الملف السياسي: رغم أن حدوث خلافات وحالات من الشد والجذب بين العرب والولايات المتحدة حول بعض القضايا هو شيء طبيعي وحدث مرات عديدة من قبل، فإن مايحدث منذ مجيء الادارة الأمريكية الاخيرة من تغير في المواقف الأمريكية تجاه القضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية يدعو الى ضرورة ان تكون هناك وقفة لمراجعة تلك العلاقات، فمنذ قدوم بوش الابن الى السلطة وهناك مجازر يومية ترتكب ضد الفلسطينيين دون ان يحرك ذلك ساكنا هناك في واشنطن، كما توقفت عملية التسوية تماما، بل الأدهى من ذلك انه وبعد أحداث 11 سبتمبر تم توجيه الاتهام بعد ساعات من الأحداث الى العرب والمسلمين بأنهم ارهابيون وانهم وراء تلك الأحداث. «الملف» التقى د.عماد جاد الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وضياء رشوان الخبير بالمركز نفسه لالقاء الضوء على امكانية ان تكون هناك عملية مراجعة للعلاقات العربية الأمريكية، والسبيل الى تنشيط العلاقات العربية مع دول الاتحاد الأوروبي لخلق توازن مع واشنطن والانحياز الأمريكي الاعمى لاسرائيل ودوره في خلق حالة من الجفاء والبرود في هذه العلاقات وتصميم واشنطن على ضرب العراق واثر ذلك على الموقف العربي تجاهها. بداية يرى د.عماد جاد الخبير الاستراتيجي بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية انه لا مجال الآن لاجراء مراجعة للعلاقات العربية الأمريكية وذلك لأسباب وظروف تتعلق بالدول العربية نفسها وخاصة مصر والسعودية، فمصر على سبيل المثال تأثرت أوضاعها الاقتصادية كثيرا بعد أحداث 11 سبتمبر ولأسباب عديدة ولذلك فهي تحتاج لمساعدات اجنبية ولن تسعى لهذه المراجعة حاليا أما بالنسبة للسعودية فهي تتعرض منذ 11 سبتمبر كذلك لحملة تشويه ضارية من قبل بعض المسئولين في الإدارة الأمريكية، فضلا عن وسائل الاعلام هناك والتي حاولت الصاق المسئولية عن هذه الاحداث بمواطنين من السعودية، ومن هنا فهي مشغولة الآن بمحاولة تحسين صورتها خارجيا ونفى تهمة الارهاب عن رعاياها، ولهذه الأسباب لا مجال في الوقت الراهن للحديث عن اعادة مراجعة وتقويم العلاقات العربية الأمريكية. ورغم أن هذه المراجعة والتقويم للعلاقات العربية الأمريكية أمر مطلوب وهام ولكن، يضيف د.عماد جاد، نتيجة للأسباب والظروف السابقة، فضلا عن الحال التي عليها الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر لن تحبذ ذلك، فالواضح ان أمريكا بعد هذه الاحداث لم تعد تسمع الا صوتها فقط فهي تحدد قوائم الدول والمنظمات الارهابية، وهي التي تقرر الدول المرشحة للضرب خلال الفترة المقبلة ودون أية اعتبارات لعلاقاتها مع الدول الأخرى وخاصة تلك الموجودة في الشرق الأوسط، هي قررت أن أغلب الذين نفذوا هجمات واشنطن ونيويورك من مواطني الدول العربية فكيف السبيل في ظل هذا الموقف الأمريكي المتشدد ان نتحدث عن اعادة مراجعة وتقويم للعلاقات. وعن رأيه فيما سيكون عليه رد الفعل العربي في حال اقدام الولايات المتحدة على ضرب العراق يقول د.عماد جاد: على المستوى الرسمي العربي ليس متوقعا حدوث رد فعل عربي قوى، ستكون هناك أصوات معارضة وأخرى داعية لضبط النفس وما إلى ذلك، أما المعارضة المباشرة للولايات المتحدة واتخاذ مواقف رسمية عربية في هذا الاتجاه فلن تحدث في ظل الاوضاع العربية الحالية. أما على المستوى الشعبي فغالبا ستكون هناك معارضة شديدة لضرب العراق وقد تخرج المسيرات في بعض البلدان العربية، كما ستعقد الندوات، وسيكون هناك حديث عن ازدواجية المعايير والبطش الأمريكي ولكن كل هذا سيتم السماح به من جانب الأنظمة الرسمية العربية في اطار التنفيس الشعبي حتى تشعر الشعوب ببعض الراحة، أما رد الفعل القوي الذي يؤدي الى حدوث تغييرات أو تحركات في المواقف العربية فهو أمر مستبعد. ويوافق د.عماد جاد على أن الانحياز الامريكي الاعمى لاسرائيل هو أهم المتغيرات التي أدت الى وجود حالة من البرود والجفاء في العلاقات العربية الأمريكية، فهذا المتغير دائما عنصر توتر بالنسبة لطبيعة هذه العلاقات بين الطرفين، وهو الذي يحدد سقفها، فإسرائيل دائما حريصة على دق الاسافين وتخريب العلاقات بين أمريكا والعرب، والحديث على انها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة وان بقية الدول الموجودة في الشرق الأوسط هي دول ديكتاتورية، ويكفي أن نشير هنا الى الكيفية التي استغلت بها اسرائيل أحداث 11 سبتمبر لتأليب الولايات المتحدة على العرب، لقد عمدت ومنذ اللحظة الأولى لوقوع تلك الأحداث إلى ان تؤكد أن مرتكبيها من العرب والمسلمين، وحتى تلصق تهمة الارهاب بهم، والغريب أن