ليس من السهل على المرء أن يتابع من موقع المواطن أو الاقتصادي أو السياسي في عالمنا الثالث ما يحدث الآن في الولايات المتحدة فيما يعرف بفضيحة شركة إنرون، ذلك أننا لا نريد مرة أخرى أن نصدم بالقول أن اقتصاد السوق لا يستطيع أن ينظم نفسه بنفسه،وأن الفساد الإداري، الذي هو من ثوابت عالمنا المتخلف هوأيضا من الركائز التي تقوم عليها أكبر قوة في العالم. وانه أيضا في ذلك العالم الذي نتوق للعيش فيه أو نرغب أن نصبح مثله في القوة والفعالية، أو نوهم أنفسنا بذلك، هو أيضا عالم يضحك فيه الرئيس على مرؤوسيه، والمنتخب على الذين انتخبوه، ومدير الشركة على من وضعوا فيه الثقة وتركوا له احتياطي العمر يتصرف فيه. بل يشترك في الجريمة الواحدة فيه الجميع وفي كافة المستويات إلى درجة أن تساءلت بيسنس ويك: وهل بقي لنا أن نثق في أحد. أعجبني وصف أحد البرلمانيين الأمريكيين لما حدث بين شركتي أنرون التي قامت بالعمل الإجرامي وأندرسن التي كان من المفروض قانونا أن تمنعها من ذلك، أنهمايشبهان المجرمين اللذين قاما معا بالسطو على أحد البنوك: أحدهما نفذ العملية والثاني وفر السيارة للفرار. وقد لخص هذا الوصف جزءاً من الحقيقة المخيفة التي تخفيها هذه الفضيحة ضمن سلسلة الفضائح الأمريكية المتتالية: كون المسألة لاتتعلق فقط بفساد إداري في شركة من الشركات، أو باختلاس معزول، أو تحايل محدود أثرى من جرائه بعض الأشخاص، إنما هي عملية مركبة وشديدة التعقيد، المشاركون فيها من جميع المستويات ومن جميع الأصناف تبدأ برئيس الولايات المتحدة وتنتهي عند أحد أفراد العائلة المسيرة لسابع أكبر شركة أمريكية. أي بعملية لها علاقة باقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية ككل، وبالنظام السياسي الأمريكي ذاته، وربما بالاقتصاد الرأسمالي بشكل عام على حد ما ذهبت إليه بعض التحاليل. الرئيس بوش متهم! ولعل هذا ما جعل موريد دويد من نيويورك تايمز لا تستثني أحدا في مقالها الصادر في 27 يناير الماضي : عائلة الرئيس بوش الابن والأب، سيناتور تكساس فيلغرام وزوجته وندي وأمين المال بول أونيل والرئيس المستقيل للشركة كينيتلاي،... عندما وصفتهم جميعا بأنهم كالذين يعيشون في كوكب ليس فيه سوى المصالح المتطابقة. فالكل متواطيء مع الآخر من أجل التغطية على إحدى أكبر الفضائح التي عرفتها الولايات المتحدة والتي أنست الأمريكيين يوم الـ 11 من سبتمبر المشؤوم. كتبت التايم يوم 28 يناير الماضي :إن الأكثر فظاعة في هذه القضية هو كون الكذب والخٌلق المشكوك فيه اللذين أديا بإحدى أكبر الشركات تأثيرا إلى الإفلاس أصبحا أمرا عاديا وأحيانا قانونيا، وأنه ليس من السخافة في شيء أن يخشى المرء أن تكون هناك إنرون أخرى خلف صندوق معاشه أو ذاك الذي يدفع له أجره. ومعنى ذلك ، انه بغض النظر عن الأسباب والملابسات التي أدت إلى هذا الإفلاس، فإن نتائج ذلك على النفسية الأمريكية اكبر مما يجعل المحلل لا يمكن أن يكون غير مبال بأهمية تحليلها أو متابعتها لاستخلاص العبرة منها. 70 مليون أمريكي متضرر فهنا أكثر من 70 مليون أمريكي يعدون من ضحايا هذا الإفلاس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ومنهم من وجد أن احتياطه للمعاش الذي كان يقدر بـ 750 ألف دولار أصبح لا يزيد عن الـ 10 آلاف بعد انخفاض قيمة أسهم الشركة من 40 دولاراً إلى 30 سنتا. والمرتبطون منهم مباشرة بالشركة اكتشفوا أنهم كانوا ضحية احتيال من أعلى طراز إذ في الوقت الذي شجعتهم إدارة الشركة على استثمار معاشاتهم فيها، ومنعتهم من سحبها، قام ممثلوها وعددهم 29 ببيع