1ـ من المهم ان لا نسارع بالتهليل للولايات المتحدة لانها ابلغت شارون بأنها لا تنوي قطع علاقاتها مع السلطة الفلسطينية، وان نعتبر ذلك تحولا ايجابيا في الموقف الامريكي الممتد منذ بداية ولاية الادارة الحالية، ومطلع الخروج من نفق المحنة التي نمر بها منذ فترة. فهذا الموقف لا يمثل تحولا في سياسة الادارة الامريكية الحالية، ويجدر ان لايتوقع منه ان يؤثر على موقف شارون وحكومته الواضح والمعلن تجاه الرئيس الفلسطيني. فالاعلان الامريكي في اعقاب المباحثات مع شارون المرحب به رسميا في واشنطن للمرة الرابعة خلال عام اعلان باهت يأتي لاغراض مراعاة امريكية لاعتبارات عربية واهنة من ناحية، وخطوة امريكية مطلوبة للاستعدادات الجارية لشن المرحلة الثانية مما يسمى «الحرب على الارهاب» والتي يرجح ان تطال العراق. وهذا الاعلان باهت لانه لا يترجم النية الامريكية بعدم قطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية بطلب أمريكي من الحكومة الاسرائيلية بضرورة فك الحصار عن الرئيس الفلسطيني، بل في مضمونه ان الضغط الامريكي على عرفات سيستمر، الامر الذي يعطي للاسرائيليين اشارة واضحة على الموافقة الامريكية الضمنية لاستمرار حصار الرئيس الفلسطيني وفتح قنوات اتصالات رسمية، اسرائيلية وامريكية مع اخرين من حوله. 2 ـ يجدر الانتباه إذن الى ان المحاولة الاسرائيلية المعلنة لاقصاء عرفات سياسيا، وليس بالضرورة جسديا، من خلال فرض الحصار عليه وعدم محاورته المباشرة سياسيا، بل من خلال فتح قنوات اتصال مع اخرين (حتى وان تمت هذه الاتصالات بموافقته) مستمرة ومتصاعدة، وتجري بموافقة امريكية (بالاضافة الى جهات اخرى واضحة) مبطنة ولكن جلية. كما يجدر التنويه الى ان الردود الفلسطينية التي تحاول التصدي لهذه المحاولة الاسرائيلية المسنودة خارجيا تبقى ردودا تقليدية، وتأتي هي ايضا باهتة الاثر. فالخروج في تظاهرات تنديد واستنكار والقيام بارسال وفود تضامن مع الرئيس في مقر اقامته المحاصر، يمكن ان ينظر لها خارجيا على انهاء اعمال منظمة ومفبركة، ولا تعكس صدى الرأي العام الفلسطيني بشكل حقيقي. وبالتالي فان الرد الفلسطيني يجب ان يكون مختلفا، ياتي واضحا يقطع الشك ويغلق موضوع الازاحة نهائيا. وفي هذا السياق لا يكفي ان يقال: ان الرئيس الفلسطيني منتخب من الشعب الفلسطيني. فالانتخابات ليست اجراء ازليا يتم لمرة واحدة فقط وتبقى نتيجته ابدية. بل ان اهمية الانتخابات تكمن في دوريتها واجرائها بمواعيد منظمة. 3 ـ يجب علينا الاعتراف بأن الوضع الفلسطيني الداخلي (علاقات ونسيجا مجتمعيا) يمر بأزمة حقيقية وخانقة. وعدم التستر على ذلك من خلال ايجاد الذرائع بأنها حوادث متفرقة (كالذي حدث في رام الله او جنين) او مفتعلة من قبل العملاء والمدسوسين. فحادث واحد يمكن ان يكون مؤسفا، اما تكرار الحوادث فلا يمكن الا ان يكون مقلقا. وهذا التكرار ان دل على شيء فانه يدل على حالة من الاحتقان المنتشرة داخل الاوساط الفلسطينية. فالانتفاضة يجب الا تعني الفوضى وغياب الامن والامان للمواطن. وفي هذا المجال لن يفيد التذرع بالمحنة المفروضة علينا خارجيا لتبرير ما يحدث من انتهاكات لنا من داخلنا واما ما هو اهم من الانتهاكات التي يمارسها المواطنون على بعضهم بعضا فيتمثل بعدم تدخل السلطة بشكل نظامي لفرض الالتزام بسيادة القانون واشاعة الامن الداخلي بين الفلسطينيين، وهي امور على غاية الاهمية من اجل استمرار القدرة الذاتية على