نعوم تشومسكي، مؤلف هذا الكتاب، مفكر أمريكي من طراز فريد، فهو عالم لسانيات ومفكر سياسي شهير، ناصر العديد من القضايا التي رآها عادلة، بعيداً عن الموقف الرسمي الامريكي وهو أحد المفكرين الامريكيين القلائل الذين أبدوا تفهماً كبيراً للقضية الفلسطينية، ولم يتردد في شجب السياسة العدوانية الاسرائيلية، على الرغم من انه يهودي، ولهذا تعتبره المنظمات الصهيونية الامريكية «مارقاً» يستحق أقسى أشكال العقاب.وكل كتاب يصدره تشومسكي هو في الواقع حدث بحد ذاته، وكتابه الجديد هذا ليس استثناء من هذه القاعدة، يناقش فيه موضوعاً هو احد اكبر الاحداث التي شهدها العالم منذ سقوط جدار برلين عام 1989، والذي عاشه العالم مباشرة على شاشات التلفزة، عندما تم تدمير برجي التجارة الدولية في نيويورك وتوجيه ضربة قوية لمبنى البنتاجون في الحادي عشر من سبتمبر، وذهب ضحية هذه الاعتداءات حوالي ثلاثة آلاف شخص، وهذا الكتاب هو قراءة اخرى ومختلفة لهذا الحدث الرهيب ومحاولة لـ «تشريح الارهاب» كما يعبّر المؤلف.يقوم تشومسكي بالتدريس في عدد من الجامعات الامريكية وسبق له ان قدم اكثر من ثلاثين كتاباً، ولعله أفضل من درس نهاية المرحلة الاستعمارية ونتائجها وسقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة والحروب الاقتصادية وسطوة الشركات متعددة الجنسيات ودور وسائل الاعلام، انه صوت آخر يأتي من أمريكا حاملاً الكثير من الوعي والكثير من الرفض لتزييف هذا الوعي. لا يزال حادث تفجير أوكلاهوما سيتي يثير الكثير من التساؤلات حول ما رافقه من آراء وتعليقات، اذ خلال عدة ايام بعد حدوثه اختارت الصحف عناوين عريضة من طراز «اوكلاهوما سيتي تشبه بيروت». لكنني لم اسمع احداً يقول ايضاً ان بيروت تشبه بيروت. ان بيروت المقصودة هي التي عرفت خلال عام 1985 اي في عهد الرئيس رونالد ريجان انفجار قنبلة تشبه كثيراً تلك التي استهدفت اوكلاهوما سيتي حيث انفجرت شاحنة كبيرة مفخخة قتلت ثمانين شخصاً وجرحت مئتين وخمسين معظمهم من النساء والاطفال، كما جاء في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بعد ثلاث سنوات وليس سراً ان ذلك الانفجار كان يستهدف شخصاً لا تحبه ادارة ريجان ولكنها اخطأته. ثم اي تسمية يمكن اطلاقها على سياسة ادت عن سابق اصرار وتصميم الى وفاة ربما ما يقارب المليون شخص في العراق وذلك من دون حساب وحوالي نصف مليون طفل، والذي يمثل بنظر وزيرة الخارجية الامريكية «الثمن الذي ينبغي علينا دفعه»؟ هل هناك تسمية لمثل هذا الامر؟ ثم ان دعم اسرائيل في الفظاعات التي ترتكبها هو مثال آخر. ومثال ثالث يكمن في الدعم الكبير الذي تقدمه الولايات المتحدة لتركيا التي تسحق سكانها الاكراد وحيث كانت ادارة الرئيس بيل كلينتون قد قدمت دعماً حاسماً لها يتمثل بتزويدها بـ 80% من تسليحها هذا وكانت سنوات التسعينيات قد عرفت احد اكبر التصفيات الاثنية والدمار في تركيا لكن مثل هذا الامر جرى التعتيم عليه بدرجة كبيرة بسبب مسئولية الولايات المتحدة فيه واذا كان قد تم التطرق لهذه المسألة فإنه كان يتم رفضها تحت حجة انها لم تكن سوى «نغمة نشاز» في اطار الالتزام الكبير الذي شرعت به الولايات المتحدة من اجل الحد من اشكال السلوك اللاانساني في جميع انحاء العالم. نموذج مصنع الشفاء لنأخذ ايضاً مثال تدمير مصنع انتاج المواد الصيدلانية مصنع الشفاء في السودان ان هذا الحادث لم يتم ذكره سوى عرضاً في لائحة الدول التي تستخدم القوة بصورة غير مشروعة وسرعان ما تم نسيانه وهنا يبرز تساؤل: «ماذا كان يمكن ان يكون رد الفعل لو انه تم تدمير نصف الاحتياطات الصيدلانية الامريكية والمنشآت المكرسة لاعادة انتاجها؟» بكل الحالات فإن النتائج التي ترتبت على تدمير مصنع الشفاء كانت خطيرة جداً بالنسبة للسودان ولكن اذا نحينا هذا جانباً، فماذا يمكن ان تكون عليه ردود الفعل لو ان الولايات المتحدة او اسرائيل او بريطانيا قد تعرضت لمثل هذه الفظاعة؟. في حالة السودان نقول: «فعلاً ان الامر يستحق الأسف ولكن كان ذلك خطأ من دون اهمية فلننتقل الى موضوع آخر ولندع جانباً قضية الضحايا». ان حالة السودان، وان كانت لا تحظى باهتمام كبير فإنها ذات دلالة كبيرة ويكمن احد الجوانب المهمة حيالها في رد الفعل الذي تثيره عندما يتجرأ احد على ذكر هذه القضية وهذا ما كنت قد فعلته في الماضي، واستأنفت الحديث عنه في معرض الاجابة على الأسئلة التي كان الصحفيون يطرحونها علي بعد اعتداءات 11 سبتمبر واشرت الى ان عدد الضحايا الذي ترتب على هذه «الجرائم الرهيبة» التي ارتكبت بقدر كبير من القسوة المرعبة يمكن مقارنته بما ترتب على القصف الذي قامت به ادارة كلينتون لمصنع الشفاء في السودان خلال شهر اغسطس 1998. ان مثل هذه «النتيجة» اثارت ردود فعل عنيفة اذ ان مواقع الانترنت والصحف تم اغراقها بمختلف اشكال الادانات والبعد المهم الوحيد يتمثل في كون هذه الجملة قد اعتبرها عدد من المعلقين بأنها «فضائحية تماماً» واعتماداً على هذا يصبح عندئذ من الصعب تجنب الخروج بنتيجة انه على مستوى ما، ولو كان المعنيون ينفون ذلك فإنهم يعتبرون جرائمنا حيال الضعفاء هي بمثابة شيء طبيعي مثل الهواء الذي نتنفسه انني اقول جرائمنا لأننا مسئولون عن ذلك باعتبارنا من دافعي الضرائب ولم نقدم التعويضات المطلوبة، ولأننا قدمنا الملجأ والحصانة لمرتكبيها ولأننا نسمح بحشر هذه الافعال الرهيبة في أعماق ذاكرة انتقائية. من ناحية اخرى، ليست هناك تقديرات حول نتائج الخراب المترتب على تدمير مصنع الشفاء وكان السودان قد تقدم بطلب تحقيق من قبل الامم المتحدة من اجل معرفة مبررات هذا القصف لكن واشنطن قامت بكبح جماح التحقيق ولا يبدو ان هناك الكثيرين ممن يغريهم استئنافه لكن لا شك انه ينبغي علينا ان نفعل ذلك ولعله ينبغي البدء بالتذكير بعدد من الحقائق الأساسية، على الأقل لدى اولئك الذين يشعرون بأنهم معنيون بدرجة ما بحقوق الانسان وعندما يتم تقدير عدد ضحايا اي جريمة فإننا لا نكتفي فقط بأولئك الذين تم قتلهم مباشرة وانما ايضاً اولئك الذين لقوا حتفهم على اثر تلك الجريمة وهذا تحديداً ما يتم فعله عندما يتم تفحص جرائم «الاعداء الرسميين» من أمثال ستالين وهتلر وماوتسي تونج الذين يمثلون اكثر الحالات تطرفاً. والملفت للانتباه انه في تفحص مثل هذه الحالات لا يتم الحديث عن اي ظروف مخففة للجريمة بواقع انه لم تكن هناك نية مسبقة لاقترافها وانما يتم النظر اليها على أساس انها نتيجة لبنية المؤسسات القائمة وبنيتها الايديولوجية واذا كان لا يتم تجنب الحديث عن المجاعة التي شهدتها الصين ما بين عام 1958 و1961 وانما يتم اعتبار بأن ماوتسي تونج هو الذي اعطى الاوامر التي ادت الى حدوثها وبالطريقة نفسها لا يمكن ان تؤدي ادانة الجرائم التي اقترفها هتلر في شرق اوروبا الى تجاهل تلك التي قام بها ستالين وبناء على هذا اذا اردنا ان نكون جديين فإنه ينبغي علينا ان نطبق القواعد نفسها على أنفسنا باستمرار. وفي حالة «مصنع الشفاء» التي تشكل موضوع حديثنا فإن حساب عدد الضحايا يأخذ باعتباره اولئك الذين وقعت عليهم نتائج ذلك العمل، وليس فقط اولئك الذين قتلتهم الصواريخ وعندما تجتمع كل الحقائق حول ذلك الاعتداء دعونا نلقي نظرة على جميع المقالات التي نشرتها الصحف الكبرى وبعد عام من الهجوم كتبت صحيفة «بوسطن جلوب» بتاريخ 22 اغسطس 1999 تقول: «ان السودان الذي وجد نفسه محروماً من أدوية ذات أهمية حيوية والتي كانت المنشآت المدمرة تنتجها واجه زيادة كبيرة في عدد الوفيات هكذا عانى عشرات الآلاف من الاشخاص ـ أغلبهم من الاطفال ـ من المرض والموت بسبب الملاريا والسل وامراض اخرى قابلة للشفاء ان مصنع الشفاء كان يؤمن للسكان أدوية بأسعار معقولة وكان يقوم ايضاً بتصنيع عقاقير طبية مخصصة لمعالجة المواشي، بحيث انها كانت تباع في جميع مناطق السودان وكان يصنع ايضاً 90% من الأدوية الاكثر استخداماً في البلاد وكانت العقوبات ضد السودان تمنعه من استيراد كميات من المنتوجات الصيدلانية الضرورية من اجل سد العجز الناتج عن تدمير المصنع.. ان العمل الذي قامت به واشنطن يوم 22 اغسطس 1998 لا يزال يحرم شعب السودان من الادوية الضرورية وينبغي على شعوب كاملة التساؤل كيف ستحتفل محكمة العدل الدولية بذكرى هذا الحدث. هكذا تكلمت «الأوبزرفر» بتاريخ 23 اغسطس 1998 كتبت صحيفة «الأوبزرفر» في صدر صفحتها الاولى تقول: «ان خسارة هذا المصنع هي بمثابة مأساة بالنسبة لسكان الأرياف الذين هم بحاجة للدواء» ان مصنع الشفاء كان يصنع 50% من الادوية في السودان وتدميره يدع البلاد من دون اي مخزونات من (الكلوروكين) العلاج المعتاد ضد الملاريا لكن بعد بضعة اشهر رفضت الحكومة العمالية البريطانية ان تلبي طلب السودان بـ «اعادة تزويد البلاد بسرعة بهذا الدواء ـ الكلوروكين ـ بانتظار ان يستطيع استئناف تصنيع المواد الصيدلانية» هكذا جاء في تعليقات «الأوبزرفر» البريطانية بتاريخ 20 ديسمبر 1998. وبتاريخ اقرب زمنياً وتحديداً في اكتوبر 2001 كتبت صحيفة «الجارديان» تقول ان منشآت مصنع الشفاء كانت الوحيدة التي تنتج ادوية ضد مرض السل المكرسة لأكثر من مئة ألف مريض بسعر نصف جنيه استرليني كل شهر اما الادوية المستوردة للغرض نفسه فقد كانت اغلى ثمناً وبالتالي لا يمكن لأغلبية اولئك المرضى الحصول عليها او الحصول عليها لأفراد الاسرة الذين كانوا قد تلقوا جرثومة المرض وكان مصنع الشفاء هو ايضاً الوحيد الذي يقوم بتصنيع الادوية البيطرية في هذه البلاد الشاسعة والتي تعتمد على الرعي اساساً وكانت اختصاصات هذا المصنع هي انتاج ادوية ضد الطفيليات التي تنقل من الحيوان الى الراعي والتي تشكل احد أسباب الوفيات الرئيسية لدى الاطفال في السودان». ان هذه المقالات قد تم تحريرها من قبل صحفيين محترمين وتم نشرها في صحف بارزة والاستثناء الوحيد هو جوناثان بيلك الذي كتب المقال في صحيفة «بوسطن جلوب» وهو الاكثر اطلاعاً بين اولئك الذين تم ذكرهم وباعتباره مدير برنامج اقليمي لدى مؤسسة الشرق الاوسط فإنه يكتب اعتماداً على تجربته الميدانية في السودان وهذه المؤسسة التي يعود تأسيسها الى الحرب العالمية الاولى هي مؤسسة محترمة تعمل من اجل التنمية وتقدم مساعدة تقنية للبلدان الفقيرة في الشرق الاوسط وافريقيا وتعطي الاولوية في نشاطها لمشاريع التنمية الاساسية التي يديرها المعنيون بها انفسهم كما ان هذه المؤسسة تعمل بالتعاون الوثيق مع الجامعات الكبرى ومع المنظمات الخيرية ومع وزارة الخارجية الامريكية ويتعاون معها دبلوماسيون مشهورون من منطقة الشرق الاوسط وعدد من شخصيات عالم التربية وعالم التنمية المهتمين بهذه