أسهمهم قبل فوات الأوان ما بين 1998 ونوفمبر 2000 بما يعادل 1.1 مليار دولار. استفاد شيفورد بوكستر نائب الرئيس المنتحر في نهاية الشهر الماضي وحده بـ 35.2 مليون دولار منها. واكتشف ملايين الأمريكيين كيف أن وال ستريت ضالعة هي الأخرى في هذاالاحتيال. وكيف أن مؤسستين بنكيتين على الأقل لحد الآن هما بنك دي مورجان، وبنك سيتي قروب قد قدما لوحدهما للشركة المفلسة مساعدات بقيمة 3.6 مليارات دولار ساهمت في خلق بنية مالية بداخلها وأنشأتا مركزا مالية وهميا لها لتستمر في ابتزاز الآخرين والثراء على حساب غالبية العمال الأبرياء. وجددوا اكتشافهم في مسألة أصبحت مألوفة لديهم: أن المال مازال يتدخل ويحكم في السياسة ويفسدها. فالرئيس الأمريكي كانت له علاقة مع الشركة منذ أن كان في تكساس وحكمه هو الذي مكنها من أن تحتكر سوق الخدمات والطاقة في الولاية ثم تحتكر فيما بعد مسئولية تنظيمها على مستوى كافة الولايات المتحدة. و70 بالمائةمن أعضاء الكونجرس تلقوا بطريقة أو بأخرى تمويلا منها لحساب حملاتهم الانتخابية وعلى رأسهم النائبان جوزيف ليبرمان ووليام توزين الجمهوري. وتراوح التمويل بين 532000 ألف دولار للحزب الديمقراطي و794000 دولار للحزب الجمهوري،مرورابحملة انتخاب جورج بوش الابن 113000 دولار، وآل جور بـ 13700 دولار، وبوب دول ب95000 دولار، وجورج بوش الأب بـ 13000 ألف دولار، وبيل كلينتون بـ 100 ألف دولار، دون الحديث عن الدعم غير الرسمي وغير المعلن عنه وهو الأهم في مثل هذه المسائل. أي أن الأمريكيين عاشوا مباشرة هذه المرة فضيحة تمسهم في صميم حياتهم اليومية وليس كما كان في السابق عندما كان الأمر يتعلق بمن هم داخل البيت الأبيض كمونيكا جيت أو لها علاقات بأسرار السياسة الخارجية كـ إيران جيت أو غيرها من الفضائح. فعندما تفلس شركة في حجم إنرون فمعنى ذلك أن ملايين الأفراد سيتأثرون ليس معنويا فحسب بل وفي قوتهم اليومي. وهو ما يعطي القضية كافة أبعادها. ويجعل من آليات حدوثها تحمل أكثر من دلالة على مستقبل الاقتصادالأمريكي والاقتصاد الرأسمالي بشكل عام وتقدم لنا نحن دروسا في غاية الأهمية في مجال اقتصاد السوق، والاقتصاد الحر الرأسمالي الذي نكاد نتبعه ونحن مغمضو العيون. ولعل أهم هذه الدروس أنه ليس صحيحا أن اقتصاد السوق يمتلك آلية تلقائية لتنظيم نفسه بنفسه تمنع عنه حدوث مثل هذه الانحرافات. فقد بينت آليات التحايل التي اعتمدها مسيرو أنرون كيف أنهم استطاعوا طوال سنوات عديدة منع هذه الآليات من أن تسمح باكتشاف الخلل القائم في الآلية الاقتصادية وذلك باعتماد أساليب تبتكر من قبل خبراء السوق ذاتهم للتحايل عليه. والنموذج الأول لذلك هو كيف تمكنت الشركة من إنشاء آلاف الفروع لها لتغطية الخسائر لعدة سنوات ولتبرير صرف أموال تخرج لكي لا تعود إلا لجيوب المدبرين لمسألة خروجها. ففي ظرف قصير تم فتح 881 فرعاً في ما يُعرف بالجنات المالية من بينها 693 فرعا في جزر كايمان وحدها كانت محور للعديد من الحسابات المزيفة . كما أنها كانت تنشئ مؤسسات لا لشيء إلا لشراء مؤسسات أخرى لا يعلم بها أحد مثلما فعلت مجموعة تيكو TYco بجزر برمودا عندما صرفت مبلغ 7 مليارات دولارلشراء 700 شركة دون أن يعلم بذلك أحد. أما النموذج الثاني فهو إدخال أنماط محاسبية على المقاس من شأنها تغطية الوضع المالي حسب الحاجة. وفي هذا المجال ابتكرت شركة جولدان Sachs منتجا محاسبيا عجيبا لإنرون اسمه MIPS «Monthly Income Preferd Share» يقدم للضرائب على أساس أنه ديون تبرر مصاريف وتخفيضات في الرسوم ، ويقدم للزبائن على أساس