بيان الاربعاء: يدشن مقتل عنتر زوابري القيادي الإرهابي الاكثر دموية في تنظيم الجماعة الإسلامية الجزائري حتى الآن، مؤخراً مرحلة جديدة في مسيرة الجماعات الاسلامية في الجزائر. وقد صعد زوابري إلى قمة التنظيم بسرعة لم يسجلها كل من سبقوه على اثر الانقلاب الذي قاده في يوليو 1996 ضد ميلود حبي الذي عينه المجلس الشوري للجماعة قبل أربعة ايام من الانقلاب خلفاً لجمال زيتوني الذي راح هو الآخر ضحية صراع الاجنحة داخل الجماعة. وادخل مقتل زوابري سكان المدن والقرى الواقعة بسهل المتيحة القريب من العاصمة في دوامة من الرعب ذلك لانهم يدركون ومن خلال التجربة بأن العهد الذي يقطعه كل قائد جديد على نفسه واتباعه هو ان يكون اشد عنفاً من سابقه. التقرير التالي يتناول البدايات الأولى للجماعات الإسلامية في الجزائر ومرحلة الافغان الجزائريين ونهاية مرحلة الافغان وفترة الهيمنة المطلقة لعنتر الزوابري وأخيراً مستقبل الجماعات الإسلامية في الجزائر بعد سنوات من التقتيل والإرهاب. البدايات الجنينية للعنف بدأ العنف بقيادة منصوري ملياني وهو عضو نشيط سابق في جبهة الانقاذ وقبلها كان في التنظيم المسلح الذي أنشأه ضابط سابق في الجيش يدعي مصطفي بويعلي وخاض معارك مع قوات الأمن لمدة 18 شهرا قبل أن يسقط في كمين ويقتل ببلدة الأربعاء قرب المكان الذي قتل فيه زوابري. وقد اعترف منصوري ملياني لدى محاكمة المتورطين في أول تفجير استهدف مطار هواري بومدين الدولي في أغسطس عام 1992 بأنه كان صاحب المبادرة في تأسيس الجناح المسلح لجبهة الانقاذ باسم «الحركة الاسلامية المسلحة». ومع تطور الأوضاع وبروز قيادات جديدة أفرزتها المواجهات، حدثت تصدعات في جسم التنظيم فأعلنت « الجماعة الاسلامية المسلحة» عن وجودها لأول مرة في بيان تبنت فيه اغتيال قاصدي مرباح رئيس الحكومة السابق وقائد المخابرات الجزائري في حكم الرئيس هواري بومدين، بمنطقة البرج البحريب الضاحية الشرقية للعاصمة. وكان ذلك البيان بمثابة إعلان عن ميلاد مجموعات ارهابية مسلحة مستقلة عن الحركة الاسلامية المسلحة التقت لاحقا في تجمع بجبال المدية وشكلت تنظيما بقيادة عبد الحق العيادة وهو عامل بسيط بورشة لإصلاح السيارات ببلدة براقي جنوب العاصمة، اعتقلته السلطات المغربية على ترابها عام 1993 ثم سلمته للقضاء الجزائري بناء على اتفاقية تسليم المجرمين الموقعة بين الطرفين وهو يقبع اليوم في السجن بعدما صدر في حقه الحكم بالإعدام قبل ست سنوات ولم ينفذ. وكان التنظيم الذي يقوده « العيادة» يضم أيضا بقايا مجموعة كبيرة كان يقودها محمد علال لقي مصرعه عام 1992 في مواجهات مع قوات الجيش بجبال تمزقيدة بين البليدة والمدية جنوب العاصمة. ظهور الأفغان العرب وفي عام 1993 اعتلى قيادة الجماعة الاسلامية المسلحة شاب قوي البنية وصاحب خبرة في حرب الجبال وهو من مواليد حي القبة بالعاصمة اسمه سي أحمد مراد ويلقب بجعفر الأفغاني لاشتراكه في القتال بأفغانستان لأربع سنوات كاملة وتردد وقتهاأنه كان واحداً من أشد الشباب الذين أوفدهم الشيخ محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم حاليا للجهاد في أرض الأفغان. وأعطى تولي جعفر الأفغاني زمام الأمور في الجماعة دفعا قويا ليس للعمليات التي استهدفت قوات الأمن فحسب لكن في خلق شبكة قوية للإسناد والدعم في أوروبا وبعض المناطق العربية والإسلامية. كما قاد حربا ضروسا على التنظيمات الارهابية المسلحة ذات الطابع الدموي العنيف الأخرى وهي « الحركة الاسلامية المسلحة» بقيادة أحمد الواد خليفة منصوري ملياني حركة الدولة الاسلامية التي يقودها الضابط السابق في الجيش النظامي سعيد مخلوفي والجيش الاسلامي للانقاذ وهو تنظيم تأسس قبل مدة قصيرة بمنطقة جيجل شرق الجزائر ويقوده مدني مزراق «التائب» حاليا. ودعا «الأفغاني» الى وحدة كل الفصائل تحت قيادته