مواجهة المحنة الخارجية التي تمثلها الحرب الاسرائيلية علينا. ان الوضع الحالي يتفكك الى مكوناته البدائية، والتذمر وان كان مستترا فانه قوي وجامح، ويجب ان يجد له وسائل للمعالجة الجدية، ويبدو جليا ان المعالجة عن طريق اتباع اسلوب ادارة الازمات ازمة ازمة لن يدوم طويلا. باختصار ووضوح شديدين فان المواجهة الناجحة لما تقدم من نقاط جوهرية تتطلب منا تنظيم انتخابات عامة رئاسية وتشريعية، وبأسرع ما تمكنه الضرورات اللوجيتية اللازمة لعقدها. فهذه الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة والناجعة والمفهومة عالميا التي ستقطع بالتأكيد الشك باليقين امام جميع المستهدفين للرئيس الفلسطيني، الذي لاينازعه داخلياً في استمرار قيادة الشعب الفلسطيني احد، والذي سيحصد في أي وقت تجري فيه الانتخابات نسبة تأييد مرتفعة ومريحة. ولكن هذه الانتخابات ضرورية ايضا لكونها ستسمح بتفعيل الحياة السياسية الفلسطينية المتكلسة حاليا، وستضخ فاعلية ونشاطا وحيوية داخل الاوساط المجتمعية، وستكون وسيلة حيوية لاعادة الثقة الداخلية الفلسطينية والقدرة الذاتية على قلب الاوضاع الداخلية السلبية ومعالجة شوائبها قبل ان تستفحل. بالتأكيد توجد معارضة فلسطينية لاجراء هذه الانتخابات وبصراحة تامة فان اقوى معارضة لها ستأتي داخل اوساط من تم انتخابهم اول مرة لعضوية المجلس التشريعي، مضافا اليهم من يريد الترشح للانتخابات من اوساط «السلطة» ويعتبر ان الوقت والوضع غير مواتيين لنجاحه سيتذرع هؤلاء بمعاذير عديدة، منها: الاحتماء خلف الرئيس عرفات، الذي سيقال عنه انه ليس بحاجة الى انتخاب جديد، والتشديد على ضرورة عدم الرضوخ للمطالب الخارجية التي تتجه نحو ضرورة اجراء انتخابات فلسطينية، والادعاء بأن الاوضاع التي تفرضها اسرائيل على الشعب الفلسطيني لن تسمح باجراء الانتخابات، والتاكيد على ان المتشددين من «رافضي السلام» سوف يستولون على المجلس التشريعي الفلسطيني، ما يؤدي الى تعقيد الاوضاع للفلسطينيين على الساحة الدولية. اعتقد ان جميع هذه المعاذير واهية، وفي الحقيقة مضرة، بالوضع الفلسطيني خارجيا وداخليا. ولتفنيدها لا يحتاج المحلل سوى التأكيد على ان الرئيس الفلسطيني سينجح دون ادنى شك في اية انتخابات مقبلة، وهو محتاج لها لانهاء الحصار ليس المضروب على مقره فحسب، وانما على الصعيدين الخارجي والداخلي ان دعا الرئيس الفلسطيني لأداء انتخابات عامة وهي تصر على ابقاء الحصار والحواجز المقسمة للارض الفلسطينية الى «كانتونات» فالعالم لن يقبل بتعطيل آلية من اهم آليات الفعل السياسي الديمقراطي، وستبدأ الضغوط تمارس على اسرائيل بشكل جدي لانهاء هذه الحصارات، كما ان القيادة الفلسطينية ستسلح بتفويض فلسطيني جديد سيعطيها القوة والمنعة امام جميع المستهدفين الخارجيين. اما بالنسبة للتعقيد الذي سينجم عن نجاح رافضي السلام في الانتخابات، فمشاركتهم فيها ليست مضمونة اصلا، بل ان الدعوة لاجراء انتخابات ستضعهم امام اختبار صعب، عليهم من اجله اتخاذ قرار على غاية الاهمية، كما انهم الان هم خارج المجلس التشريعي يمارسون ما يمكن الاشارة اليه بأنه يعقد الاوضاع الفلسطينية على الساحة الداخلية. الامر الوحيد، الذي يمكن لمعارضي اجراء الانتخابات المذكورين ان يكونوا على حق فيه ضمان نجاح الكثيرين منهم ان جرت مثل هذه الانتخابات لهذا السبب بالتحديد يجب ان تجرى الانتخابات. ففي هذه النقطة بالذات تحتاج البلاد بشكل ماس للتغيير.