قال التجاني الطيب عضو اللجنة المركزية ومسئول العمل الخارجي في الحزب الشيوعي السوداني في حوار اجرته معه «البيان» انهم لا يرضون بأن يكونوا مجرد لافتة في الساحة السياسية السودانية مشيراً إلى ان الحزب واجه عمليات الحظر منذ عهد الاستعمار وان عمليات القهر والصعوبات التي واجهها قلصت عدد عضويته. مؤكداَ ان نفوذ الحزب الفكري أكبر من انتشاره الجماهيري. وإلى نص الحوار: قابلية لتفهم الحزب ـ هناك اتهامات عدة توجه للحزب منها ان الوضع الحالي هوأفضل الأوضاع بالنسبة له، حيث لا يوجد له أي مكان عند إحداث التغيير أو التحول المقبل، ما قولكم في ذلك؟ ـ الاتهام بأن الحزب الشيوعي لا يملك ما يقدمه للشعب وبذلك يكون مثل هذا الوضع مناسب له، هو حديث قديم منذ الاستعمار، وهو اتهام غريب، لأن أي حزب ينشأ من أجل تحقيق أهداف معينة، ولا يوجد حزب ينشأ وهو لا يريد السلطة أو يسعى لها.. ونحن نريد الوصول للسلطة حتى نتمكن من تنفيذ أهدافنا وبرامجنا، ولا يمكن أن يكون الحال مريحا بالنسبة لنا في مثل وضعنا الحالي، فما هو المريح بالنسبة لنا؟! فقيادتنا نصفها مختف والنصف الباقي ملاحق ويتعرض لاستدعاءات واعتقالات.. الخ، ومن هم في خارج السودان أرغموا على ذلك.. نحن لا نملك صحيفة، ولا دار أو مكاتب.. فما هو المريح؟ هل هنالك حزب يريد أن يكون «لافتة» واسم فقط في الساحة السياسية؟ في رأيي أنه فكر شاذ بأن يتهم حزب مثل الحزب الشيوعي السوداني بأن مثل هذا الوضع هو أحسن حالاته، باعتبار اذا تحسنت الظروف فسينكشف!! أيام مايو قيل نفس الشئ: «إن الشيوعيين يعيشون أحسن حالاتهم» لديهم صوت ولكنهم غير ملزمين بأن يكشفوا مدى التأييد الذي يحظون به، الفترة ما بعد انتفاضة 85، أوضحت أن الحزب لديه قابلية لأن ينمو.. ولنأخذ مثلا الدائرة الانتخابية التي رشحت فيها وهي دائرة كبيرة جدا ومؤسسة في الحركة الوطنية (من أحمد شرفي وحتى النيل الأبيض) عندما رشحت كان عدد الشيوعيين 13 شيوعيا فقط وأخذت فترة شهرين من اعلان الترشيح وحتى الانتخابات كان هناك أكثر من 90 عضواً نشطاً من الحزب في نفس المكان الذي كان به 13 فقط، أي سبعة أضعاف وهذا القياس موجود في مناطق أخرى. إذن هناك قابلية واستعداد للشعب لتفهم الحزب وصحيفتنا الحزبية كانت تنافس الصحف المستقلة غير الحزبية في التوزيع من ناحية الخبر، المقالة، وجهة النظر.. الخ. لذلك فوضعنا كحزب يكون أفضل مئات المرات في ظروف الديمقراطية منه في أي وقت آخر، وأي حديث غير هذا هو عبارة عن مكايدة. ويكفي أن نقول أننا في هذا الوضع الذي يتهموننا فيه بأننا في أحسن حالاتنا، مات منا 20 شخصاً تحت التعذيب، وكل من شهد تعذيبهم أكد على شجاعتهم وصمودهم ودفاعهم عن مبادئهم، ومقاومتهم، اذا كان ذلك الحزب الذي ينتمون اليه لا يملك تلك المبادئ أو الأهداف، فلماذا صمدوا؟ نحن حزب لا يملك المال، أو النفوذ القبلي ولا يعتمد على المؤسسة القبلية أو الطائفية ولا يعتمد على الدولة، وهو حزب موجود ونشيط، وهو قبلة لكل الشباب الموجود.. نعم هناك نزيف مستمر لكوادرنا رغم البناء المستمر الذي ذكرته قبلا.. وكل هذا لن يجعلنا نتراجع عن أهدافنا. الحزب الشيوعي هو أكثر الأحزاب التي حظر عملها في أغلب الفترات، أيام الاستعمار كان هنالك قانون خاص يحظر عمل الحزب الشيوعي واتحاد الشباب والاتحاد النسائي.. الخ. وفي زمن عبود كان أول القرارات هو اعتقال الشيوعيين، وكانوا آخر الخارجين من السجون والمعتقلات، أيضا في عهد نميري كل الناس يعرفون ما حدث، وحاليا في انقلاب الجبهة الاسلامية. إذن ما الذي يجعل هذا الحزب موجودا؟ لماذا لا يتكسر؟! ـ الاحصائيات تقول ان عدد الشيوعيين في كل السودان لا تتجاوز ال300 شخص هل تقرون بذلك؟ ـ يمكن أن يكون العدد كذلك، ففي ثورة أكتوبر 1964 نحن لم نتجاوز هذا العدد، ورغم كل الزخم الذي حدث، تمكنا من اضفاء الطابع الثوري على ثورة أكتوبر، وبعد شهرين عند اجراء الانتخابات، فاز الحزب الشيوعي ب11 دائرة من 15 دائرة من دوائر الخريجين وكسبنا 25 ألفاً من الناخبين في العاصمة المثلثة أعطوا أصواتهم للمرشحين الشيوعيين، ونافس عبدالخالق محجوب سكرتير الحزب اسماعيل الأزهري الزعيم الوطني في الانتخابات وكان الفرق بينهما ألف صوت فقط، كان ممكن أن يكون 10 آلاف صوت باعتبار الحديث الذي كان يقال بأننا 300 أو 400. نعم القهر والصعوبات الموجودة تقلص من عضوية الحزب النشطة، ولكن «ضاحكا» اللي في القلب في القلب وهناك الكثيرين الذين لا يستطيعون التغلب على تلك الصعوبات ويؤمنون بأن مكانهم هو داخل الحزب. ـ الحزب الشيوعي يتهم أنه بارع في النظريات والتحليل السياسي، ولكنه أضعف منه في التطبيق العملي فبماذا يفسر ذلك؟ ـ نعم الناس تضع الأمر كالآتي: إن النفوذ الفكري للحزب أكثر من انتشاره العملي، وهذه حقيقة وهنالك عدد من العوامل تجعلها كذلك، منها أن خط الحزب الشيوعي يمثل حدا قاطعا للأزمة - بمعنى - انه يحاول معالجة أزمات السودان من جذورها، فمثلا عندما حدث الاستقلال طالبنا منذ البداية بأن يحدث تأصيل لهذا الاستقلال بأن تتغير قوانين وسياسة الاستعمار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلاقة بين مكونات الشعب السوداني التي كانت موجودة زمن الاستعمار. وهذا كان المفروض حدوثه ولكنه كان يصطدم مع المصالح لقوى اجتماعية كثيرة ومن استلم السلطة، ولذلك رفضت هذه المطالب ووجهت كل وسائله توجيه الراي العام من صحف واذاعة ضدها. ضد العقلية الانقلابية ـ يتحدث الجميع عن الأزمة السودانية المستفحلة منذ بداية الاستقلال!! التجمع الوطني يتحدث عن الأزمة الممتدة، وهي نفسها التي أشرنا اليها في حينها ما رأي الحزب الشيوعي؟. ـ الحزب الشيوعي السوداني ومنذ بداياته طالب بأن يكون هنالك وضع خاص بالجنوب ووضع خاص بشرق السودان وغرب السودان.. وكل المناطق المهمشة، لم يتم الاستماع لوجهة نظرنا، وهذا لا يجعلها غير صحيحة. الصراع الذي عاشه الحزب دخلت فيه المؤسسة القبلية والمؤسسة الطائفية ومؤسسة الدولة، والمصالح المختلفة والدول الأجنبية.. وتكاتفت كل هذه القوى لمحاربتنا. ـ إذن هل كان هذا يدفع الحزب الشيوعي بأن يصل لأهدافه عن طريق الانقلابات العسكرية؟ ـ الانقلابات العسكرية هذه مرت بظروف كثيرة في المنطقة العربية وافريقيا، والحزب الشيوعي لم يصدر في أي يوم من الأيام نداء بأنه مع الانقلابات العسكرية أو لم يبرر أي انقلاب عسكري ولكن نتائج الانقلابات العسكرية نقوم بتقييمها ونحن الحزب الوحيد الذي لديه نصا واضحا ضد الانقلابات العسكرية أو العقلية الانقلابية، نحن لم نشجع الانقلابات، ولكن.. في وقت من الأوقات كانت هناك دوائر واسعة فكرية وحزبية في كل أنحاء العالم يتحدثون عن دور الجيوش في بلدان العالم الثالث، وخرجت نظريات من هذا