المنطقة من العالم. وبالاعتماد على التحليلات الموثوقة التي يمكن الوصول لها بسهولة، يمكن وصف تدمير مصنع الشفاء على صعيد المعنيين به بأنه يشابه ان يتم التمكن خلال هجوم واحد ضد الولايات المتحدة جعل مئات الآلاف من الاشخاص ـ أغلبيتهم من الاطفال ـ يعانون من المرض والموت بسبب امراض قابلة للشفاء» هذا على الرغم ما تحمله هذه المقارنة من مغالطة ذلك ان السودان هو احد اقل المناطق تنمية في العالم فمناخه قاس وسكانه مشتتون كما ان المخاطر الصحية والبنى الأساسية البالية تجتمع كي تجعل من حياة العديد من السودانيين بمثابة معركة من اجل البقاء كما ان البلاد تعرف مرض الملاريا الوبائي، بالاضافة الى مرض السل وعدة امراض اخرى وبمعنى آخر تشكل الأدوية رخيصة الثمن في هذه البلاد ضرورة حيوية. ويشير تقرير ميداني نقلته منظمة حقوق الانسان الى انه وكنتيجة مباشرة للقصف جرى ترحيل جميع الرعايا الامريكيين العاملين في جميع وكالات الامم المتحدة في الخرطوم وبالتالي تم تأخير عدة محاولات للمساعدة الى اجل غير محدد بما في ذلك مشروع حاسم امريكي، كانت تديره اللجنة الدولية للانقاذ (في مدينة كانت القوات الحكومية تسيطر عليها) وحيث كان اكثر من خمسين شخصاً من أبناء الجنوب يموتون يومياً وكانت تقارير الامم المتحدة تشير الى ان 2.4 مليون نسمة يواجهون خطر الموت جوعاً. وأسوأ من هذا ايضاً انه بدا ان القصف الامريكي قد كبح التطور البطيء الذي كان يرتسم في الأفق باتجاه مصالحة بين مختلف الاطراف المتحاربة في السودان وهذا يعني ان فرصة سلام محتملة قد ضاعت وكان يمكن لها ان تضع حداً نهائياً للحرب الاهلية التي ادت الى مقتل حوالي مليون شخص منذ عام 1981 بل وربما ان مسيرة السلام تلك كان يمكن ان تقود الى السلام في اوغندا وفي مجمل حوض النيل كما جاء في مقال نشرته صحيفة «فاينانشيال تايمز» بتاريخ 8 سبتمبر 1998. فشل أجهزة المخابرات إن مثل هذه النتائج تسمح بالمقارنة بين جريمة السودان واغتيال باتريس لومومبا الذي أغرق الكونغو في عقود من المجازر التي لم تنته بعد، او ربما يمكن مقارنته مع قلب الحكومة الديمقراطية في جواتيمالا عام 1954 والذي ادى الى ارتكاب فظاعات استمرت اربعين سنة وهناك أمثلة اخرى صالحة للمقارنة في هذا الصدد. وقد كان لعملية القصف الامريكية ثمن باهظ بالنسبة للشعب الامريكي ايضاً ويبدو لي بأنه لم يتم توضيح هذه النقطة ما فيه الكفاية خلال النقاشات الطويلة والتي دارت حول فشل اجهزة الاستخبارات هذا الفشل الذي نجده في خلفية اعتداءات 11 سبتمبر وقد كان السودان وقبل الهجوم بالصواريخ عام 1998 مباشرة قد اعتقل رجلين كانت تحوم حولهما الشكوك بالقاء القنابل ضد السفارات الامريكية في افريقيا الشرقية، وكان قد تم اخطار واشنطن بذلك كما اكد مسئولون امريكيون لكن الولايات المتحدة رفضت عرض التعاون السوداني؟ فما كان من السودان، وبعد الهجوم الصاروخي عليه الا ان اطلق سراح الرجلين كما اشارت صحيفة «نيويورك تايمز» بتاريخ 30 يونيو 1999. وتشير بيانات حديثة العهد اصدرها مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي الى سبب اضافي دفع السودان الى ان يطلق سراح المشبوهين بغضب وتشير هذه التقارير الى ان مكتب التحقيقات الفيدرالي كان قد أبدى رغبته بتسليم الشخصين للولايات المتحدة لكن وزارة الخارجية الامريكية رفضت ذلك ويصف مصدر عال في ادارة جهاز الاستخبارات الامريكية الـ «سي.اي.