وكفّر كل من خرج عن هذا الاتجاه. واعتبر المتتبعون ذلك نقلة نوعية في العمل التنظيمي للجماعات المسلحة واعتنائه بالدعاية والتحريض للضغط على السلطة وإضاعفها. ورغم أن الفترة التي قاد فيها التنظيم الارهابي كانت قصيرة إلا أنها كانت مليئة بالمآسي وارتفع عدد الاغتيالات بالعاصمة وحدها الى معدل عشرة قتلى كل يوم واتسع نطاق الاعتداء على المؤسسات العامة لاسيما المالية منها مثل البنوك ومراكز البريد. كما أمر بقتل الجالية الأجنبية المقيمة بالجزائر وكان على رأس من نظموا عملية اختطاف ثلاثة من موظفي السفارة الفرنسية في أكتوبر 1993. وفي 27 فبراير 1994 سقط جعفر الأفغاني مع عشرة من مساعديه في كمين نصبته لهم قوات الأمن بحي بوزريعة الواقع على مرتفعات العاصمة. فكانت تلك من أكبر العمليات التي حققتها قوات الأمن بالعاصمة منذاندلاع العمليات الارهابية مطلع عام 1992، ليس فقط من حيث عدد القتلى لكن أيضا منالناحية المعنوية ولقيمة هؤلاء القتلى في التنظيم. وتردد وقتها أن العملية تمت بناء على معلومات أفشاها سعيد مخلوفي للانتقام لنحو سبعين من أتباعه كان قد أبادهم جعفر الأفغاني في الخامس من نفس الشهر. مرحلة جديدة وبعد أيام من حادثة بوزريعة عينت الجماعة أفغانيا آخر لقيادتها هو قوسمي الشريف الذي كان اختياره لقيادة الجماعة من منطق قدرته على التخطيط من جهة ولأن التنظيم كان يعيش صراعات داخلية حول الزعامة والانفراد بالرأي، وقد استعان بجماعة «الجزأرة» التي كانت تشكل جناحا قائما بذاته داخل جبهة الانقاذ التي يمثلها خاصة سعيد مخلوفي المبادر بنشر كتاب «العصيان المدني» في مايو 1991 قبل الانتخابات البرلمانية الملغاة ومحمد سعيد وعبدالرزاق رجام وهما مسئولان ساميان في قيادة جبهة الانقاذ تحولا الى الجماعة الاسلامية المسلحة. وفي الوقت الذي كانت فيه المفاوضات تجري بين ممثلي الرئيس اليمين زروال وقائدي الانقاذ المسجونين عباسي مدني وعلي بن حاج تصاعدت موجة الخلاف بين التيارات والقيادات داخل الجماعة، وعلى أساس بلاغ من إحدى تلك الأقطاب تمكنت قوات الأمن من محاصرة قوسمي الشريف وقتله مع بعض ممن كانوا معه يوم 25 سبتمبر 1994، وقد وجدت في جيبه رسالة كان قد تلقاها من علي بن حاج تؤكد أن طريق الكفاح المسلح هو اللغة التي يفهمها النظام ودعا فيها الله أن ينصر من سماهم المجاهدين. وقد اعترف بن حاج بعد ذلك بأنه فعلا أرسل الى قائد الجماعة لكن «السلطات لم تحسن قراءة الخطاب لأنه كان يرمي بالأساس الى استدراج المقاتلين لتغيير وسيلة الكفاح» ولكن لا أحد يعلم حتى الآن كيف وصلت الرسالة الى الارهابي القتيل سوى أن بن حاج لم يكن وقتها في السجن العسكري بل كان في إقامة بالعاصمة تجري فيها المفاوضات وكان عدد كبير من أتباعه قد زاروه وقد يكون واحد منهم قد نقل الرسالة. نهاية الأفغان وكان مقتل قوسمي الشريف بداية لمسلسل جديد من المواجهات الداخلية فتحدثت الأخبار آنذاك عن سقوط أكثر من 200 عضو بالجماعة المسلحة في اقتتال بجبال الأربعاء والمدية والبويرة وتيارت وباتنة. حتى أن قوات الأمن أوقفت العمل بهذه المناطق وتفرغت للجهات الأخرى. وزرع هؤلاء الإرهابيون آلافا من الألغام بجبال وغابات المناطق المذكورة للفتك ببعضهم البعض. وكان ما سماه بعض المتعاطفين مع الانقاذ «الفتنة الكبرى» حين اتهم محمد السعيد بعد أيام من تعيينه على رأس الجماعة خلفا للشيعي الأفغاني وعبد الرزاق رجام مسئول الاعلام السابق في قيادة جبهة الانقاذ بالخيانة العظمى وربط علاقات مع النظام عن طريق الشيخ بن عزوز زبدة أحدالمؤسسين البارزين للجبهة ومدير نشر جريدة «المنقذ» الناطقة باسمها. وبناء على هذه التهمة صدر في حقهما حكم الإعدام ونفذ في ساعته. وتولى جمال زيتوني قيادة أركان الجماعة، لكن ما لبث أن كان بدوره ضحية التصفيات الداخلية وأعلن بيان مسئولية التنظيم عن