لم يبق أمام العراقيين سوى بيع كتبهم لتستمر حياتهم تحت حصار يغلق عليهم منافذ الحياة جميعها. فعلى أرصفة شارع المتنبي العريق تزاحم العراقيون بين باحث عن لقمة من ثمن كتاب وبين باحث عن أرخص الكتب ليبقى على اتصال مع الثقافة والعالم. الكتب التي كانت يوماً أثمن ما يحويه كنز الشارع العراقي العريق صارت أرخص من أن تكفي كاتباً عراقياً لشراء ثوب لابنته في العيد. و«المتنبي» شارع طوله 200 متر وعمره ألف سنة، يبدأ من سوق السراي ـ أول سوق عراقي أنشيء أواخر العهد العثماني وبداية تأسيس الدولة العراقية ـ وهو سوق متخصص ببيع الكتب والقرطاسية واللوازم المدرسية. مكتباته حوت أنفس المخطوطات والكتب، وعرف الشارع أعلام الأدب والفكر في العراق، وشهد عقد ندوات أدبية وفكرية وتراثية كثيرة. تحول الشارع في زمن الحصار الى مفترش لبائعي الكتب الجوالة والذين نافسوا المكتبات العريقة كما نافسوا المثقفين في حيازة الكتب. ويذكر ان أول مكتبة فتحت لبيع الكتب في سوق السراي يعود تاريخها الى سنة 1908 وهي المكتبة العربية وما زالت قائمة تلتها المكتبة العصرية سنة 1914، ولم يعثر على ما سبقهما من مكتبات ملأت الشارع سوى فيما حوته المخطوطات.