أكد الدكتور عبدالحق برارحي وزير التعليم والبحث العلمي والنائب البرلماني الجزائري السابق ان الانتخابات البرلمانية المقبلة تشكل خطراً على وحدة الجزائر نظراً لاصرار القبائل على مقاطعتها. وقال برارحي الذي يرأس في الوقت ذاته لجنة المواطنين للدفاع عن الجمهورية في الجزائر في حوار مع «البيان» ان حل الأزمة في البلاد يتطلب الشروع في مرحلة انتقالية تقود فيها حكومة وحدة وطنية زمام الأمور لتجاوز الصعاب الموجودة. ودعا برارحي المؤسسة العسكرية إلى التخلي عن الانانية والذاتية وتتوجه لتوفير فرص ايجاد البدائل للوضع الحالي المتأزم. وفيما يلي نص الحوار: ـ شهدت مختلف جهات الجزائر في الأشهر الأخيرة اضطرابات خلقت ما يشبه الفوضى العامة في البلاد. بم تفسرون ذلك؟ ـ في الحقيقة لا يمكن أن نتعرض لموضوع الاضطرابات هكذا بمعزل عن المسار العام للجزائر. فهي نتاج عملية تراكمية بدأت بانطلاقة النظام على أرضية غير صحيحة مع فجر الاستقلال عام 1962م. بحيث فقدت القيادة الطاقة التي تستمد منها قوتها وهي دعم الشعب. وكان الانقلاب الذي توج مؤتمر طرابلس لقيادة الثورة مؤشرا لأزمة عميقة ستطول وهي التي تستمر حتى اليوم. والآن نحن في أزمة عميقة عششت في مختلف مناحي الحياة. فهي سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية.. وفي المدة الأخيرة وبعد انفجار المجتمع المدني بمنطقة القبائل اندلعت مظاهرات وأعمال عنف وتخريب في عدد من المناطق الأخرى في الجهات الأربع للبلاد قام بها شباب فقد الأمل في السلطة وفي النظام كله. وقد حاولت مختلف الأطراف والاتجاهات إعطاء تفسيرات انطلاقا من الجهة التي وقعت فيها أو الشريحة الاجتماعية الغالبة فيها أوالشعارات الظرفية الطاغية عليها. وفي تقديري فإن جميع التفسيرات تظل سطحية مالم تنطلق من المسار العام لتطور الجزائر دولة ومجتمعا. وأعتقد من جهتي أن هذه الأحداث تعكس القطيعة القائمة بين المواطن والسلطة. فعندما يفقد الناس الأمل يصبح من غير الممكن إعادة الأمور إلى نصابها إلا بإحداث تغيير شامل وكامل وقطيعة كلية مع النظام السابق. بمعنى أن الوضع وصل من التدهور درجة يستحيل معها تصور الاستقرار في ظل النظام السياسي القائم لذلك فان التغيير الجذري هو البديل الوحيد للأزمة والوسيلة الوحيدة التي تسمح بإعادة تأسيس الدولة وبداية الانطلاقة الجديدة. فالأزمة في الجزائر ليست أزمة شخص.. ليست أزمة بوتفليقة أو فلان أو علان، هي أزمة نظام وقد ظهرت في السنوات الأخيرة أكثر لأن اختيارات هذا الرجل وهو في قمة هرم السلطة أظهرت العيوب الكبرى ومنها الاستعمال المكثف للديماغوجية والشعبوية والتضليل، وهذه الأمور بينت أن النظام بلغ حدوده. حلف غامض ـ وكيف تتصورون إعادة تأسيس الدولة الجزائرية؟ ـ النظام كما هو اليوم يسير على نفس المنهج الذي ولد الأزمة. فمثلا مع اقتراب الانتخابات البرلمانية تحرك بنفس الطريقة المعتاد ويستعمل ذات الوسائل التي كان يحركها في كل مرة استعدادا لمواعيد مماثلة، وكأن الأمور عادية جدا وهادئة في البلاد هو الآن يحضر لقيام حلف غامض بين التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير وهما في الحقيقة أسرة واحدة ومن طينة واحدة. وكان التحالف في السنوات الماضية بين الجناح المحافظ في السلطة والاسلاميين واليوم يبدو أن الوقت قد آن للاستغناء عن خدمات هؤلاء الاسلاميين وتعزيز التلاحم بين الحزبين المذكورين. وإذا تساءلنا : لماذا تستمر هذه الأزمة؟ يكون الجواب الواضح والبسيط هو أن النظام بقي يسير نفسه بنفس الآليات التي انطلق بها عام 1962 وبنفس العقلية ويحمل بالتالي نفس التناقضات. فماذا يوجد اليوم سياسيا في الميدان؟ هناك جبهة التحرير الوطني وهي تنظيم حكم البلاد منذ الاستقلال وقاد الى الأزمة ولم يبق له أي مصداقية عند الشعب. وهناك التجمع الديمقراطي وهو حزب إداري خلق في ظروف استثنائية بغرض السيطرة على الحكم وإنقاذ الحكام. أما الأحزاب الاسلامية فقدفشلت فشلا كبيرا وسيتواصل فشلها خاصة بعدما ضغطت عليها أحداث 11 سبتمبر في نيويورك و واشنطن، وهي اليوم تبحث فقط عن موطئ قدم في أجهزة السلطة. ويبقى الطرف الرابع في المعادلة وهو الديمقراطيون وهم مشتتون الى شيع وتعيش بداخلهم حرب زعامات. مرحلة انتقالية ـ وما الحل في رأيكم وسط هذه الضبابية؟ ـ ليس هناك حل سحري. الحل هو أن تتجرد دوائر القرار من أنانيتها وأن تدرك جيدا أن الوضع لا يمكن أن يستمر على هذا النحو. وأن تشرع في مرحلة انتقالية حقيقية تختلف عن سابقاتها. فقد حاولوا مع محمد بوضياف وفشلوا ثم كرروا الفشل مع اليمين زروال وأصحاب الحل والربط في الحكم يحصدون اليوم أكبر الفشل مع عبد العزيز بوتفليقة. لابد إذن من مقاربة أخرى لأمور والدخول في مرحلة انتقالية حقيقية،وقد طرحنا نحن هذا المسعى في عدة مناسبات ونعمل على توسيع دائرة المقتنعين به كشرط للتقدم باتجاه تجاوز الأزمة. ونرى هذه المرحلة الانتقالية في حكومة وحدة وطنية قوية ذات توجه جمهوري حقيقي تتكفل بالمشاكل العاجلة للشعب وتعيد له القدرة على الاهتمام بالمسائل الكبرى بتوفير حاجاته الأساسية أولا. فالحديث اليوم عن حقوق الإنسان ودولة القانون وكم هائل من الشعارات التي توزع كل يوم لا يجدي فالمواطن يريد بالدرجة الأولى توفير الخبز والشغل والسكن والدراسة للأولاد. هذه هي الأساسيات التي يسمح توفيرها بترقية الناس للتفكير في مسائل أخرى سياسية وفكرية تجعلهم يشاركون بوعي في بناء دولة قوية هم جزء منها ويذودون عنها بوعي أيضا. وبعد التكفل بهذه المسائل يتجه الاهتمام لبناء المجتمع السياسي على أسس سليمة وعلى قيم الجمهورية العصرية المتقدمة والمتفتحة على العالم. وعند هذا تحدث القطيعة المزدوجة الضرورية للتقدم. أولا القطيعة مع النظام القديم الذي عششت في ظله الأزمة وغذاها وثانيا قطيعة مع نهج استغلال الدين الحنيف لأغراض سياسية، بمعنى إحداث قطيعة بين السياسة و الأصولية. وأذكر هنا أن التاريخ لم يعطنا مثالا واحدا لتجربة ديمقراطية ناجحة ارتبطت فيها السياسة بالدين فكلاهما عالم قائم بذاته وعدم الخلط بينهما هو حماية لكل منهما. وفي تقديري لا يمكن للديمقراطية في الجزائر أن تنجح وتصبح واقعا حيا بدون حدوث هذه القطيعة المزدوجة. المؤسسة العسكرية ـ تحدثتم عن «دوائر القرار» فما هي؟ ـ الأمر واضح إنها المؤسسة العسكرية وأنا أعني هذا وليس أي طرف آخر. وكما أسلفت فإن المطلوب من قيادة هذه المؤسسة أن تتخلى عن أشيائها الذاتية وأنانيتها وتتوجه الى توفير فرص إيجاد البدائل للوضع الحالي المتأزم وكما قلت سابقا بالانطلاق في مرحلة انتقالية مدروسة. فالخطر هو امر يفرض التغيير بغضب الشارع.. هذا أمرخطير جدا لأنه لن يترك المجال للعمل الجدي المبني على العقلانية. ربما كانت السلطة غير واعية بانه من الممكن أن يكون الشارع هو الفاصل أو غير مقدرة للعواقب لكن أكرر بأنه أمر خطير للغاية ولا يمكن تصور ما ستؤول إليه الأوضاع في هذه الحالة. الأكيد أنها ستكون اسوأ و أخطر بكثير من الأحداث التي عرفتها البلاد في أكتوبر 1988 و مايو/ يونيو 1991 بل أقول أن التمادي في السياسة الحالية يمكن أن تصل بنا إلى وضع أخطر من الذي تعيشه الأرجنتين حاليا. إن السلطة تعتقد أن تنظيم انتخابات برلمانية جديدة سيمنحها فرصة إضافية للبقاء خمس سنوات أخرى لكن هذا خطأ قاتل وينم عن قصور وغياب منطق بناء الدولة. ـ تحدثتم عن ضرورة إعلان مرحلة انتقالية وربطتم ذلك بالمؤسسة العسكرية هل تقصدون استنساخ التجربة البولندية مع الجنرال ياروزيلسكي؟ ـ طرحت ما أراه بداية للحل. ولا يهم إن كان ذلك استنساخا لتجربة في مكان ما المهم يجري تشريح لوضع معقد نعيشه في الجزائر ميزه تكرار التجارب الخاطئة. فالمرحلة الانتقالية بالموصفات التي ذكرتها أراها بداية بل شرطا للسير نحو الاستقرار أما مكانة المؤسسة العسكرية فإنها التي تتحكم في الوضع الآن وهي المسئولة عن فسح المجال أمام تحقيق هذا التحول. أحزاب فاشلة ـ الانتخابات البرلمانية المتوقعة لشهر مايو المقبل إذن ترونها غير مجدية ؟ ـ لا أقول فقط إنها غير مجدية بل هي خطيرة، هي إضافة في هذا التراكم الكبير من الأخطاء والتناقضات الممتد على أربعين عاما. هي استمرار في سياسة الهروب إلى الأمام ونفس الشيء بالنسبة للانتخابات الرئاسية. والنظام هكذا يجتر أخطاء هو تناقضاته وأزماته ويعيد صياغتها في كل مرة. ويبقى المجتمع في نفس المآسي. الانتخابات إذن لن تغير شيئا. فقد قيل الكثير قبل انتخاب بوتفليقة عام 1999 عن تجاوز الأزمة وإنهاء العنف وإنعاش الاقتصاد وإعادة الجزائر الى موقعها وتنشيط دورها الإقليمي والدولي لكن لاشيء تحقق من كل هذا، وحتى لو اختارت دوائر القرار حينذاك شخصا أقدر من عبد العزيز بوتفليقة ستكون النتيجة هي نفسها ربما مع اختلاف طفيف في ظهور حدة التناقضات. ونلاحظ اليوم أن الجميع فشل، فشلت الحكومات المتعاقبة في الوفاء