ايه» حالياً ذلك الرفض وكذلك رفض اقتراحات للتعاون كان السودان قد تقدم بها بأنه يمثل اكثر اشكال الفشل التي يتم تحميلها لاجهزة الاستخبارات فيما يخص المسألة الرهيبة اي اعتداءات 11 سبتمبر 2001 ويبدو ان هناك كرهاً لا عقلانياً كانت ادارة الرئيس بيل كلينتون تكنه للسودان كما يشير المصدر الاستخباراتي الكبير نفسه. وعلى أساس ما سبق يمكن تقديم محصلة للقصف الامريكي للسودان؟ وحتى لو وضعنا جانباً الضحايا السودانيين الذين سقطوا مباشرة والذين قد يبلغ عددهم عشرات الآلاف ولكن تقديم مثل هذه المحصلة يتطلب تطبيق القواعد نفسها التي يتم تطبيقها على الاعداء الرسميين ثم ان ردود الفعل التي برزت في الغرب تعلمنا الكثير حول أنفسنا، شريطة ان نقبل النظر الى انفسنا في المرآة. لكن لنعد الى الاطار الغربي ولنأخذ مثال كوبا، باعتبارها تقع في الجزء الغربي من العالم وبعد عدة سنوات من الرعب كانت قد بدأت منذ نهاية عام 1959 وتم خلالها اقتراف اعمال مرعبة قد يكون لكوبا الحق في اللجوء الى القوة ضد الولايات المتحدة الامريكية وذلك حسب المبدأ الامريكي ذاته والذي لا يكاد احد يتجرأ على التشكيك به. وبكل الاحوال ينبغي الابتعاد عن التعميم فيما يتعلق بالمواقف حيال اعتداءات 11 سبتمبر وما بعدها ولنأخذ مثالاً ملموساً فبتاريخ 16 سبتمبر نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» ان الولايات المتحدة كانت قد طلبت من باكستان وقف اي مساعدة غذائية لأفغانستان ان مثل هذا الطلب كان قد تم الايحاء به اولاً ثم اعربت عنه واشنطن صراحة بحيث يتم وضع حد لارسال قوافل الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية وغيرها والموجهة للمدنيين الافغان وقد كان هؤلاء المدنيون على حافة المجاعة فماذا كان يعني هذا؟ انه كان يعني وقوع آلاف الضحايا بينهم الكثير من اولئك الذين تم منعهم من مغادرة البلاد، باختصار اننا امام احد اكثر الازمات الانسانية خطورة مع ذلك قليلة هي الاصوات التي برزت في الولايات المتحدة وفي اوروبا للاحتجاج على ما يجري. وامام الاصوات المطالبة باعطاء اجهزة الاستخبارات الامريكية هامشاً اكبر من المناورة فإنه من المطلوب عدم السماح لها القيام باغتيالات وهذا اضعف الامور ولكن المسألة لا تتعلق بهذه الاجهزة فقط اذ هل كان ينبغي ان يسمح بتنظيم جيش من الخارجين على القانون في نيكاراجوا تتحدد مهمتهم الرسمية حسب تعبير وزارة الخارجية الامريكية نفسها بضرب الاهداف الضعيفة في البلاد؟ اي ما يعني تعاونيات الفلاحين التي لا تملك امكانية الدفاع عن نفسها او ربما المستوطنات؟» وقد يكون من المهم التذكير في هذا السياق ايضاً بأن التأييد الرسمي لمثل هذه الهجومات قد جاء تماماً بعد قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بمطالبة الولايات المتحدة وضع حد نهائي لحملتها ضد نيكاراجوا مع دفع تعويضات كبيرة. ثم هل ينبغي السماح للولايات المتحدة تقديم طائرات عمودية هيلوكبتر لاسرائيل يتم استخدامها من اجل اقتراف عمليات اغتيال سياسية وهجمات على أهداف مدنية؟ ان من فعل ذلك ليس جهاز الاستخبارات وانما ادارة بيل كلينتون ومن دون ان يلاقي ذلك اي معارضة ملموسة بل ولم يتطرق احد لذكر ذلك مع ان المصادر كانت موثوقة تماماً. ان الامور السابقة كلها ينبغي ان تكون معروفة وانه «لمن المخجل» ألا تكون معروفة وهناك وقائع يحتاج البشر لمعرفتها اذا كانوا يريدون فهم بعض الشيء عما يدور حولهم، ان هذه الوقائع معروفة بالطبع من قبل الضحايا اما فاعلوها فإنهم يفضلون النظر في اتجاه آخر. انفجار أوكلاهوما.. كشف النقاب عن التحيز ضد العرب