الملف السياسي: إني أشتم رائحة عملية «تستر» جارية ويتدفق شيء منها إلى بعض نواحي جلسات التحقيق وسماع الشهادات الجارية حاليا حول شركة انرون في بعض لجان الكونجرس. يذكرني هذا الأمر بقضية درستها بشيء من التفصيل قبل 60 عاماً، وهي قضية القرصان المشهور «الكابتن كيد» Captain Kidd. فالكابتن «كيد» مثل شركة انرون كان في زمانه ربانا مأجورا للقيام بعمليات نهب وسرقة تم تفويضه من قبل الدولة مثل انرون، أي كان «قرصانا» (ـ1). أما خريطة الملاحة التي اتبعها في رحلاته فقد تم إصدارها بالنيابة عن الحكومة الملكية في إنجلترا، لكن رحلاته كانت تنطلق من المستعمرات الإنجليزية في أمريكا الشمالية. وفقا للسجلات التي تم تجميعها تحضيرا لمحاكمته وإعدامه لاحقا، كانت هنالك فترة انتشرت فيها نزعة للعصيان بين أفراد طاقم سفينة الكابتن «كيد» الذين كان لديهم ميل شديد إلى اللصوصية. كان السبب الظاهري لحالة العصيان هذه هو مرور فترة طويلة وهم يجوبون البحار دون الحصول على طريدة مشروعة من النوع الذي فوضت من أجله مغامرة القرصنة. وتقول التقارير أن «كيد» نفسه تم تهديده بالقتل إن لم ينجح في اقتناص طريدة ثمينة. وحسب تقديرات ذلك الزمان، وتحت هذه التهديدات من قبل الطاقم قام كيد بمهاجمة طريدة كبيرة لكن لم تكن من النوع المشروع... وهو بمعنى آخر ما وقع لانرون، حيث تم اختيار غنيمة خارج حدود اللصوصية التي من اجلها تم منح الرخصة لمهمة القرصنة بشكل علني. ولا يعرف أحد إلى اليوم حجم الغنيمة التي تم نهبها في تلك العملية، ولم يجد أحد كنز الكابتن كيد المزعوم. أما الأشخاص في أمريكا الذين ساندوا مغامرة كيد فقد أحسوا بالامتعاض بسبب فشلهم في الحصول على أية أرباح. وقاموا بالتخلص من صنيعتهم كيد الذي تم أسره واقتياده إلى لندن حيث تم إعدامه. قبل أكثر من نصف قرن وفر لي قسم الكتب النادرة الممتازة في المكتبة العامة ببوسطن إمكانية الحصول على الوثائق الجديرة بالذكر الخاصة بهذا الموضوع ومنها حكم الإعدام الذي كان يفترض به أن ينهي القضية. لسوء الحظ تم التغاضي في القرون اللاحقة عن المعاني المهمة لهذه القضية بسبب حماس البعض المفرط إلى اكتشاف المكان الذي قيل أن كيد دفن فيه كنزه الذي أشيع عنه الكثير. لقد مرت عقود كثيرة منذ أن درست تلك الوثائق، وتغيرت أخلاق أمتنا أثناء ذلك نحو الأسوأ. وهنالك درس يمكن تعلمه حول الكيفية التي تغيرت بها تلك الأخلاق. لم تكن الجريمة التي تم اتهام كيد بها ـ كما هي الحال مع الأفعال المشبوهة لشركة انرون ـ ذات طبيعة شخصية، بل ذات طبيعة شاملة مرتبطة بالنظام السائد ككل وهو الأمر الأكثر خطورة. فكما حصل في قضية «كيد»، تم التغاضي عن الصفة الشمولية النظامية لجريمة انرون، أي نظام القرصنة بعينه، من قبل أولئك الذين فضلوا توفير دموع الكونجرس الغزيرة لذرفها على معاناة المستثمرين. في قضية شركة انرون اليوم، التي يمكن مقارنتها بالقضية السابقة، ماذا عن معاناة أولئك الذين ـ بخلاف الذين دعموا »كيد» وأولئك الذين عملوا في رحلاته ـ الذين لم يكونوا موظفين في انرون ولا داعمين لها في مغامرتها للقرصنة؟ ماذا عن أولئك الذين لم يحصلوا على حصة من ثمار انرون، ولكنهم مثلهم مثل جميع سكان ولاية كاليفورنيا وحكومتها ربما خسروا معظم مخصصات تقاعدهم ورعايتهم الصحية بسبب التأثيرات الشاملة لنفس سياسات إلغاء قيود تنظيم الأسعار والخدمات (أو تحرير الأسعار deregulation ) في قطاعي المال والطاقة التي لا تمثل شركة انرون المليئة بالفضائح إلا صورة من صورها؟ آلهة الانتقام تحلق فوقنا مهما يكن ما تبقى اكتشافه أو تقريره بخصوص تفاصيل قضية انرون، فإن بعض الاستنتاجات قد ظهرت منذ الآن بما لا يقبل الشك. فقد تم إلقاء القبض على «المراوغ الماكر» لكن «فيجن العجوز» (ـ2) لسياسات تحرير الأسعار والأب الروحي لموجة الجرائم لا يزال يمشي متهاديا. هل لهذا السبب ربما نسمع حفيف أجنحة آلهة الانتقام في الجو؟ إن أهم صفة من صفات عمليات الاحتيال المرتبطة بانهيار انرون هي دور العقود المالية الآجلة derivatives. لقد وصل انهيار شركة انرون إلى هذه المرحلة النهائية الحالية لأن أقساما معينة من السوق العالمية للعقود المالية الآجلة وصلت إلى حافة انهيار متسلسل يشمل كل ذلك القطاع من سوق المضاربات المالية العالمية. إن الظروف التي أوصلت إلى الحافة الراهنة لانهيار متسلسل شامل هي تلك التي تم عرضها بدقة شديدة في الرسم البياني الذي وضعته باسم «المخطط البياني الثلاثي» الذي أصبح معروفا عالميا. فخلال المدة من منتصف عام 2000 أصبحت كميات النقد الجديد التي يتم ضخها والضرورية للمحافظة على المستويات الحالية لأسواق مال رئيسية أكبر بكثير من كمية قيم الأوراق المالية. فقد كانت الأسواق المالية قد دخلت في لولب تضخمي فائق من النوع الذي أصاب حكومة فايمار الألمانية عام 1923. فاستمرار ضخ النقد بهذه الطريقة في سوق ألغيت فيه قيود التنظيم سيعني انفجار النظام. ثم نتج عن ذلك حصول انقباض في القطاع الأشد تخمة والأشد إغراقا في المضاربات من قطاعات الفقاعات المالية العالمية اليوم، وهو قسم العقود المالية الآجلة. ويعتبر قسم العقود الآجلة للاعتمادات أشدها عرضة للخطر في اللحظة الراهنة. إن سياسة التحقيقات المقترحة التي تريدنا أن ننظر إلى شركة انرون فقط كما يطرح ذلك بعض أعضاء الكونجرس تشبه في كفاءتها محاولة إطفاء حريق غابة بسقاية زهور. منذ عامي 1995 و1996 خاصة تحاول غالبية مؤسسات النظام السياسي الأمريكي ومنها بالطبع «الأخ الكبير» لوسائل الإعلام والترفيه التي يسيطر عليها أصحاب المليارات تأليف قصص خرافية مثل وعود المجد الجنونية «لثورة الشئون العسكرية» وفقاعة «الاقتصاد الجديد» في الأعوام 19952000 التي انفجرت الآن وخرافة أزمة «آسيوية فقط» عام 1997 وخرافة «إنها مجرد إشارة عابرة» عندما انهارت فقاعة صندوق المضاربات «لونج تيرم كابيتال مانيجمينت» عام 1998. وآخر حكاية من هذه الحكايات الخرافية هي «لنأمل أن قضية انرون هي قضية معزولة»! توقفوا عن محاولة خداع الناس على منوال قصة «كيد» نفسه. فسبب الأزمة ليس «كيد». سبب الأزمة يكمن في نظام القرصنة، أو ما يسمى اليوم نظام «تحرير الأسعار». فأنتم ومن ضمنكم أعضاء الكونجرس الذين مررتم سياسة تحرير سعر كل شيء تقريبا وكأنما تتبعون طقسا دينيا قد شرعتم الجريمة بذاتها في واقع الأمر. فأمامكم جرائم مثل جريمة انرون اليوم لأنكم في واقع الأمر صوتم لها، ليس لأنكم كنتم تعرفون فعلا ما تفعلون بل ببساطة وكما هي العادة «حتى تسيروا مع السائرين». والآن اسمعوا حفيف أجنحة آلهة الانتقام. انرون ليست حالة معزولة. هي فقط أولى حالات الوفاة في وباء زاحف. لقد حان الوقت للتغيير، وتغيير كبير جداً. فأيها السادة أعضاء الكونجرس، قد يعني ذلك أنه الوقت لتغيروا ما بأنفسكم، أو كبديل لذلك تغيير في داخل الشخص المنتخب الذي سيحتل مقعدكم بعد الانتخابات المقبلة. (ـ1) جاءت مفردة قرصان هنا من الكلمة الإنجليزية privateer وتعني أن القرصنة في هذه الحالة تتم بتفويض من الحكومة لمهاجمة السفن التجارية للعدو والاستيلاء عليها أو تدميرها وتكون جائزة القراصنة هنا هي حق تقاسم وتملك محتويات السفينة. لذلك تكون القرصنة التي تتم ممارستها هنا مختلفة عن القرصنة التي يمارسها القراصنة الخارجون عن قانون تلك الحكومة وأية حكومة أخرى pirates الذين يعملون لحسابهم الخاص فقط. ويوجد وصف تاريخي لشخصية الكابتن كيد وعمله للحكومة الإنجليزية في أواخر القرن السابع عشر في الموسوعة الأمريكية إنسايكلوبيديا أميريكانا. (ـ2) شخصيتان من رواية أوليفر تويست للكاتب الإنجليزي تشارلس ديكنز