بوعودها وتجسيد برامج صممتها هي بنفسها وفشلت الأحزاب بمختلف تياراتها. لقد كان انطلاق التعددية عام 1989 خاطئا تماما مثل انطلاق الدولة الجزائرية عام 1962 ولا غرابة اليوم في أن يكره الناس هذه الأحزاب مثلما هو حاقد على المؤسسات الرسمية ولا غرابة أن يحكم الجزائريون على أن كل ما يجري مجرد ألاعيب. فمثلا ستشاهدون هذه الأيام تلك الأحزاب الصغيرة التي لا تنشط الا وقت الحملات الانتخابية لأداء أدوار للنظام القائم. ستتحرك تلك الأحزاب المجهرية هذه الأيام وستشارك في لجنة الانتخابات لخلق ميزان قوى يسمح للحكم بتمرير أساليبه وإجراء الانتخابات على مقاسه، وسترون كيف تواجه هذه الأحزاب الصغيرة قوى معارضة في تلك اللجنة التي تتساوى فيها الأصوات. سبق أن قلت أن التعددية انطلقت على قاعدة خاطئة، فتأسيس عشرات من الأحزاب بلا قاعدة شعبية ولاوزن فكري هو عبارة عن تلغيم الديمقراطية. واليوم أقول أن هذه المجموعات التي كان دورها هو مواجهة جبهة الإنقاذ أو القوى الاشتراكية أو التيارات الفكرية المؤثرة في المجتمع انتهى دورها بعد هذه التحولات الهائلة محليا ودوليا، ويجب في تقديري أن تدخل في رواقها الطبيعي. خطر متفجر ـ قبل شهر من دعوة الرئيس بوتفليقة الهيئة الانتخابية، يقول القبائل إنهم لن يسمحوا بإجراء الانتخابات في منطقتهم بم تعلقون ؟ ـ سبق أن قلت إن الانتخابات المقبلة تشكل خطرا على البلاد.. فالوضع متفجر بالقبائل ولا يمكن إيجاد تسوية لمشكل اللغة و وضعية الدرك الوطني وبقية المسائل الأخرى في هذا الظرف القصير. والإصرار على إجراء الانتخابات يؤدي الى المواجهة ورفع حدة التوتر في منطقة القبائل أثناء التحضير وفي يوم الاقتراع. بمعنى دفع المحتجين إلى مزيد من التطرف. وإذا جرت الانتخابات في باقي البلاد ولم تجر في القبائل فهذا تكريس لنهج الانفصال الذي تدعو إليه بعض الأطراف. وحتى بعض الأحزاب الديمقراطية التي لها وزن كبير بالقبائل كجبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية لم تقرر بعد المشاركة من عدمها بسبب الغموض السائد. وأعتقد أن الفرصة جاءت ليجمع الديمقراطيون كلمتهم بمقاطعة الانتخابات وترك ممثلي النظام يتوجهون إليها بمفردهم مع الأحزاب الإسلامية التي تقبل حتى التحالف مع السلطة ولو بثمن بخس. ومشاركة الديمقراطيين لن تكون في الحقيقة أكثر من تزيين واجهة مسار مزور مسبقا. ـ تفضلتم بملاحظات بشأن طبيعة السلطة ودور الأحزاب وخطورة الوضع الاجتماعي والسياسي لكن الرئيس بوتفليقة أعلن شهر أبريل الماضي عن برنامج الإصلاح الشامل وخصص له ميزانية 7.5 مليارات على مدى ثلاث سنوات. ألا ترون أن هذا قد يشكل بارقة أمل للجزائريين؟ ـ أود أولا أن أسوق ثلاث ملاحظات تتصل مباشرة بهذا الموضوع. الأولى أن البرنامج أعلن في وضع مالي مريح لم يسبق للجزائر أن عرفته. والثانية أن المشرفين على تسيير البلاد مازالوا يعتقدون أن الترقيعات التي يقومون بها ويصرفون أموالا طائلة في سبيلها هي الإصلاح الاقتصادي. فلا النظام البنكي ولا نظام الجمارك شملته هذه الإصلاحات وظلت الركائز الحقيقية للنهضة جامدة ويتحدثون عن الإصلاح. أما الملاحظة الثالثة فهي غياب الجدية في القرار الخاص بهذه الميزانية المخصصة للإنعاش الاقتصادي. وإلا كيف يتدخل رئيس الجمهورية في قانون المالية ليعلن تغييرات على المشاريع المقررة في البرنامج بإلغاء بعضها وتوجيه الأموال المخصصة لها لتغطية النفقات المترتبة عن السيول والفيضانات التي شهدتها العاصمة في العاشر من نوفمبر الماضي. بمعنى أن التنمية تجري بلا منطق وهذا البرنامج يجري تسييره خارج المنطق أيضا، وهذا عائق كبير. وهذا لا يتعلق فقط ببرنامج الإنعاش ولكن أيضا بباقي المشاريع الكبيرة التي أعلن عنها الرئيس مثل «إصلاح هياكل الدولة» و«إصلاح المنظومة التربوية» و إصلاح جهاز القضاء «هذه الملفات أعلن عنها مع توليه الرئاسة عام 1999 لكنها ظلت معطلة إلى اليوم ولم ينجز منها سوى تعديل قانون العقوبات الذي وضع قيودا إضافية على الصحافة وحرية التعبير والحق في الإعلام. و من هذه الحالات كلها وعدد آخر من التناقضات التي تبرز كل يوم يبدو أن مشروع الرئيس بوتفليقة غير واضح ويشهد تقلبات مثيرة. ألم يقل أمام الملأ وكاميرات التلفزيون بأن «الأمازيغية لن تصبح لغة وطنية ولا رسمية إلا إذا مر القرار على جسدي؟» مع هذا فهو يدعو اليوم الى ترسيمها وتكريس ذلك بمواد في الدستور. هذا مثال ساطع لغياب الانسجام والتناغم في الخطاب السياسي الرئاسي. ومن الطبيعي أمام هذا التردد أن يفقد الناس الأمل لأن ما يوعدون به اليوم قد يسحب منهم بكل بساطة غدا. فحتى المستثمر الأجنبي يحجم على إقامة مشاريع في ظل الضبابية والمخاطر ببلد خطابه السياسي مليء بالتناقضات وإصلاحاته الاقتصادية متعثرة وعديمة الجدية وأزماته تعالج بطرق خاطئة مثلما حدث مع أحداث القبائل. من كل هذا أقول انه مهما كانت الميزانية المخصصة للإنعاش الاقتصادي ضخمة فلن تغيرالوضع ما دامت البيروقراطية هي التي تسيرها. ولئن قلت قبل قليل أنه لم يسبق للجزائر أن كانت في وضع مالي مريح مثلما هي الآن فهي أيضا لم يحصل أن بلغت درجة الفوضى التي بلغتها في السنوات القليلة الأخيرة. اتجاه ايجابي ـ وقعت الجزائر في ديسمبر الماضي مسودة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي كيف تنظرون للموضوع؟ ـ طبعا اتجاه إيجابي، وطبيعي في نفس الوقت. إيجابي لأنه ينظم العلاقة بين الجزائر وأعظم تجمع إقليمي مندمج أسسه الإنسان وطبيعي لأن المسار العام للاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية يسير بهذا الاتجاه. لكن ما هو غير إيجابي وغير طبيعي الصيغة التي تعاملت بها السلطات الجزائرية مع موضوع جاد وكبير من هذا الحجم. فقد كان تجاهل المستثمرين الجزائريين واضحا وكأن الأمر لا يعنيهم مع أنهم صناع خيرات للمجتمع. فالاتفاق الذي تفتح بموجبه السوق الجزائرية على مصراعيها