بيان الاربعاء: تتسارع خطوات الوصول إلى اقرار السلام وايقاف الحرب الاهلية التي فقدت كل مبرراتها بعد ان طالت واتسعت بلا جدوى وبدون أي احتمالات لانتصار فريق على آخر وغدت مجرد استنزاف واستمرار للتوتر. واعتقد ان الحكومة هذه المرة جادة في الوصول إلى حل، بغض النظر عن الدوافع هل هي مكرهة ام راغبة؟ وهي تركز كل جهدها وسياساتها وخطابها السياسي وسلوكها العملي في اكتساب مصداقية في مجال السلام ولم تبخل بأي رصيد في سبيل انجاح عملية السلام، وتنفيذ كل الذي يمكن ان يساعد واقعياً على وقف الحرب بصورة نهائية، وكما لاحظنا فالخطوات سريعة حين نقارنها بحركة المبادرة الثنائية أو «الايجاد»، بالاضافة للانضباط في تنفيذ برامج دقيقة التوقيت ولا يتم التأجيل مهما كانت الظروف. فهي قرارات وبرامج صدرت لكي تنفذ دون مماطلة أو مناورة واضاعة وقت ثمين، ويكفي ما ضاع من وقت وجهد ومال. وهكذا تسير عملية سلام جبال النوبة كأحسن ما يكون الاتفاق وتقدم البروفة الجيدة التي يدور الحديث عن تعميمها لتشمل كل مناطق الحرب الاهلية في جنوب السودان. ويحق لجميع المواطنين ان يسعدوا بهذا الاتفاق ويعملوا على دعمه وتحسينه وتطويره، ولا يعيبه دور الحكومة أو الغرب. فهذا ليس مبرراً لمعارضة الاتفاق ولكنه يكون ناقصاً اذا لم تكمله خطوات جادة وسريعة في طريق الديمقراطية والتنمية فالاتفاق ليس مجرد اجراءات قانونية ودبلوماسية ولكن يجب ان تصحبه تحولات سياسية واقتصادية هي الضمان الحقيقي لاستمراره. يلاحظ المرء ـ عكس المتوقع تماماً ـ فقد صاحب الاسراع في السلام، تباطؤ في عملية الدمقرطية يظهر جلياً على مستويين: اللقاءات السياسية مع المعارضة، وعلى مستوى استمرار القوانين الاستثنائية والتضييق المستمر. ونخشى ان تحاول الانقاذ الاهتمام بالسلام على حساب الديمقراطية، وتعتبر ان ضجيج اتفاقية السلام قد لا يجعل الناس يسمعون مطالب الاهتمام بالديمقراطية. وحتى بالنسبة للغرب الذي يرعى عملية السلام قد تخطيء الانقاذ حين يظن ان الاولوية لديه للسلام، لذلك قد يغض الطرف عن قصور عملية الدمقرطة والحل السلمي الشامل للازمة ككل وليس مجرد الحرب الاهلية. والاخطر من ذلك ان تظن الانقاذ ـ كما يظهر في كتابات بعض انصارها ـ ان الغرب نفسه تنازل عن الديمقراطية بسبب حربه على الإرهاب من خلال تفعيل قوانين الطواريء والقيام باجراءات غير عادية. لذلك لن تعرف تلك الدول صوتها محتجاً لو حدثت تجاوزات في السودان. يقعدنا جمود الموقف على جبهة الديمقراطية والوفاق القومي الهادف إلى العودة إلى التعددية وقبول الآخر، إلى سؤال مهم: هل حدث تغيير حقيقي ايديولوجي وسلوكي عند الانقاذ يجعلها تقبل بالديمقراطية وبالتالي على الوفاق على أسس قومية ترفض الاقصاء؟ وفي البداية، ما هي الايديولوجيا أو الأسس الفكرية التي تستند عليها الانقاذ منذ انقسام الجبهة الاسلامية في رمضان 1999: إلى حزب المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي؟ يمكن القول بأن الانقسام كان تنظيمياً ولم يكن فكرياً، بمعنى ان المؤتمر الوطني الحاكم قد ورث نفس الافكار مع غياب الاب الروحي ونتج عن ذلك اختلاف في الدرجة والطريقة فقط وبقى مضمون الافكار ومن أهم هذه الافكار مفهوم التمكين للاسلاميين في الدولة والمجتمع، والتمكين لا يعني بالضرورة الديمقراطية ومشاركة الآخرين بل يعني وجود دولة نقية اسلامياً قد تستعين بآخرين كمنفذين ولكن ليس كمشرعين أو مخططين. وهذه هي صورة الحكومة الحالية والمحتملة في حالة دخول عناصر جديدة ولمسنا في د. احمد بلال ود. عصام احمد البشير، ود. جلال الدقير اسوة. ومن يقرأ جيداً ما بين سطور خطابات وتصريحات الحكام الاصليين يجد هذا التصور والمخطط واضحاً في الكلمات والعبارات جيدة الصياغة وكثيراً ما يتكرر حديث كنا نظن ان زمانه قد فات، ويأتي الآن ليس كدليل على زلات لسان ذات ابعاد فرويدية فقط تحن للماضي أو تكشف عن عقل باطني. ولكنه حديث أو فكر ما زال حياً في عقول كثير من الانقاذيين، ومشكلتهم الوحيدة كيف يثبتون عليه دون ان يثيروا خوف وحفيظة