الاستجابة من جانب الادارة الأمريكية كانت عالية جدا، اسرائيل متغير هام جدا في تحديد طبيعة العلاقات العربية الأمريكية، وهي السبب تقريبا في كل المشاكل التي وقعت بين الطرفين، ولأسباب مختلفة أهمها لجوء الولايات المتحدة لاستخدام حق الفيتو أحيانا كثيرة من اجل مساندة موقف الدولة العبرية وهو مايؤدي الى الغضب العربي. مراجعة شاملة ومن ناحيته يعتقد ضياء رشوان الخبير بالمركز نفسه ان الطرف الذي عليه اعادة المراجعة والتقويم للعلاقات هو الطرف الأمريكي فكل التغيير حدث من جانبه هو وليس من الجانب العربي، فالولايات المتحدة ومنذ أحداث 11 سبتمبر الماضي تغيرت رؤيتها وتصورها لمنطقة الشرق الأوسط وخاصة بالنسبة للدول الرئيسية والفاعلة، فيه مثل مصر، السعودية، ويكفي هذه الحملة الشعواء ضد السعودية في الاعلام الأمريكي ، أما على الجانب العربي نجد أن الدول العربية لم تتغير استراتيجياتها بالنسبة للتعاون والعلاقات مع أمريكا. كما أنها أبدت تعاونا كبيرا فيما يتعلق بالحملة ضد الارهاب، ولذلك فالمطلوب هو تعديل الموقف الأمريكي لأنه هو الذي قد تغير، أما المواقف العربية فمازالت كما هي. ويضيف: لقد فعل العرب كل مايمكن فعله من اجل وجود علاقات عربية أمريكية جيدة ولكن الذي يحدث دائما ونتيجة لبعض التدخلات وخاصة من جانب الدولة العبرية أن يحدث الخلاف وهو ماحدث مؤخرا وبعد أحداث 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك، هذا الخلاف الذي انعكس بدوره على طبيعة الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة وخاصة بالنسبة للقضية الفلسطينية، ولذلك فالمطلوب الآن وأكثر من أي وقت مضى هو اجراء مراجعة شاملة للعلاقات وايجاد خطاب أمريكي جديد يراعى مصالحه مع العرب وضرورة وجود توازن في علاقاته معهم من جهة، ومع اسرائيل من جهة أخرى، أما العرب فقد فعلوا كل مايمكن عمله من أجل وجود مستوى متميز من العلاقات العربية الأمريكية. ويرى ضياء رشوان ان اسرائيل كانت على الدوام أهم منغصات العلاقات العربية الأمريكية، فهي لديها قدرة هائلة على دق الأسافين واشعال الفتن، ولعل أبرز الأمثلة استغلالها لأحداث 11 سبتمبر الماضي للتأثير على الولايات المتحدة بأن زعمت أن الارهاب الذي حدث يقف وراءه ابناء العالمين العربي والاسلامي وخاصة الفلسطينيين، وهو مانجحت فيه بالفعل ويتضح ذلك جليا في الموقف الأمريكي الحالي من القضية الفلسطينية حيث صار موافقا تماما على المجازر التي تقوم بها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، بل أنها اعتمدت بشكل رسمي كل ماتقوله اسرائيل حيث تم ادراج منظمات المقاومة الفلسطينية على قوائم المنظمات الارهابية وبذلك تصبح مقاومة الاحتلال ارهاب، هذه المغالطات والانحياز الأمريكي الأعمى لاسرائيل ومواقفها أثر كثيرا على طبيعة العلاقات العربية الأمريكية وسيظل يؤثر طالما ظلت الادارة الأمريكية على موقفها الحالي ولم تحدث به أية تعديلات، وظلت تسمح لشارون بارتكاب مجازره الواحدة تلو الأخرى، وبحيث يصبح الأمر وكأن أمريكا تدعم كل مايرفضه العرب. بشكل مباشر ويرى رشوان ان الاصرار الأمريكي على ضرب العراق له دور كبير في حالة الجفاء والبرود الموجود في العلاقات العربية الأمريكية، فقد رفضت بعض الدول العربية خلال الفترة الماضية بشكل مباشر ضرب العراق، وقالت دول أخرى انها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن هجوم ضده، فالدول العربية ترى في هذا الاصرار الأمريكي مغالاة وخاصة انه لم يصدر عن العراق مايدعو الى ذلك. أما بالنسبة للموقف العربي في حال اقدام الولايات المتحدة على ضرب العراق فلا أحد يستطيع من وجهة نظر رشوان أن يتوقع ذلك، وان كانت ستحدث غالبا حالة من الاحتقان والتوتر على مستوى الأنظمة والشارع العربي وهناك تصريحات رسمية عربية أكدت ذلك خلال الفترة الماضية وخاصة أن الجميع يتفقون على انه لم يصدر من العراق مايستدعي أن توجه اليه مثل هذه الضربات. وحول ضرورة تنشيط العلاقات العربية مع دول الاتحاد الأوروبي والقوى الدولية الصاعدة يعتقد رشوان بضرورة وجود علاقات عربية متوازنة مع هذه الأطراف، لأن ذلك هام ومفيد للجانب العربي، كما يجب أن نستثمر جيدا الموقف الأوروبي الحالي، فالواضح حاليا ان الأوروبيين لديهم تخوفات كبيرة من الادارة الأمريكية للازمات في المنطقة، وهناك تصريحات كثيرة لمسئولين أوروبيين يرون أن السياسات الأمريكية الخاطئة يمكن أن تشعل منطقة الشرق الأوسط وهي المنطقة القريبة منهم والتي تتركز فيها مصالحهم، ومن هنا فالمفروض الآن أن يكون هناك تنسيق مع الأوروبيين فهذا شيء مهم في الوقت الراهن.