بيان الاربعاء: ما ان انتهى الوزير الإسرائيلي المتطرف بن آلون من تصريحه حول ضرورة «الترانسفير» للعرب الفلسطينيين صوب الأردن، وغير الأردن اذا شاءوا، حتى ثارت ردود فعل غاضبة احدثت نوعاً من الخوف، من امكانات حدوث مثل هذا «الطرد والاقتلاع من الجذور» الذي يسمونه «نقل» ترجمة لكلمة «الترانسفير» وذلك لتخفيف وقع هذا العمل الاجرامي في عالم حقوق الإنسان عالمنا المعاصر عالم الجيل الثالث من اجيال حقوق البشر على هذا الكوكب بعد جيلي الحرية، والمساواة. لا ادعو لاهمال خطورة مثل هذه التوجهات في اوساط القوى الاكثر تطرفاً في المجتمع الإسرائيلي والمرشحة للصعود أو الهبوط حسب تطورات الامور وحسب السياسات الفلسطينية والعربية. ولكنني ادعو للابتعاد عن الهلع وذلك بوضع الامور في حجمها الطبيعي وسياقها الموضوعي، اخذاً بعين الاعتبار الحقائق التالية، دون افراط في التفاؤل، أو تفريط في التشاؤم. من هذه الحقائق التي ادعو للتأمل فيها، ان دعاة «الترانسفير» صوب الاردن مازالوا اقلية حتى داخل «الاتحاد الوطني» الحزب الاكثر تطرفاً في اسرائيل. انهم اقلية داخل «الاقلية»، ذلك ان الاغلبية داخل هذه «الاقلية» تركز جهودها على «ترانسفير آخر» وهو نقل أي طرد العرب الفلسطينيين داخل إسرائيل «1.3 مليون» نحو اهلهم في الضفة الغربية. انهم في نظر «اليمين المتطرف» قنبلة موقوتة وطابور خامس يجب سحب كل حقوقهم السياسية على الفور، وقد بالغوا في تصريحات رئيس «الشاباك» آفي ديختر حول اكتشاف سبع وعشرين خلية داخل هؤلاء العرب تعمل مع المنظمات الفلسطينية المسلحة. لهذا رفعوا شعارات ضخمة في كل مفارق الطرق داخل إسرائيل مكتوب عليها: «لاعرب، لا عمليات». ووثيقة هرتسليا «التي تمثل خلاصة الرؤية المستقبلية لرجال الفكر والسياسة، من مختلف التوجهات، في إسرائيل لدولتهم حتى عام 2025م تركز على المخاطر الديموغرافية لهؤلاء العرب المنزرعين في حلوقهم وسط الجليل والمثلث والنقب، ولكنها لاتتحدث بحرف واحد عن «هلوسات» بن آلون بطرد الفلسطينيين من الضفة الغربية. ومن هذه الحقائق ان العالم بأسره يتحدث اليوم، بمن في ذلك شارون، عن دولة فلسطينية على اراض في الضفة والقطاع، مع وجود خلافات جوهرية حول حدود هذه الدولة ومدى سيادتها. نحن في عصر انتصار الوطنيات في عالمنا المعاصر، بعد سقوط الانظمة الشمولية، و«الوطنية الفلسطينية» لن تكون استثناء، رغم اخطاء السياسات المغامرة التي قد تطيل امد المعاناة، وتبعد لبعض الوقت، امكانات ولادة دولة فلسطينية مستقلة، لكنها آتية لا ريب فيها. في السنوات التي اعقبت اتفاق اوسلو وتحديداً بين اعوام 1994 ـ 1999م، دخل الضفة الغربية للاقامة النهائية وإلى الابد، 234 ألف انسان فلسطيني وهو اكبر مؤشر ايجابي منذ عام 1948م، رغم كل ما يمكن قوله من البعض حول اوسلو واخطائها وخطاياها، وذلك حسب الاحصاءات الرسمية للجسور الاردنية، وكما نشرتها الصحف الاردنية، وفي شهور الانتفاضة، وحسب الاحصاءات المنشورة في الصحف الاردنية أيضاً، فان ارقام القادمين والمغادرين عبر جسر الملك حسين «جسر اللنبي أو الكرامة حسب التسمية الفلسطينية»، لا تشير لأية هجرة أو هروب من الوطن الفلسطيني، والأردن قبر فكرة «الوطن البديل» أيضاً حين وقع اتفاق السلام مع إسرائيل، وكان ذلك هدفاً رئيسياً لمعاهدة السلام وقال رئيس الوزراء الاسبق د. عبدالسلام المجالي لحظة التوقيع: «اليوم قبرنا الوطن البديل» وكان على حق. اذ اعترفت إسرائيل بالحدود النهائية للأردن، ونص أحد بنود المعاهدة على عدم جواز قيام أي طرف بتهجير سكاني لأراضي الطرف الآخر. واستقرار الأردن مطلوب من كل صانعي القرار في عواصم الدول الكبرى فهو «الدولة المفتاح» حسب تعبير سمو الأمير الحسن بن طلال وهو بلد «الوسطية والاعتدال» في منطقة تعج بالتطرف وتزدحم بالاحتمالات وربما المفاجآت. والقادة الإسرائيليون من امثال نتانياهو الذين نادوا باقامة دولة فلسطينية في الأردن، حسب كتابه «مكان لأمة» الصادر بالانجليزية عام 1995م، تراجعوا حين صعدوا للسلطة ورأوا استحالة تطبيق «تلك الشعوذات» واقام بيبي في عهده علاقات وثيقة مع الأردن واستجاب لنداءات المرحوم الحسين بن طلال في «اتفاق الخليل» و«اتفاق واي ريفر» وشارون الذي صوت ضد معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، لم يتعرض بحرف واحد «للترانسفير» ويحاول اقامة علاقات وثيقة مع الأردن، قدر الامكان، والمبعوثون منه صوب عمان يؤكدون الحرص على استقرار الأردن، بعبارات واضحات. لم يلفت الانتباه في صحافتنا العربية خبر مهم وهو تقرير وزارة الداخلية الإسرائيلية وأجهزة اخرى، بوجود 144 ألف فلسطيني، بعضهم قادمون من الأردن، داخل إسرائيل حيث تزوجوا من فتيات فلسطينيات يحملن الجنسية الإسرائيلية وحصل الكثير منهم على هذه «الجنسية» والآخرون على الطريق، بموجب القانون. صرخ شارون في الكنيست تعليقاً على هذه المعطيات: انهم يمارسون حق العودة فعليا، دون ضجيج، ومن خلال غرف النوم. اين اذن يتجه سهم التاريخ والمستقبل؟ نحو العودة للوطن، أم مغادرته، ولماذا الضجة من حكاية «الترانسفير»؟.