لا تزال تداعيات احداث 11 سبتمبر تلقي بظلالها على نطاق واسع عالمياً واقليمياً وتم توظيفها لضرب مجموعة من القضايا في مقدمتها القضية الفلسطينية واعادت طرح مفهوم الإرهاب وضرورة التفريق بين النضال الوطني من اجل الحرية والاستقلال وبين الإرهاب. وللوقوف على مدى تأثير تلك الأحداث على مختلف القضايا، خاصة قضية الشعب الفلسطيني والسعي الأمريكي ـ الإسرائيلي لتصفية المقاومة وفرض الاملاءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ومحاولات الزج بسوريا واتهامها بالإرهاب بسبب احتضانها ودعمها للمقاومة الفلسطينية، التقت «البيان» وصال فرحة بكداش الأمين العام للحزب الشيوعي السوري حيث دار هذا الحوار: ـ كيف تقرئين التطورات الدراماتيكية المتلاحقة بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن؟ ـ طبعاً من غير الممكن ان يعطى حكم نهائي على ما حصل من احداث رافقت، واعقبت ماجرى في نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر، ولكن من الممكن تقديم تفسير مبدئي وبسيط لهذه الأحداث، فما جرى يدل على الأزمة التي يعيشها المجتمع الامريكي سواء أكان من الناحية الاجتماعية، أو السياسية لحد ان من قام بهذا العمل المعقد تتجه الاتهامات الاولية إلى القاعدة وابن لادن وطالبان، وهذا يدعو للتفكير من هي تلك المنظمة التي يمكن ان تقوم بمثل هذا التفجير الذي يتطلب معرفة تكنولوجية هائلة نبسط لنقول هل يستطيع فرد ان يتغلب على اكبر دولة في العالم، دولة مسلحة بأقوى انواع الأسلحة الذرية، والتكنولوجيا، وزعيمة العالم، كيف يتغلب عليها أفراد؟ شعار فضفاض ـ هكذا تبدو الأمور وهم الآن يقتلون بقنابلهم الأطفال والنساء العراة والجياع في ارض لا يوجد فيها سوى الخيام. إذن هم ماذا يدمرون بتلك الأسلحة الفتاكة؟ ان الأحز اب السياسية وبكل بساطة لا تنظر إلى ما جرى فكم كتب في الصحف من تحليلات وتوقعات لقد حللنا ما حدث بعد 11 سبتمبر فقد وقع ما لم يكن في الحسبان، فشعار محاربة الإرهاب الذي اعلنته الادارة الامريكية هو شعار فضفاض. لقد احتلت دول آسيا الوسطى، واقامت عليها قواعد عسكرية، وفي معركة الصراع على النفط وعلى آسيا الوسطى سجلت الولايات المتحدة الامريكية نصراً مجانياً على روسيا، واضحت تهدد حدود الصين أيضاً، وما نراه الآن من نزاع بين الهند وباكستان ليس بعيداً عن المخطط الجيوسياسي، فالشعب في باكستان كان يجب الهاءه بقضية كبرى مثل النزاع الحدودي، بين البلدين كي لا يهب مظهراً احتجاجه ضد الغزو الأمريكي لافغانستان ويمكن ان يقال ان بعض المسئولين في الهند وباكستان هم شركاء في اللعبة، يحاولون ان يصرفوا الانظار عن ما يجري في افغانستان بنزاع مرسوم ومخطط له بين الدولتين. حرب افغانستان نموذج لاستعمار جديد لقد اقامت امريكا حلفاً غير مقدس ضد شعوب الارض كافة واستعملت الارهاب السياسي، والإرهاب الفكري إلى حد اللامعقول، والقت بالاقنعة التي تتستر وراءها السياسة الامريكية، وظهرت عارية على حقيقتها، تريد بسط نفوذها على الكرة الارضية، وعلى شعوب العالم كافة، منتهزة بذلك غياب القوة الكبرى آنذاك الا وهي الاتحاد السوفييتي الذي كان يلجم عدوانيتها، ومحاولات استبعاد الشعوب الاخرى، وكما قلت سابقاً سوف تتضح الحقيقة، وسوف تعرف القيادة الامريكية انه لا يمكن اطفاء نور الشمس، فما تقوم به الآن لا يمكن ان يدوم، وكما يرد في الصحافة الغربية من رصد امور تترتب على ما