتكنولوجيا الكفيلة بتحقيق أهداف التنمية الوطنية بهدف ضمان التفوق المطلق لإسرائيل على الدول العربية في هذا الميدان. فمثل هذه الخلفيات السياسية لا تؤثر كثيرا في السلوك الأوروبي تجاه الدول العربية الذي توجهه اعتبارات براغماتية محضة. ثانيا: الاعتبارات التاريخية والجغرافية والحضارية تشكل شبكة من الارتباطات ونقاط التقاطع في المصالح بين الكتلة الأوروبية والنظام الإقليمي العربي وهو ما يساهم في زيادة أطر الاعتماد المتبادل بين الطرفين. وقد تبلور كل هذا في تطوير أشكال من الشراكة ومسارات التعاون بين الدول العربية والاتحادالأوروبي في إطار ما سمي بالجيل الأول من اتفاقيات الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والدول المتوسطية ثم في سياق الحوار العربي الأوروبي وأخيرا ضمن مسار برشلونة للشراكة الأورو ـ متوسطية. فإذا كانت جل المؤشرات في معادلة العلاقة العربية الأمريكية تعمل على زيادة مساحة الاختلاف والتناقض في مصالح الطرفين، فإن مايحدث على مستوى العلاقات العربية الأوروبية من تقارب في الرؤى والتصورات ومن إدراك مشترك لحتمية تطوير أطر هذه العلاقات تفرضه اعتبارات فوق قومية ناتجة عن التداخل الجغرافي والتاريخي والحضاري والعرقي بين ضفتي المتوسط والذي يضرب بجذوره في أعماق التاريخ البشري. ثالثا: يبدو أن عملية صنع القرار في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه النزاع العربي الصهيوني تعكس إلى درجة كبيرة حقيقة سيطرة اللوبي الصهيوني على هذا الجانب من جوانب الاستراتيجية الأمريكية، وبحكم تغلغل هذا اللوبي في المجتمع الأمريكي، فإن أي تحول أو مراجعة في سياسة أمريكا تجاه هذا النزاع يبدو أمرا صعب التحقيق. ومن ثمة فإن هذا الوضع يفرض على الدول العربية ضرورة تطوير سبل التعاون مع الطرف الذي يمكن العرب من مواجهة الانحياز الأمريكي لدولة إسرائيل. وفي هذه المرحلة من تطور النظام الدولي يبرز الاتحاد الأوروبي كأقوى طرف يمكن أن يقوم بهذه الوظيفة. ويزيد من تدعيم هذا الاحتمال حجم المبادلات العربية مع الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر أول شريك اقتصادي وتجاري للدول العربية. رابعا: إذا كانت العلاقة الثقافية والحضارية والدينية بين الولايات المتحدة الأمريكية والعرب تدخل في إطار الصراع الحضاري، فإن هذه العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية تعكس إلى حد كبير أطروحة حوار الحضارات. وبحكم مجموعة من الاعتبارات منها التداخلات العرقية والدينية والتاريخية بين الطرفين، والأهمية الاستراتيجية للعلاقة بينهما، فإن المجتمعات الأوروبية ـ على عكس المجتمع الأمريكي ـ لم تبلور صورة وموقفاً واضحاً ومستمراً معادياً للعرب وذلك، بالرغم من وجود بعض التيارات المتطرفة التي تتبنى الموقف والتصور الأمريكي. الأمر الذي يساهم في تدعيم سيناريو ترجيح العلاقات العربية مع الاتحاد الأوروبي كنمط من أنماط التكيف الإيجابي العربي مع إفرازات الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي. ومن خلال كل ما تقدم يمكن التأكيد على أنه إذا كانت السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية تتجه نحو المزيد من الانحياز للطرف الإسرائيلي مهما كانت طبيعة السلوكيات التي تصدر عنه مقابل التجاهل الكلي للقضايا العربية العادلة، فإن ذلك يستلزم بالضرورة البحث عن استراتيجيات بديلة تمكن الطرف العربي من التقليل من مخاطر مثل هذه الأوضاع. وفي هذا السياق يبدو الطرف الأوروبي الإطار الأمثل لتحقيق هذا الهدف. ذلك أن الاتحاد الأوروبي في حد ذاته في حاجة إلى أطراف تمكنه من تدعيم مكانته في النظام الدولي. والأكثر من ذلك أن بعض الدوائرالأوروبية ما فتئت منذ مدة تطالب بوضع حدود للهيمنة الأمريكية على الشئون الأوروبية والمناطق المجاورة لها. وقد تتحول هذه المطالب إلى إجراءات عملية نتيجة النجاحات التي حققتها مسيرة التكامل والاندماج في أوروبا. ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر