الملف السياسي:أكد لامس بيرج خبير السياسة الدولية في لاهاي ان ولي العهد السعودي الامير عبدالله قد رفع أول مجس اختبار سياسي في وجه الرئيس الامريكي بوش منذ احداث 11 سبتمبر. مشيرا الى تصاعد مشاعر الغضب الشعبي الخليجي بسبب الاجراءات الامريكية ضد المسلمين. واوضح لامس في حديث لـ «الملف السياسي» ان امام العرب فرصة تاريخية ربما لن تتكرر مرة ثانية وذلك بالمبادرة نحو تكثيف العلاقات العربية الاوروبية في المجالات الاقتصادية بصفة خاصة وكذا لتحقيق توازن سياسي مع امريكا، والتخلص من عقدة الامريكان التي تسيطر على شئون ومناحي دوائر السياسة والاقتصاد العربية. وفيما يلي نص الحوار: ـ هل ستستمع واشنطن لتحذير «الامير عبدالله» ولي عهد المملكة العربية السعودية وتعيد تقييم مواقفها بالنسبة للصراع العربي الاسرائيلي؟ ـ لقد رفع ولي العهد السعودي اول مجس اختبار سياسي في وجه الرئيس الامريكي بوش، منذ عملية 11 سبتمبر وما تبعها من احداث وافرازات سياسية وعسكرية في العالم، ولهذا الموضوع اكثر من جانب أستطيع توضيح المهم منها على النحو التالي: أولا: على الرغم من معرفة الادارة الامريكية بتوجهات «الامير عبدالله» ومواقفه العربية الحازمة من أمريكا في ظروف سياسية مختلفة، الا ان امريكا ستضع هذه المرة ذلك التحذير في ميزان تقييم جاد، لأن امريكا لها قوات عسكرية على الاراضي السعودية، ومناطق الخليج الاخرى وهي ـ واشنطن ـ لا تريد منح الفرصة لاستعداء منطقة الخليج العربي عليها، وهي المناطق الثرية بالنفط الذي يشكل لأمريكا اهمية كبيرة، اضافة لتواجد قواتها بالقرب من البحر الاحمر، وهذا التواجد العسكري تحول من مصدر امن لدول الخليج ـ التي سمحت به طوعا ـ الى مصدر قلق خفي لدى حكومات الجزيرة العربية، وكذلك تتصاعد مشاعر الغضب الشعبية الخليجية تدريجيا، خاصة بسبب الاجراءات الامريكية ضد المسلمين، هذه المحاور هي حسابات استراتيجية، تنبهت لها امريكا مؤخرا ولن تغامر امريكا باهمالها. ثانيا: تضع واشنطن رهان عنصر الزمن على الكفة الثانية من الميزان، وهو احتمال حدوث متغيرات سياسية او دستورية في بعض نظم الحكم في المنطقة العربية، مما يسهل لها الاستمرار في توزيع وتوسيع رقعة نفوذها، لكن هذا الرهان هو مقامرة سياسية، تقف وراءها اسرائيل التي تستفيد في كل الاحوال من اشعال فتيل الحروب النسبية في المنطقة العربية، كأحد ضمانات بقائها الذي يستمر دون قلق بانشغال العرب عنها، هذا اضافة الى انه كلما بقيت العلاقات الامريكية باردة، وكلما توترت تستفيد اسرائيل بالدعم الامريكي الذي ينتج عن تأييد واشنطن لسياستها في ضرب الفلسطينيين. ـ ماذا تقصد بالتحديد من المقامرة السياسية؟ ـ وفقا لما يتوافر لدينا من تقارير اعلامية وسياسية نستنتج بأن الشعوب العربية اصبحت في وضع لا يمكن التكهن بحساب تصرفاتها، وتوجد مؤشرات بأن الغضب العربي وصل لحد يجعل انتفاضته قريبة، وما نعلمه نحن في أوروبا ليس بغريب او خفي على الحكومات العربية، لذلك نتوقع انها تسعى لتلاشي الغضب الجماهيري الذي يهدد بالدرجة الاولى انظمة الحكم العربية، وهي ـ الحكومات ـ ستلبي بالضرورة جزءا من مطالبه ولو على سبيل التهدئة، ومن هنا يكون اعتماد امريكا على حدوث متغيرات مقامرة سياسية، اضافة الى ان امريكا ستكتشف مدى مصداقية اسرائيل، وستتأكد ان مصلحتها مع العالم العربي اهم وابقى. ـ ألم تتأكد امريكا بعد ان مصالحها مع العرب أهم من اسرائيل؟ ـ ربما تكون الادارة الامريكية متأكدة من ذلك «لكن تبقى عملية نظرية» حبيسة الادراج لا ترقى لمستوى التقييم والتعامل معها على أساس، والعرب فقط هم الذين لديهم القدرة في ان تتحول العملية النظرية لواقع سياسي، تستعين به حكومة امريكا في اقناع الكونجرس بضرورة الحيادية والموضوعية، خاصة في قضية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي. ـ وما هو تصورك لما يجب ان تفعله الحكومات العربية لتحقيق هذا الامر؟ ـ بداية التخلص من عقدة الامريكان التي تسيطر على شئون ومناحي دوائر السياسة والاقتصاد العربية التي تصب في الجعبة الامريكية، وامام العرب فرصة تاريخية ربما لن تتكرر مرة ثانية وهي ان تبادر وبسرعة بتكثيف «العلاقات ـ الاوروبية» في المجالات الاقتصادية بصفة خاصة، الاتحاد الاوروبي لديه عملة موحدة «اليورو» ولديه تقنية عسكرية عالية، وتكنولوجيا صناعية وزراعية متطورة، لكن مستوى علاقات العرب بأوروبا لم ترتق بعد لمستوى توازن ينافس العلاقات مع امريكا، حينما يحدث ذلك يتحقق التوازن السياسي. ـ فتحت احداث 11 سبتمبر باب حظيرة الحصان الامريكي وانطلق دون توقف، ويتضح ان اوروبا تقف جامدة مرة، واخرى مترددة، ومرات سلبية، ولا ننسى انها تنساق وراء أمريكا.. ما رأيكم؟ ـ الحصان الأمريكي كان منطلقا قبل 11 سبتمبر، لكننا في أوروبا نعي ان السياسة العربية تتحرك من منطلق رد الفعل، سواء للضربات العسكرية او عند الشعور بالخطر، هذا هو الواقع السياسي الذي نراقبه، اكرر فقط حينما تشعر وتتأكد اوروبا من كثافة مصالحها مع العرب، ستغير من مواقفها بدون شك، لا أزعم ستكون ضد اسرائيل! لكنها ـ اوروبا ـ ستقوم بدور حيادي وموضوعي يفيد القضية الفلسطينية والعرب. ـ الى اي مدى يمكن قياس التصميم الامريكي على ضرب العراق؟ ـ تؤكد المؤشرات الامريكية حتى الآن الى وجود هذه النية لضرب العراق، ولكن وفقا لمعلوماتي السياسية من واشنطن، لا توجد خطة عسكرية معدة في هذا الشأن، وقد اتضح هذا من الاستجواب الغير معلن الاخير والذي قدمه اعضاء مجلس الشيوخ لوزير الخارجية «كولن باول» حول عدم اخطارهم بالخطة العسكرية لضرب العراق ومدى هذه الخطة، وأكد باول للسينتورات انه لا توجد حتى الآن مثل هذه الخطة، وانها لا تزال في طور البحث من البنتاجون وزارة الدفاع الامريكية، لذلك لا يمكن توقع حدوث هجوم قريب على العراق، وان كان الهجوم العسكري بصفة عامة غير مستبعد. وهناك عدة نقاط اخرى تعول عليها امريكا لاعداد اي خطة عسكرية لضرب العراق ويجب ان تضعها في الاعتبار وتتمثل في: ـ نتائج زيارة «ديك تشيني» نائب بوش الى دول خليجية وعربية بجانب زيارته لتركيا واسرائيل وبريطانيا، الذي سيزور السعودية، الاردن، تركيا، مصر، الامارات، البحرين، قطر، عمان، وذلك لبذل الجهود لاقناع هذه الدول بالتحالف او التزام موقف الحياد حيال ضرب العراق، فبريطانيا الحليف الاول لامريكا في حربها على الارهاب تبدو غير متحمسة بصورة كاملة لضرب العراق، نظرا لمواجهة «توني بلير» لضغوط سياسية داخلية بسبب الانفاقات العسكرية المتزايدة دون دواع، ولخدمة اهداف عسكرية امريكية فقط. ـ اسرائيل لديها مخاوف من ان يتسبب ضرب العراق في تعرضها لعمليات انتقامية، فقد سبق ان واجهت تهديدات من العراق بضربها بصواريخ سكود في حرب الخليج الثانية، وتشيني سيزور اسرائيل بهدف ازالة مخاوفها، والعمل على تقديم ضمانات امنية وعسكرية لها حال ضرب العراق، وفي هذا عملية معقدة لامريكا. ـ تركيا ـ شريكة امريكا في حلف شمال الاطلنطي ـ تخشى ايضا ان يتسبب ضرب العراق في استخدام امريكا لورقة الاكراد للانفصال بالشمال وتكوين دولة كردية، وتركيا لن تسمح بالطبع بقيام دولة كردية، لذلك فأمام امريكا خياران، اما تقديم الضمانات لتركيا بعدم استخدام ورقة الاكراد، على غرار ما فعلت في افغانستان واستخدمت ورقة التحالف لاسقاط طالبان، واما ان تتجاهل المطالب التركية، وتعاديها، وبذلك ستخسر امريكا حليفا استراتيجيا ودولة اسلامية كبرى شريكة لها داخل حلف شمال الاطلنطي. ـ دول اوروبا في حلف شمال الاطلنطي لديها اعتراضات على ضرب العراق، وهناك اتصالات دبلوماسية ساخنة بين الطرفين تجري سرا على قدم وساق، ويهدد بعض شركاء اوروبا في الحلف بتفكيكه، او اضعاف قوته اذا ما اتخذت امريكا ضربة منفردة ضد العراق دون موافقة اوروبية او دون وضوح للاهداف وعرض للخطة الامريكية لضرب العراق، وعلى امريكا الا تخسر شركاءها الاوروبيين، خاصة وانها تعول على استمرار حلف شمال الاطلنطي وهيمنتها العسكرية عليه املا في ازاحة الطموح الاوروبي لاقامة جيش اوروبي موحد، وحتى يبقى لها الهيمنة في القرارات العسكرية حتى داخل اوروبا نفسها، وهو الامر الذي حدث سابقا في حرب كوسوفو. اذن امام امريكا العديد من الاشكاليات المعقدة عليها تجاوزها أولا حتى تتمكن من توجيه ضربة للعراق دون ان تخسر كل هذه الاطراف، او تحقق الحد المقبول من الترضية لهم.