الملف السياسي: «الاجازة هي أفضل استثمار» هذا الشعار رفعته مؤخراً شركة يابانية، بعد دراسة شملت 1400 موظف وعامل لديها، واستغرقت 18 شهراً، وتبين نتيجة لها ان العامل والموظف، سواء كان يعمل في مكتب اداري أو في خط الانتاج يكون أكثر ابداعاً وانتاجاً إذا حافظ على مواعيد اجازته الاسبوعية والسنوية من العامل أو الموظف الذي يعمل وقتاً اضافياً ويضحي أحياناً باجازته الاسبوعية وبعض اجازته السنوية أو كلها من أجل اتمام العمل. ومن هنا فقد قررت الشركة وضع حوافز للعاملين فيها كي يلتزموا بأخذ اجازاتهم الأسبوعية، فمنحت هؤلاء حتى الاقامة مجاناً في أحد الفنادق في نهاية الأسبوع مع عائلاتهم أو بمفردهم. الإدمان على العمل .. يقتل يقول المؤلف الأمريكي سكوت فيتزجيرالد، وقد عاش في الثلاثينيات من القرن الماضي في نيويورك: «ان الإدمان على العمل مثل الإدمان على الكحول، كلاهما يدمر الروح»، وكان فيتزجيرالد مدمناً على الكحول، وقضى متنحراً بينما أقامت عائلة أمريكية قبل عامين دعوى قضائية على مكتب بارز للمحاماة في نيويورك، لأن ابنها، وقد تخرج من الجامعة حديثاً كان يعمل في المكتب حوالي 14 ساعة يومياً، وانتهى بأن قذف نفسه من نافذة المكتب ليموت منتحرا. وقالت العائلة في دعواها ان مكتب المحاماة حوّل ولدها إلى «مدمن عمل» وطالبت العائلة بتعويضات. «الزبدة» في ألمانيا في ألمانيا حيث الانضباط في العمل هو القاعدة اقترح أصحاب المصانع على نقابات العمال القوية العمل بنظام الدوامين في اليوم، أي ان وردية من العمال تعمل فترة قبل الظهر، ووردية أخرى تعمل بعد الظهر، ورحبت الحكومة بالاقتراح لأنه يساعد في القضاء على البطالة، أما النقابات فقد قالت ان الاقتراح يخدم أصحاب المصانع وحدهم لأنهم يدفعون بدل الساعات عندما يكون العامل في ذروة نشاطه وعطائه وعندما تخف طاقة العامل يصرفونه وهذا ليس عدلاً، لأن أصحاب المصانع يريدون الحصول على الزبدة فقط وليس على الحليب كله. .. والبقر في هولندا ان عبارة «دوام أقل وإنتاج أكبر» لم تعد شعاراً نظرياً بل تطبيقاً علمياً لعشرات الدراسات الطبية والنفسية التي اجريت على الحيوانات والبشر، ففي هولندا مثلاً بات طبيعياً تزويد مزارع البقر بأجهزة تبث الموسيقى يومياً لأن انتاج البقر من الحليب يزيد مع سماع الموسيقى، أما في سويسرا فإن الحكومة الفيدرالية تقدم مساعدات للمزارعين إذا التزموا باخراج ابقارهم من حظائرها في فصل الشتاء مدة ساعتين يومياً على الأقل لأن الابقاء على البقر داخل الحظيرة طيلة فترة الشتاء يخلق نسلاً عليلاً من الأبقار، وسلالة أقل انتاجاً من الحليب. العبودية العصرية أما على صعيد البشر، فقد كان الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، وقد عاش في منتصف القرن الماضي أحد الرواد الأوائل في الربط بين الاجازة وبين مفهوم الحرية وقال راسل في نظريته ان الانسان الغربي هو انسان «ضيق الأفق» لأنه يعتبر ان العمل هو قيمة في حد ذاته، أي العمل للعمل، كما الفن للفن، وان هذا الانسان بالتالي عندما ينهي دوامه يشعر بالفراغ وبانتظار ان يعود للدوام فإنه يريد ان يقتل الوقت ويتخلص من الفراغ، أي انه بدلاً من أن يشعر بالحرية وان يمارس طقوسها خارج العمل فإنه يشعر بالفراغ ويلغي من قاموسه مبدأ الحرية وتصبح عبودية العمل والوظيفة هي احدى القيم السامية في المجتمع الغربي، وهي عبودية عصرية تتجاوز عبودية الزنجي الأمريكي في زمن الرقيق، لأن الزنجي عندما يأوي إلى كوخه بعد يوم مرهق من العمل يشعر انه حر، ولو لساعات قليلة يحلم بها، أما العامل أو الموظف في الغرب فإنه وفي غياب الوعي بالحرية يكرس عبودية مؤبدة. ولعل أبرز النتائج العملية لنظرية الفيلسوف البريطاني تظهر لدى المتقاعدين في بريطانيا حيث تقول احدى الدراسات ان 70 في المئة من هؤلاء يعانون الاكتئاب وأن 12 بالمئة يصلون إلى حالة من الاكتئاب الشديد ربما تدفعهم إلى الانتحار أو الانطواء على الذات. المنشطات والادمان على العمل يقود بالضرورة إلى الادمان على المنشطات فالقدرة على التركيز تنخفض بعد 6 ساعات من العمل وهو ما يصح على طلاب المدارس أيضاً، حيث باتت القاعدة في الغرب ان تخصص حصص الرياضيات والعلوم لفترة قبل الظهر ولساعات الصباح الأولى بينما تخصص فترة بعد الظهر للعلوم الانسانية من تاريخ ورسم وموسيقى. وليس استنفاد الطاقة وحده هو ما يقود إلى تعاطي المنشطات فقد كشفت دراسات اقتصادية في نيويورك ان معدل الانتاج لدى سكانها ينخفض خلال شهري يناير وفبراير بمعدل يصل إلى 7 بالمئة أي خسارة مليارات الدولارات يومياً. والسبب ان عوامل الطبيعة في هذين الشهرين وبالذات غياب الشمس في حجب الغيوم السوداء الكثيفة تؤدي إلى شعور السكان بالكآبة وعدم الرغبة في مغادرة السرير صباحاً، ومن هنا فقد عرضت احدى الشركات على أهل المدينة ان تخترع لهم فجراً مشرقاً بواسطة مصباح تتم برمجته بحيث يبدأ في السطوع تدريجياً ويتحول مع ساعات الصباح الأولى إلى فجر كامل أقرب إلى ضوء الشمس. صيدلية الدماغ وهذه الكآبة المناخية التي تؤدي إلى انخفاض الانتاج ويمكن علاجها باختراع فجر وهمي تقابلها كآبة مشابهة ناتجة عن الارهاق لدى المدمنين على العمل وعلاج هذه الكآبة بات الشغل الشاغل للعاملين فيما يسمى «صيدلية الدماغ» وهذه الصيدلية تحتوي على عشرات الانواع من الحبوب المهدئة أو المنشطة وفي طليعتها وأكثرها شهرة هي حبوب «بروزاك» ومع انه بات من الثابت ان أحد تأثيراتها الجانبية قد يؤدي إلى العجز الجنسي، إلا ان المدمنين على العمل مازالوا يقبلون عليها بشهية مفتوحة، فهم قبل كل شيء يقضون عمرهم في مكاتبهم وليس في فراش الزوجية.