قتله. ومع أن البيان لم يذكر أسباب إعدامه إلا أن المتتبعين ربطوا الحدث بأنباء شاعت عن علاقة جمال زيتوني بجهاز المخابرات. حتى أن بعض الأوساط ترى أن أجهزة الأمن زرعته داخل الجماعة للسيطرة عليها. الزوابري وسياسة الارض المحروقة وهكذا انفتح الباب أمام عنتر زوابري الذي كان مساعداً قريباً جداً من جمال زيتون منذ يوليو 1996 وحتى مقتله مؤخراً. وقد شهدت مرحلة زوابري تصعيدا للوضع لسببين رئيسيين أولهما خلق جميع الشروط التي من شأنها تكسير هيبة الدولة وإبراز عجزها على حماية المواطنين من خلال تكثيف التفجيرات الكبيرة بالمدن وارتكاب المذابح الجماعية في الريف. وثانيهما وقف النزيف داخل جسم الجماعة بتبني برنامج مكثف للمواجهات مع قوات الأمن والمدنيين على السواء. وقد أصدر عنتر زوابري «فتواه» المشهورة « الأوامر الأسمى في إزالة المنكرات العظمى» التي تبيح قتل جميع الجزائريين الذين لا يتعاونون مع الجماعة فكانت البداية بإصدار أمر لجميع العائلات بمقاطعة أبنائها الخدمة العسكرية الإجبارية والتحاق المطلوبين للخدمة بالجماعة لـ «الجهاد ضد الطاغوت» وحكم بالموت ليس على من يلتحقون بالثكنة فحسب ولكن بمن يحجمون على الانضمام الى الجماعة. وعمل في نفس الوقت على تعزيز القدرات الميدانية للجماعة بتطوير ورش لتركيب القنابل وتفخيخ السيارات بمنطقة أولاد علال في الضاحية الجنوبية للعاصمة الجزائر أو « تورا بورا » الجزائر وهي عبارة عن أنفاق طويلة تربط الجبال المحيطة بمجموعة من القرى التي يتردد عليها هؤلاء الإرهابيون والأودية بمنطقة المتيجة. وكانت أولاد علال هذه تحتضن ست ورشات لتركيب أدوات الموت والدمار ومنها انطلقت معظم السيارات الملغمة التي انفجرت بالعاصمة وضواحيها وخلفت آلافا بين قتلى وجرحى. وانتهجت الجماعة سياسة الأرض المحروقة والفتك بالجميع لتتجاوز تناقضاتها. لكن ذلك كان له تأثير عكسي حيث اصبح العامة يرون انهم معنيون بالصراع وأن ما يجري ليس مواجهة بين السلطة ومعارضة مسلحة كما تقدمها وسائل الاعلام الغربية ولكن بين الجزائريين بمختلف فئاتهم وجماعات احترفت الارهاب والقتل والتدمير وصارت تهدد حياة الجميع. وتحت امرة زوابري مس الارهاب والقتل والتدمير بشرف الناس فاختطفوا مئات من النساء والبنات واعتبروهن غنائم وجواري وسبايا وقد روى عدد كبير من الذين ألقت قوات الأمن الجزائرية القبض عليهم قصصا مثيرة عن طريقة التعامل مع النساء والفتيات المختطفات في المواقع التي اتخذوها مقرات وأوكار لهم بالجبال والغابات. كما نقلت بعض من تمكن منهن من الفرار صورا مريعة عن همجية هؤلاء. وحكم عنتر زوابري الجماعة الاسلامية المسلحة بيد من حديد فكان الوحيد من بين قادتها الذي صمد على رأسها أكثر من خمس سنوات. بينما لا تتجاوز مدة حكم ستة سبقوه أربع سنوات. وجرت محاولات كثيرة للإطاحة به لكن المحاولات فشلت فخرج عنه حسن حطاب بأتباعه وأسس «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» قبل ثلاث سنوات. هذا هو إذن عنتر زوابري الذي يقول عنه من عايشوه إنه يتصرف بجنون، فيما قال فيه مصطفى قرطالي قائد جيش الانقاذ بوسط الجزائر «إنه التحق بالجماعة في الجبال وبيده قنينة خمر». وهذه هي الجماعة التي حولت أشخاصا لا قيمة لهم اجتماعياً وثقافياً وإنسانياً الى دمويين يصدرون «الفتاوى» الجائرة ويحلمون بحكم الجزائر. وإذا كانت الجماعة الاسلامية المسلحة منذ ولادتها قد انتهجت طريق العنف وطبقت في عهد عنتر زوابري سياسة الأرض المحروقة فماذا ستفعل بعد مقتله. وما المفاجآت التي يحضرها خليفته للجزائريين؟ الأكيد أن هذه التنظيمات الارهابية لم تعد كما كانت وتلقت ضربات موجعة أتت على خططها وخربت شبكاتها وهي اليوم محل متابعة من كل العالم، لكنها يمكن أن تلحق أضراراً بالمدنيين وهي تمتلك من القوة ما يؤهلها لذلك وهذا ما يخشاه اهل الجزائر