للمنتجات الأوربية لا يعني فقط الدولة ولكن يعني أيضا هؤلاء المنتجين الذين ستتعرض منتجاتهم الى منافسة شرسة. هم مدعوون لاتخاذ التدابير التي من شأنها تحسين أدائهم ونوعية المواد التي يسوقونها حتى تكون قادرة على المنافسة.. هم يوجدون إذن في مقدمة المتعاملين مع السوق في زمن الشراكة، أليس من الواجب إشراكهم والأخذ برأيهم في الموضوع قبل توقيع الاتفاق. ونفس الشيء يتكرر مع مساعي الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وكأن الأمر يتعلق بمسألة إدارية صرفة. هذه المسائل في تقديري لا تخضع في باقي الدول لقرارات إدارية بل هي موضوعات نقاش وتقص قبل البت فيها. هذا هو النقص الفادح في موضوع اتفاق الشراكة. وأقول إن معالجة هذا الملف كان من الجانب الجزائري بكيفية بيروقراطية مع أنه حدث كبير يجب أن يكون مناسبة لتوسيع التشاور حول الجوانب المتعلقة بتحسين الأداء الاقتصادي وتحضير أرضية التعاون بين المتعاملين الجزائريين والأوروبيين في المجالات التي تحتاج الجزائر تعزيزها. أقول إن ما جرى في هذا الملف يندرج ضمن منطق إقصاء الذي تسلكه السلطة. مع أن العالم تغير وأصبح المواطن اليوم يشكل حجر الزاوية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. فكما ترون فإن الحركة المناهضة للعولمة وهي مجموعات من الناس والجمعيات المدنية تحركت في جميع أنحاء العالم لاسماع صوتها وإبداء رأيها والدفاع عما تراه مصالح يهددهاالنظام الدولي الجديد، وأنا متيقن أن دور هذه الجماعات سيتعزز مستقبلا وستصبح من أهم ظواهر السنوات القليلة المقبلة. الثلث الرئاسي ـ قضيتم وقتا طويلا من مشواركم السياسي في مناصب رسمية، و قدمتم مؤخرا استقالة اعتبرها البعض استعراضية من مجلس الأمة (الغرفة البرلمانية الثانية) لماذا استقلتم وتحولتم الى معارض شرس؟ ـ أنا واحد ممن يسمون «الثلث الرئاسي» في مجلس الأمة بمعنى أنني معين من رئيس الجمهورية. وحين دعاني الرئيس اليمين زروال مع شخصيات أخرى للانتساب لهذه الهيئة قال لنا: «أنتم هنا للدفاع عن آرائكم والعمل ضمن المجلس وفق قناعاتكم وضمائركم» وهو بلا شك كان يعرف تلك الشخصيات التي طلب منها قبول العضوية في المجلس ويعلم بميولها وآرائها. عملنا في البداية وكنا نرى أن المؤسسة حديثة العهد وغير ملوثة ويمكنها بالتالي أن تمارس الديمقراطية وحاولنا أن نكون صلة بالمجتمع وأن نخلق تقاليد إيجابية. وكان لنا في البداية وزن وتأثير لكن تغييرنصف عدد الأعضاء المعينين من الرئيس خلق اضطرابا في المجموعة خاصة وأن ذلك جاء بعد تغيير في رئاسة الجمهورية فقد جاءنا أعضاء جدد عينهم بوتفليقة بعقلية غريبة فقالوا «نحن هنا للدفاع عن برنامج الرئيس » وهو ما لا يمكن أن ننسجم معه نحن الذين نرى أننا في ذلك المكان للدفاع عن مصالح الدولة الجزائرية والشعب الجزائري والمجتمع المدني وترقية حقوق الإنسان والحريات وليس للدفاع عن إرادة شخص مهما كان وزنه ومقامه. وحين