أنه أملاك خاصة... بالإضافة إلى أساليب كثيرة قائمة على التلاعبات المحاسبية القادرة على تقديم الربح على أساس أنه خسارة والعكس. مما أدى بالمساهمين في الكثير من الشركات الأمريكية إلى الشروع في مراجعة مواقفهم بعد الذي حدث لإنرون. وقد تساءل أحدهم مقتنعا هذه المرة: وهل يمكنني أن أصدق أن شركة أخرى مثل جنرال إلكتريك قد حققت 17% من النمو في العشرين سنة الماضية.؟!. والنموذج الثالث هو الكذب المفضوح على المساهمين من قبل المجالس الإدارية التي كانت تتستر على تلاعبات التسيير بالرغم من كونها وجدت في الأصل للدفاع على المساهمين وتشكلت من قبل إداريين يٌفترض أنهم مستقلون. وقد تأكد اليوم أن مجالس إدارة شركة أنرون كانوا يتسترون على تلاعبات مسيري الشركة الذين يعرفون علاقاتهم الواسعة خاصة مع السياسيين. اشتراك السياسي والمالي في الجريمة وهي نماذج كافية لتبين أنه بالإمكان فعل كل شيء حتى ضمن اقتصاد السوق وآلياته، إذا ما عم الفساد واشترك السياسي والمالي في الجريمة. ولعل هذا ما دفع اليوم بعض المحللين إلى التساؤل عن جدوى ما ستقوم به المؤسسات الحكومية الأمريكية لمعاقبة المتسببين في هذا الوضع. فالديوان العام للمحاسبة GAO الذي يفترض أن يمثل الدولة في مجاله على رأسه دافيد والكر وهو جمهوري قريب من الرئيس جورج بوش الابن. وإذا كان سيستلم تقريرا فمن اللجنة الرئاسية التي يرأسها ريتشارد تشيني وهو نائب الرئيس وممانعتها بخصوص تسليم خلاصة تقريرها لا شك أنه بأمر من جورج بوش. والنواب الذين من المفروض أن يقوموا بعملهم في هذا المجال لدفع المؤسسات الحكومية للإسراع بتقديم ما بحوزتها للجان التحقيق تتحدث الأخبار أن الكثير منهم سارع لإعادة الأموال التي أخذها من آخرين وتسليمها لجمعيات خيرية قبل أن يفقد شعبيته ومصداقيته لدى الرأي العام. والصحافة لا تجد ما تقوم به سوى أنها تستمرفي مزيد من الفضح والتشهير و إبراز ضخامة الجريمة. يبدو أن الأمر بالفعل شديد التعقيد بعد أن وصل إلى هذه الدرجة من التعفن. وأنه ليس فقط مجرد فضيحة عابرة ستقوم بعدها الولايات المتحدة كما قامت من الفضائح السابقة إنما هو مرض داخلي ينخر جسد الاقتصاد الأمريكي الذي ما فتئ يعاني من الانكماش منذ سنوات. فالشركات والبنوك العالمية اليوم أصبحت تخشى من انعكاس ما يحدث بالولايات المتحدة على وضعها وسمعتها. وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال الاحتياطات الكبيرة التي بدأت تقوم مثل جنرال إلكتريك وفرانس تيليكوم ,دوتش بنك وسيتي بنك وغيرها من الشركات. كما أن شركات أخرى داخل الولايات المتحدة اضطرت إلى تخفض ودائعها إلى الثلث بعد أن انخفضت أسهمها مثل مجموعات: Lucent,Wast manageent,xerox...، ودفعت أخرى ملايين الدولارات كتعويضات لزبائنها بسبب مغالطتهم، ويعم التخوف الكثير من الشركات الأخرى بما فيها: كوكا كولا،وماكدونالدس، وبروكترنت كامبل... أي أن هناك هزة كبرى لدى كبرى الشركات العالمية من جراء هذا الوضع لا شك أنهاستدفع الكثير من المحللين الاقتصاديين إلى طرح أكثر من سؤال: هل الاقتصاد الحر يعاني من أزمة خفية؟ هل أن تعديلات في آلياته تصبح أكثر من ضرورة الآن؟ هل بلدان العالم الثالث في حاجة اليوم إلى أن تعرف هذه الآليات البديلة؟. والكثير من الأسئلة التي ينبغي على اقتصاديينا الإجابة عنها لأنه لا يعقل أن يقال لنا أخرجوا من اقتصاد السوق ونحن لم ندخله بعد، ولا يعقل أن يقال لنا لا أمريكا ليست بخير ونحن الذين لم نبدأ في معرفتها بعد. ـ أستاذ الفكر السياسي والدراسات المستقبلية جامعة الجزائر