الملف السياسي:إن الصراع بالكلمات الذي دار في الفترة الأخيرة بين أوروبا ممثلة في وزيري خارجية فرنسا والمانيا من جانب ووزير الخارجية الأمريكية من جانب آخر هو أمر يستحق الاهتمام من العالم العربي بل والدراسة السياسية الجادة له من النخبة الحاكمة العربية. فوزير خارجية المانيا - يوشكا فيشر - قال ما يتفق مع ما سبق أن قاله وزير خارجية فرنسا مطالبا كل منهما ادارة بوش بعدم معاملة حلفاء واشنطن كأتباع لها وأن الادارة الأمريكية تتجاهل التشاور مع حلفائها وتتخذ سياسات منفردة. كان الرد الأمريكي على لسان وزير الخارجية - كولن باول - بأنه يتحتم على الدول الحليفة احترام زعامة الولايات المتحدة حتى لو كان لهم رأي آخر. وبداية أود توضيح أن هذا الخلاف بين أوروبا وأمريكا والذي قد يصل الى حد الصراع السياسي أمر لا يشغلني فهو يخص كلا الطرفين ولكن ما يعنيني هو دلالته للعالم العربي على وجه خاص حتى يمكن اعادة صياغة لغة الخطاب العربي الرسمي بما يتفق والمصالح العربية الاستراتيجية. فالواضح أن واشنطن تعيش حالة مزاجية حادة تحكمها كونها العملاق الوحيد على قمة العالم ولا تريد تكرار ما حدث من مشاركة عملاق آخر كان هو الاتحاد السوفييتي.. وتلك الحدة المزاجية الحاكمة تجعلها لا تقبل منطق الحوار مع الحلفاء ولكنها تصر على املاء ما تريد. إن الولايات المتحدة في ظل حماقة اليمين وغرور القوة لا تريد أن تسمع غير صوت نفسها فقط وهو أمر بالغ الخطورة ليس فقط على العالم ولكن على استمرار الزعامة الأمريكية نفسه. إن الولايات المتحدة في ظل ادارة بوش ونائبه!! لا تفهم الحوار بالكلمات وإنما هي لا تتحاور إلا بالمصالح واستعراض القوة فهي أصبحت تتبع ما يطلق عليه مجازا بسياسة «الجزرة والعصا». وفي ضوء هذه الأركان الثلاثة التي تتحكم في السياسة الأمريكية هذه الايام تصبح لغة الخطاب العربي الرسمي غير مناسبة بل أكاد أقول غير صالحة اطلاقا. فالأجدر على الرجاء العربي بالتدخل الأمريكي والذي يصل في بعض الأحيان الى الاستجداء بالدم مرة وبالمال أخرى، وترفض نيويورك المال والدم. والاصرار على أن الولايات المتحدة وحدها لديها مفاتيح حل المشكلة هو وهم لا يرى أن واشنطن قد أصبحت صورة انجليزية لسياسة عبرية وهو ما يجعل الوجود الأمريكي دعماً للاستعمار الصهيوني وليس دعما لجهود التسوية العادلة ويكفي مراجعة تصريحات ومواقف الرئيس الأمريكي ونائبه خلال الأشهر الماضية لإدراك الحقيقة. والاصرار على تجاهل أن الادارة الأمريكية تبحث عن حلول لمشاكلها على حساب العالم العربي فلا أظن أنني بحاجة لتفسير أو تفصيل هذا الأمر. وليس هناك شك في حتمية استعمال لغة للخطاب العربي الرسمي تختلف تماما عن اللغة السائدة والتي وصلت الى درجة من المهانة لا يقبلها أحد. ولذلك فلابد من: أولا: أن تتفق الدول العربية ممثلة في قمتها على لغة للخطاب واحدة وان كان هناك ضرورة لبعض الاختلاف فيكون في الشكل وليس في المضمون. ثانيا: أن تتحدث القمة بلغة المصالح وليس العواطف التي لا تعرفها واشنطن وتجارة السلاح هي أبرز عناصرها وليس البترول الذي تبحث واشنطن عن مصادر بديلة له في آسيا وإن كان للبترول العربي قيمته في هذه المصالح على الأقل على المدى القصير. ثالثا: أن يعتمد العالم العربي على قدراته الذاتية وهو ما يجعل منه قوة يحسب لها حساب وبالتالي لا نحتاج الى طرف وسيط غير عادل. وأول خطوات الاعتماد على الذات هو تنفيذ حلم السوق العربية المشتركة. رابعا: أن تدرك القمة العربية بكل أطرافها أنها في خندق واحد فليس من المعقول مثلا أن يترك ولي العهد السعودي وحده الناقد للسياسة الأمريكية والمهدد بموقف حاسم من العبث الأمريكي بالمصالح الاستراتيجية العربية. هذه هي الأركان الأربعة التي يجب أن تقوم عليها لغة الخطاب العربي الرسمي تجاه واشنطن وإن تعذر الأمر فالصمت أجدى!! ـ كاتب سياسي مصري