اندلعت أحداث القبائل نبهنا لخطورتها وطلبنا تأسيس لجنة تحقيق لكن طلبنا رفض ثم جاء قانون العقوبات الذي يضيق على الحريات خاصة حرية الصحافة فرفضناه لكن البرلمان بغرفتيه زكاه. وعند هذا الحد فاض الكيل فانسحبت لأن وجودي بتلك المؤسسة يضر ولا نفع فيه. ورفضت أن أكون واجهة لوجود معارضة في برلمان لا يعرف الجواب بلا شغله هو المصادقة على جميع القرارات التي تأتيه من الهيئة التنفيذية.. برلمان ليس أكثر من غرفة تسجيل. وأقول إن الهيئات المنتخبة عندنا ومنها مجلس الأمة هي مجرد أجهزة وأدوات لتبرير قوانين حكومية جائرة. ومن هنا أعود لأقول إن مشكلنا شامل.. مشكل نظام في أزمة. قطب ديمقراطي ـ تقييمكم للوضع في الجزائر سوداوي، تتحدثون عن نقائص النظام والأحزاب، وتقدمون أنفسكم على أنكم طرف في التيار الديمقراطي فماذا فعلتم لدفع الأمور نحو التحسن؟ ـ لقد سبقت مبادرات عديدة لخلق قطب ديمقراطي قادر على التأثير في الأحداث ومواجهة هذه النقائص التي تحدثت عنها.. والقوى التي سعت لخلق هذا القطب هي التي ترى أن النظام يختنق بأزماته والإسلاميين ليسوا البديل القادر على توفير أجواء تقدم البلاد نحو الرقي والاستقرار.. لكن هذه المبادرات فشلت أحيانا لنقص التجربة وأحيانا أخرى بسبب صراعات على الزعامة. واليوم دعونا لإعادة تأسيس الطبقة السياسية واندماجها في المجتمع المدني. والديمقراطيون أيضا مدعوون لتقييم أوضاعهم وتجاوز أخطائهم. فالناس الآن يرون أن الأحزاب تتوجه إليهم فقط في المناسبات الانتخابية لطلب أصواتهم لكن فيما عدا ذلك تعيش بعيدا عن عامة الشعب. ونحن الآن بصدد تأسيس حركة فوق الأحزاب تنشر جوا جديدا وتقاليد جديدة داخل المجتمع. ومعروف عندنا أن معظم الجزائريين يقاطعون الانتخابات حتى تشكلت ما تسمى «الأغلبية الصامتة» وهؤلاء سنتوجه إليهم ببرنامج عمل جديد غير الذي ألفه الناس مع الأحزاب التقليدية. وتوجد جمعيات شبابية ونسوية رحبت بهذا الاتجاه لأن الناس كما قلت فقدت الثقة في الأحزاب فمثلا حين اندلعت أحداث القبائل تجاوز السكان الأحزاب السياسية التقليدية ليقينهم أن تلك الأحزاب وإن رفعت نفس الشعارات وطرحت نفس الاهتمامات ونفس المطالب فإنها تبقى مقيدة بحسابات سياسية لا يسمح لها بالمواجهة طويلة الأمد وهذا هو السبب الذي جعل الحركة الاحتجاجية تنتظم في إطار «العروش» أقول إن خلق العروش ليس حلا لافتقارها للتجربة وتعرضها لانزلاقات قد تكون نتائجها وخيمة لكنه مؤشر لفقدان الثقة في الأحزاب. وأود أن أقول إن تكفل الحركات الشعبية باهتماماتها ومطالبها ظاهرة عالمية فحتى في البلدان العريقة في الممارسة الديمقراطية والتنظيم السياسي فإن الناس بدأوا يتجاوزون تلك الأطر السياسية التقليدية ويبحثون عن صيغ تنظيم جديدة. ونحن نعمل على تأسيس حركة قوية فوق الأحزاب وحين تتكون وتنتشر في أعماق المجتمع سنعمل على تأسيسها وهيكلتها وتنظيمها سياسيا. وهذا يتطلب وقتا وعملا واسعا وطويل النفس.