الفكر، ولم يكن غريبا أن تؤثر على الحزب الشيوعي فمثلا عند انقلاب 25 مايو منذ اليوم الأول وبالرغم من وجود 4 وزراء كان يمكن أن نؤيده، ولكننا حددنا موقفنا من الانقلاب بأننا سنؤيده اذا فعل أشياء جيدة، ونحتفظ بحقنا في الانتقاد عندما يخطئ.. أي هو أخذ موقف مستقل، في حين أن هناك حتى الأحزاب التي فيما بعد أصبحت معارضة، أصدرت بيانات تأييد لانقلاب مايو مع مطالبتهم بابعاد الشيوعيين. نعم هنالك أساس لسؤالك، وهو أن كثيرا من القوى الديمقراطية التي تمثل البرجوازية الصغيرة الديمقراطية تملك أهدافا وآمالا كبيرة، فمثلا هي ترفض القبلية والحزبية التقليدية ويجب اصلاح ذلك، ولكنها لا تملك القوة لذلك الاصلاح، ولا تملك شيئا سوى الدعوة لانقلاب عسكري، حتى تحقق بقوة العسكر والجيش تلك الأهداف والآمال.. ولكن أظهرت التجارب أنها لم تنجح، فالمؤسسة القبلية مؤسسة موضوعية موجودة في المجتمع، لا تمسح بقرار ولا حتى بالرصاص أو الموت، هي مؤسسة من يعيش فيها محتاج لها، كذلك الطائفية، أنا هنا لا أقصد القادة لتلك المؤسسات، وإنما الجمهور العادي الذي يحس بحاجته اليها ولذلك يؤيدها. حتى في مسألة الانتخابات وغيرها في بعض الأحيان مورس علينا ضغوط، فتحدثنا عن الديمقراطية الجديدة، والديمقراطية الموجهة، على اعتبار أن الديمقراطية بحاجة لاصلاح أو دفعة.. ولكن لا يوجد علاج للديمقراطية غير مزيد من الديمقراطية، وهذا يجعلنا نقول أن الشعب السوداني يتعلم من تجاربه الذاتية مهما كانت.. ولنتذكر هذا عندما ننظر لغرب السودان الآن، ففي الماضي كان يمكن أن يرشح شخص مثل عبدالله خليل من أقصى شمال السودان في تلك المنطقة «لضمانها» في أم كدادة مثلا والتي يجهل أهلها كل شئ عن شمال السودان والكنوز وغيرهم.. وكان يفوز!! وغيره كثيرون.. أما الآن فلن يرضى أهل غرب السودان إلا بابنائهم وفي ابنائهم نفسهم هناك فرز الجيد منهم من عدمه فالشعب السوداني من تجربته يستطيع فرز الصالح من الطالح وهذا لن يتحقق إلا عن طريق الديمقراطية. العلاقة مع الاحزاب ـ ماذا عن الحوارات الثنائية للحزب الشيوعي مع بقية القوى السياسية السودانية؟ ـ ظل الحزب الشيوعي دوما يبحث عن نقاط للالتقاء مع كل القوى لتحقيق أهداف إما قريبة أو بعيدة بالنسبة للشعب السوداني، ولذلك خطوطنا دوما مفتوحة، ولا يمكن أن نقول اننا حزب مستغني عن الآخرين ويريد العمل منفردا، وبمراجعة التاريخ السوداني، كان الحزب الشيوعي هو القاسم المشترك الأعظم في كل التحالفات السياسية التي حدثت بدءا من التحالفات ضد الاستعمار، وفترة عبود، وفي فترة نظام نميري وخلال النظام الحالي، ليس فقط في ظل النظم الديكتاتورية بل في زمن الديمقراطية وزمن اعوجاج الحركة السياسية نحن ندعو لتحالف ضد ذلك الاعوجاج.. نحن المنفتحين للآخرين، ونحن من يطرح دائما شعارات يمكن أن تتطور، فمثلا عندما صدر قانون حظر الحزب الشيوعي تحالفنا مع أنبل القوى السياسية الموجودة، مثل الديمقراطيين والطلبة والنقابات ليعبد طريق أمام المناهضة ضد الارتداد عن الديمقراطية وبالفعل مثل ذلك القانون المدخل لمعاداة الديمقراطية في السودان. وقد سبق وتحالفنا مع الاخوان المسلمين في بدايات ديكتاتورية عبود، كما تحالفنا مع الحزب الوطني الاتحادي، وحزب الأمة وآخرين، تحالفنا مع صديق المهدي حتى وفاته. ونحن نعمل باخلاص شديد في التحالفات التي ندخل فيها ولا نعمل بسياسة «عصاية مرفوعة، وعصاية مدفونة» كل يعطي مما عنده ولا تهمنا نوايا حلفاؤنا طالما كانت نوايانا نحن صادقة نحن نعطي باخلاص.. كرر «كل يعطي مما عنده». ـ هل العلاقة متوترة بين الحزب الشيوعي والأحزاب اليسارية السودانية؟ ـ اين هي تلك الأحزاب اليسارية؟ عندنا لا نستطيع أن تصنف الأحزاب هذا يساري أو ذاك يميني، لكن هناك أهدافا مطروحة في الساحة السياسية السودانية والتي على أساسها ندعو التحالفات لتحقيقها، سواء كانت يسارية أو يمينية أو وسطية.. الخ. الأساس ليس هو تحالف اليسار إنما هو التحالف من أجل أهداف وطنية وديمقراطية - لا يمكن أن تقول نريد تحالفا يساريا، ربما لا يمكن هدف تلك الأحزاب «إن وجدت» هو نفس أهدافك التي تدعو لها.. نحن اسمنا الحزب الشيوعي أما لفظ الحزب اليساري فهو يطلقه شخص آخر!! نحن الحزب الشيوعي السوداني، لدينا أهدافنا وبرامجنا وطرحنا المنفصل ونعمل مع آخرين لتحقيقها وتنفيذها. بعد انتفاضة 85 طرح موضوع تحالف اليسار «يسار الانتفاضة» وقلنا حينها أننا مع الانتفاضة وعلى استعداد للنضال من أجلها. بالنسبة لنا الآن نحن جزء من التجمع الوطني الديمقراطي ومن يريد أن يحقق ما نناضل من أجله فلينضم الينا من خلال التجمع الوطني.. لأننا اذا أقمنا مظلة لليسار فبالتأكيد سيقوم اليمين باقامة مظلته أيضا وهناك يمين يريد تحقيق أهداف مؤتمر القضايا المصيرية، وكذلك وسط.. فلماذا نصر على أن يكون تحالفنا يساريا فقط؟! نحن مع الأشياء الواضحة.. وكلمة يسار غير واضحة ولا تعرف لها أصلا. ـ ماذا بالنسبة ل«حق» لم تتمكن من الدخول للتجمع، فهل يمكن أن يكون بينكما تحالف خارجه؟ ـ اذا كان بالافتراض نحن نتحالف مع أي «زول» بالنسبة ل«حق» أنهم ليسوا كبقية الانقسامات التقليدية التي حدثت في الحزب الشيوعي السوداني هؤلاء رفضوا الماركسية وبالتالي ليس هنالك علاقة بينهم وبين الحزب الشيوعي أي هم ليسوا بانقسام، وكثير من المؤسسين ل«حق» لم يكونوا شيوعيين في يوم من الأيام. إذن «حق» تنظيم قائم بذاته، اذا لم يبنوا سياستهم كلها وأفكارهم على اساس معاداة الحزب الشيوعي، فالحزب الشيوعي لم يعادهم أبدا، من كان منهم في الحزب الشيوعي رفض الماركسية وانضم لآخرين ليس له علاقة بالحزب الشيوعي وكونوا تنظيما رافضا للماركسية، ليس كمن يأخذ منها موقفا حياديا، بل يرفضها أساسا هناك أحزاب كثيرة رافضة للماركسية ولكنها لا تأتي على ذكرها أبدا. لكن اذا أصبح أحدهم عدوك من غير سبب، أو يمكن لديه ذلك السبب؟!! فمثلا الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة عندهم موقف من الماركسية ومن الشيوعيين، ولكنهم لا ينتقدون حزبنا كل يوم أو كل ساعة أو تحميله أي وزر في أي مشكلة. نحن نتعامل مع «حق» بأفكارهم، وليس لدينا أي موقف مسبق ضد اي فصيل من فصائل القوى السياسية السودانية، نعامل كل واحد حسب موقفه.. نحن نكون ضد أي حزب بأسباب، ونتحالف مع أي حزب بأسباب أيضا، حتى الآن لم يصدر أي بيان أو نشرة أو أي شئ ضد «حق» ولكن هنالك من رد على ما طرحه من أفكار من «حق» ضد الحزب الشيوعي، وهي أفكار تخصنا نحن كحزب وكنظرية، مثلا لم يعبروا عن أفكارهم في الفن أو سواه وانتقدنا ذلك.. ولم نرفض أبدا انضمام «حق» للتجمع كما يشاع و«حق» لم تنضم لأن الموضوع نفسه لم يطرح للنقاش وأعضاء «حق» يعلمون جميعا من هو الرافض حقيقة انضمامهم للتجمع.