الملف السياسي: في السادس من ديسمبر الماضي، وبدون سابق انذار، انهارت شركة «انرون» العالمية للطاقة في الوقت الذي طلب فيه فرعها في أوروبا حمايته من الدائنين فيما يمثل واحدة من أكبر حالات انهيار الشركات في الولايات المتحدة وفي العالم. وذهبت ادراج الرياح محاولة انقاذ اكبر شركة في العالم الغربي للتجارة في الكهرباء والغاز من الأزمة التي عصفت بها نتيجة للديون الهائلة التي تراكمت عليها والتي تقدر، حسب آخر التقارير، بـ 23 مليار دولار، وقد تقلصت القيمة السوقية للشركة بسرعة مذهلة، من 101 مليار دولار الى نحو 350 مليونا. ومنذ ذلك الوقت والبنوك والشركات التجارية الدائنة تسعى الى احصاء خسائرها جراء انهيار «انرون» التي كانت تتولى 52 في المئة من واردات الغاز والكهرباء في امريكا الشمالية واوروبا، بل امتدت آثار الانهيار الى الدولار فأضعفته وسط مخاوف من ان يؤدي ذلك الى تأجيل الانتعاش الاقتصادي الامريكي كما دفعت بصفة مؤقتة أسواق الاسهم للتراجع خاصة في قطاعي البنوك ومرافق الكهرباء في أوروبا. وحتى عهد قريب كانت «انرون» تحتل المركز السابع في قائمة مجلة «فورتشن» لأكبر 500 شركة في الولايات المتحدة لكن أسهمها انخفضت بنسبة 85 في المئة لتصل الى 36 سنتا، مسجلة ادنى مستوى لها على الاطلاق، بعد ان فشلت محاولة الانقاذ التي قامت بها منافستها «داينجي». وكانت توقعات العاملين في قطاع الطاقة ممن تابعوا اداء «انرون» ونموها السريع الملفت للنظر تشير الى ان الافلاس سيحل في نهاية المطاف، بسبب غياب الرقابة على طريقة ادارتها، ذلك انها ظلت تبرر اعتمادها لاسلوبها الحسابي الذي يقوم على الكذب والاحتيال والتلاعب بالارقام وتضخيم الارباح، حيث دأبت على الاعلان عن ارباح طائلة تبين انها لم تكن موجودة الا على الورق، على اساس انها الضامن لشركاتها التابعة ومشاريعها المنفذة، وهو دور تضطلع به المصارف عادة، الا ان الفارق هنا هو ان المصارف تخضع لرقابة شديدة على مستويات عدة، لا تتيح لها المبالغة في حجم اصولها من دون ضمانات موثوقة. انهيار متوقع جاء انهيار «انرون» في خضم تداعيات احداث 11 سبتمبر الارهابية لتجعل الاوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة اكثر سوءا، اذ زعزعت تلك الاحداث ثقة المستثمرين والمستهلكين وأثرت بشكل ملحوظ على قطاعات الطيران والسياحة والتأمين. وقد بدأت تظهر الآن مؤشرات منذرة للاقتصاد الامريكي في اعقاب هذا الانهيار، وتخفيض الجدارة الائتمانية لبعض الشركات المهمة الاخرى مثل شركة جنرال موتورز، بالاضافة الى تخفيض العمالة الزائدة لدى شركات عديدة، الامر الذي رفع مستوى البطالة في امريكا الى معدل 5.8 في المئة، وتشير تقديرات المحللين الى ان معدل النمو الاقتصادي الامريكي للعام الجاري لن تتجاوز 1%، والاحتمال ان تكون اقل من ذلك. وكانت هذه الشركة، التي بدأت أعمالها منذ عام 1985، اثر اندماج حدث بين شركتي «هيوستون ناتشيرال غاز» و«انترنورث اوف اوماها» الامريكيتين، قد استفادت باستمرار من دعم حكومي امريكي لا محدود، نتيجة قربها من المرشحين للانتخابات في الكونجرس والبيت الابيض، كما استغلت حكما قضائيا صدر قبل أعوام يقنن عمل الشركات النفطية الامريكية، لتقفل الابواب امام الشركات المنافسة. ووفقا لخبراء في الشئون النفطية، كانت انرون تعتمد على الدعم الحكومي الامريكي في توسعها. اذ في كل مرة اعترضتها مشكلة او تعرقلت المفاوضات، كانت تأتي بالسفير الامريكي او تطلب دعما حكوميا مباشرا من واشنطن، اما فيما يخص التغلب على منافسيها في بلد ما، فان «انرون» استخدمت اسلوبا سهلا يقوم على توقيع خطابات نوايا عدة تغطي اغلب مشاريع الحقول المعروضة للاستثمار في هذا البلد. وكانت بذلك تقصي منافسيها، الا انها تكتفي بالاستثمار في بعض هذه الحقول او المشاريع، وتهمل البقية، بدليل ان عدد العقود التي انسحبت منها يفوق بكثير عدد العقود التي التزمت بها. فضيحة اقتصادية ام سياسية؟ وكان متوقعا ان يتحول افلاس «انرون» الى فضيحة سياسية مدوية في الولايات المتحدة، تنال مباشرة الرئيس جورج دبليو بوش، وهو مالا يستبعده، او ما يكاد يؤكده، محللون كثيرون، بعضهم لم يتردد في مقارنتها بتلك المعروفة بفضيحة وايتووتر، التي رافقت وقائعها،. تحقيقات قضائية وشبهات مقيمة، ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون طوال فترتيها المتتاليتين. ويذهب البعض الآخر ابعد من ذلك، حيث يرى ان ما ينتظر الرئيس بوش، وربما الولايات المتحدة بأسرها، سيكون افدح من كل ما كابده سلفه في البيت الابيض، ففضيحة وايتووتر تلك التي تعلقت بمضاربات عقارية قام الارتياب في ان بيل كلينتون قد ضلع فيها قبل توليه الرئاسة، كانت محدودة في نهاية المطاف، كما ان الرئيس السابق ربما تورط فيها، اذا كان قد فعل، بشكل شخصي، اما قضية «انرون» في صورة ما اذا تفاعلت واستفحلت، فهي ستكون فضيحة نظام اقتصادي وسياسي بأسره. فشركة «انرون» دأبت عى تمويل الحملات الانتخابية للسياسيين، وعلى تقديم يد المساعدة اليهم نقدا وعدا، دون ما تمييز في الغالب بين ديمقراطيين وبين جمهوريين، وان كانت اكثر ميلا الى هؤلاء الاخيرين. ويتردد الآن، ان 70 من أصل مئة من اعضاء مجلس الشيوخ الحالي قد تلقوا من «انرون» مبالغ ساعدتهم على تمويل حملاتهم الانتخابية. الا ان اقوى الشبهات هي تلك التي تحوم حول الرئيس جورج دبليو بوش وادارته الجمهورية. فهذا الأخير يبدو انه اقام علاقات وثيقة مع الشركة المذكورة، على قاعدة انتمائه، وانتماء اسرته، الى عالم النفط في تكساس، بل ان كين لاي رئيس مجلس الادارة والمدير التنفيذي لـ «انرون» الذي استقال من منصبه بعد الفضيحة يعد من بين اصدقاء الرئيس بوش المقربين ومن اكبر المساهمين في حملاته الانتخابية، وعندما بدأت مشاكل «انرون» في الظهور حاول لاي استغلال علاقته بالمسئولين الكبار ومنهم وزير التجارة دون ايفانز ووزير الخزانة بول اونيل لكنه لم يجد أي مساندة من الادارة التي كانت طلبت منه قبل شهور المساعدة في صياغة سياسات الطاقة القومية!! وكان قادة «انرون» عقدوا، قبيل اعلان الافلاس لقاءات سرية مع ديك تشيني، نائب الرئيس، قد تكون هدفت الى البحث عن وسائل اتقاء الفضيحة او التستر عليها بشكل من الاشكال، وربما على حساب الخزينة، رغم اعلان البيت الابيض قطع كل علاقاته مع «انرون». وقد طلب الكونجرس الامريكي مثول ادارة البيت الابيض للاستجواب بعد امتناع تشيني عن تقديم وثائق يعتقد ان لها علاقة بنشاطات «انرون» المالية التي قادت الى افلاسها ومدى تورط البيت الابيض في تلك النشاطات. ويتركز عمل هيئة الحسابات التي تقود التحقيق في فضيحة انهيار «انرون» في البحث عن طبيعة ما دار في الاجتماعات التي عقدها تشيني مع ممثلي الشركة، ومع ان ممثلي البيت الابيض قالوا انهم مستعدون للدفاع عن موقف الادارة الامريكية في القضية، لكن لجنة تابعة للكونجرس حذرت ادارة البيت الابيض من خطورة الوقوع في «خطأ ممارسة السلطة» باصرارها على عدم التعاون مع الكونجرس، حيث مازال تشيني، الذي اقر بوقوع تلك الاجتماعات، يرفض تقديم اية وثائق تكشف عن طبيعة ما دار فيها. مستقبل الرئيس والواضح، أن «انرون» لم تبخل على الرئيس بوش بتبرعاتها، واذا كانت تلك التبرعات لم تكد تبلغ، على ما يبدو في انتظار الكشف عن المزيد من المعلومات، غير حوالي 700 ألف دولار في أثناء الرئاسيات الاخيرة، وهو ما ربما عد مبلغا زهيدا في حملة بمثل تلك الاهمية، الا ان هناك من يقول ان «انرون» هي التي سبق لها ان مولت وصول بوش الابن الى منصب حاكمية ولاية تكساس، وانها نالت مقابل ذلك حظوة أكيدة ومكانة خاصة على صعيد سوق الطاقة في الولاية المذكورة. واذا ما قيض للرئيس جورج بوش ان يخرج سالما من تلك الفضيحة فذلك لن يكون، عدا براءته المحتملة طبعا، الا بسبب استشراء الفساد وعدم انحصاره فيه وفي انصاره. ويبدو ان اوساطا واسعة، جمهورية ديمقراطية، ناهيك عن المؤسسات النقدية، تورطت في هذه الفضيحة المدوية. وبعيدا عن الخسارة المادية، يمكن النظر الى انهيار «انرون» من الجانب الاخلاقي على أنه أفدح تأثيرا من الارهاب كفعل منظور مثلما ظهر في واشنطن ونيويورك، فقد عبرت هذه الشركة والداعمين لها من السياسيين المستفيدين من عقلية «ارهابية» اشد قسوة وعنفا لا تعبأ بتخريب الحياة السياسية والاقتصادية في بلادها وفي العالم كله، وكشف انهيارها عن انهيار منظومة القيم الكبرى في المجتمع الامريكي وعن «تراث من الفساد» على حد تعبير السناتور بايرون دوجان رئيس لجنة الكونجرس الخاصة بالتحقيق في انهيار «انرون»، كما وضع مصداقية ايديولوجيا العولمة والاقتصاد الرأسمالي المغالي في الليبرالية على المحك، فهذا الانهيار المفاجئ والكبير زعزع الاعتقاد بقدرة اقتصاد السوق على تنظيم ذاته وتقويم اختلالاته بوسائله الخاصة وبفعل ديناميكية التي هي من صلبه، وجعل مثل هذه المسلمات عرضة للتشكيك والمراجعة.