الآخرين. اكتفت الحركة الإسلاموية الحاكمة منذ 30 يونيو 1989 بالقاء اللوم على الشيخ حسن الترابي والمؤتمر الشعبي فيما يخص كل التجاوزات غير الديمقراطية ولم تقدم نقداً ذاتياً حقيقياً لعدم ديمقراطيتها خلال السنوات الأولى. والنقد الذاتي لا يعني ـ كما نظن دائماً ـ ادانة الماضي بل الهدف من هذا نفسه تحديد معالم المستقبل أي القول لقد فعلت كذا وكذا وكان خطأ كبيراً وسوف أفعل غداً كذا كذا. وقد يبدأ فعلاً بعمل ما هو جديد ومختلف. هذا ما لم يحدث للانقاذ حتى اليوم، فالانقاذ مستمرة بكثير من شحصيات وسياسات تلك الحقبة سيئة الذكر. هذا لا يعني عدم حدوث تغييرات ولكنها أقل من التوقعات كثيراً. والاهم من ذلك انها غير واضحة الأسس الفكرية والقناعات، لان الاجابة على سؤال: هل انتم ديمقراطيون وهل الديمقراطية أولوية ومبدأ لديكم؟ غير محددة وغير مجمع عليها؟. ظني القديم هو ان مجموعة الإسلامويين التي قامت بانقلاب يونيو هي الأقل ايماناً بالديمقراطية داخل الحركة نفسها لذلك كانت حكومتها دولة اموية وليست خلافة راشدة. فقد نشأت السلطة كحكم عضوض لا يعرف الرحمة ولا الاحسان ولا العدل. كانت محنة الانقسام فرصة جيدة لكي تراجع الحركة نفسها ولكن شهوة السلطة بأي ثمن اعمت قلبها عن التجديد. وقد يكون الاعتراف بالخطأ من اصعب الامور على النفس الا من رحم ربك. لذلك انتقلت البلاد إلى مرحلة جديدة ورفضت عناصر اموية داخل النظام وهي ذات نفوذ الا ان تستمر الحالة في جوهرها كما هي. والفترة الاخيرة ـ لمن يتأملها ـ هي منزلة بين المنزلتين ليست ديمقراطية وليست دكتاتوريه. فالانقاذ تعي تماماً ان المعارضة الحزبية ضعيفة رغم ان المعارضة الشعبية غير المنظمة كاسحة ولكنها لا تمثل أي خطر ماثل. كما ان الانقاذ تعرف كيف وصلت إلى السلطة وكيف استمرت فوق التوقعات حتى الآن. والانقاذ تحتفظ بوسائل ترى انها فعالة في استمرارها رغماً عن انف الجميع. يقال في التاريخ ان معاوية خطب بعد تمام البيعة قائلاً: «اما بعد فاني ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي ولكن جالدتكم بسيفي هذا مجالدة. فسلكت بها طريقاً لي ولكم فيه منفعة: مواكلة حسنة ومشاربة جميلة، فان لم تجدوني خيركم فاني خير لكم ولاية «ويقال سار الخلفاء الامويون من بعده على هذا النهج وقد تجاوزت الدولة كثيراً من الاخطار رغم عدم قبولها وشرعيتها. يتوقع الناس من صاحب السلطة العاقل الا يغره الصمت ولا حتى ضعف مخالفيه ولكن حكمة الحكم تفرض عليه ان يبحث دائماً عن مزيد من القبول والشرعية. وهذه فرصة للرئيس البشير ومن يختاروا طريق الديمقراطية ان يتجهوا نحوها بنفس الروح التي دخلوا بها عملية السلام. ومن أول شروط الدمقرطة ليس السماح بحرية التعبير او التنظيم ـ في هذه الفترة بالذات ـ هو وجود حساسية تجاه النقد بين المسئولين، فهذه الصهينة والجلود التخينة لا تفيد في التفاعل والمحاورة والنقاش. كذلك جدية الحوار بين المخالفين والمختلفين بقصد اظهار الخلاف أولاً ثم الاتفاق بعد ذلك. ولكن الانقاذ تفضل الحوار مع من يتفقون معها بقدر ما ولا تريد سماع من يبكيها أو ينبهها لعوجة رقبتها. وهذا حوار منافق ولا يخدم الديمقراطية بأي حال من الاحوال. هذا هو المطلوب مرحلياً. التجاوب والاستجابة للنقد ثم الحوار الجاد وغير المريح. يكذب من يقول ان المناخ العام ديمقراطي، فالمواطنون يعيشون حالة: كتلوك ولا جوك. فهم مهددون باستمرار بفقدان هذا البصيص من الرؤية الحرة، والاحساس بالمراقبة والمتابعة وأصبح كل مواطن يحمل في داخله جهاز امنه ورقابته الذاتية التي تحد قدرته على ممارسة الحرية وان يشعر بذلك الاحساس. اتمنى ان تكون الانقاذ قد اقتنعت بضرورة الحرية والديمقراطية، خاصة وان السلام وايقاف الحرب يسقطان مبررات التشدد وضرورة تأمين البلاد. فالآن الطواريء مبررها خطر الحرب الا يسقط هذا المبرر مع وقف الحرب؟ لقد دأبت النظم العربية على اسكات الأصوات تحت شعار: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. ولكن حين تسكت المدافع لابد ان ينطلق صوت الحرية.