حدث، وهي انقلاب على السياسة الأمريكية، والقيام بصحوة جديدة. واذا اردنا ان نستخلص العبر بلمحة وجيزة فنقول ان الزلزال لن يستمر طويلاً، ومهما كانت شدة الزلزال فله توقيت معين ينتهي ويضمحل، فالزلزال الحقيقي هو ذلك الذي احدثه غياب الاتحاد السوفييتي، وهذا ما يعترف به كافة الساسة الاذكياء، وهذا ما نراه في التظاهرات الحاشدة للشباب من أحزاب مختلفة في شوارع دول غربية ذات قرار مهم في السياسة الدولية. ان ضربة 11 سبتمبر التي ضربت الإدارة الأمريكية في هيبتها دفعت هذه الإدارة إلى اتخاذ سياسة مسعورة هستيرية غير مدروسة، سياسة بعيدة عن حقوق الانسان التي كان يتذرع بها حكام واشنطن للتدخل في شئون هذه الدولة، او تلك وبحجة مكافحة الإرهاب تقوم بإرهاب لم يشهده التاريخ.. إرهاب يشمل الكرة الارضية بأجمعها، وهذه الظاهرة ليست جديدة، فقد قام هتلر من قبل بتهديد دول العالم، وطرح خياره اما معناً، أو ضدنا، وهذا حرفياً كما أعلن عنه الرئيس جورج بوش الابن ولكن اذا نظرنا إلى التاريخ لعلمنا ان رمال افغانستان متحركة، تغرق من يريد الاستيلاء على ارضها، واذلال شعبها. ان افغانستان، والهجوم عليها ليس كل شيء، كما يريد ان يصورها زعماء البنتاجون ان الحرب الافغانية هي بداية ونموذج ومنعطف تاريخي لأسلوب جديد لاستعمار الشعوب، كما انه وسيلة لصرف النظر عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في النظام الامبريالي العالمي، وقد قرأنا مؤخراً في صحيفة فرنسية عنواناً كبيراً هو «العودة إلى ماركس». الاستغلال الإسرائيلي للحرب ـ بالنسبة للمنطقة العربية، ما هي الانعكاسات التي تركتها أحداث 11 سبتمبر؟ ـ اريد ان اتوقف عند الانعكاسات لما يجري في العالم على منطقتنا، حيث تستغل إسرائيل ما يجري على الساحة الافغانية أسوأ استغلال فمن المعلوم ان الانتفاضة بالرغم من كل من يريد ان يشوه نتائجها، وأهدافها، وان يبدد نجاحاتها، قد دكت اركان المجتمع الإسرائيلي وعزلت شارون الذي كان يمني نفسه بانتصار سريع وقليل التكاليف فتبين انه معزول، وان سياسته الفاشية، وحدت الشعب الفلسطيني في نضال مقدس، واظهرت إسرائيل على حقيقتها، وادخلت الهلع في قلوب غلاة الصهاينة الذين شعروا انهم غرباء، وان الارض تميد تحت اقدامهم، وان لاخيار لديهم سوى القبول بقرارات الهيئات الدولية والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في ان يعيش حراً سيداً على ارضه، وقد فهم العالم ان إسرائيل هي دولة عنصرية، فاشية كما ظهرت امريكا كشريك استراتيجي للدولة الصهيونية بالرغم من انهر الدماء التي تسيل من الشعب الفلسطيني لقد اصبح الجواب واضحاً فاسرائيل تفتقر إلى ثقافة مشتركة وتاريخ مشترك وما يجمع الإسرائيليين الآن هو شيء واحد، هو الكره للعرب، والحقد على الشعوب العربية التي تمتلك كافة مقومات الاستمرارية. ان شارون والحكومة الاسرائيلية تريد أيضاً ابتزاز الدول الاخرى، ورشوة شعبها ببث دعاية شوفونية متعصبة سوداء ضد العرب عبر الهجوم على الإسلام، وشعار مكافحة الإرهاب ترجمته إسرائيل بمكافحة العرب والمسلمين ولكن الجماهير الشعبية من اندونيسيا حتى المغرب سوف تقاوم هذه السياسة. واذا آمنا بأن للتاريخ كما للطبيعة قوانينها التي تسير نحو الأفضل ونحو الأعلى بصرف النظر عن ما يحدث من تغيرات فان المستقبل هو للأفضل ان الموقف من الصراع العربي ـ الإسرائيلي اظهر خلل بعض الأنظمة العربية التي تستمد وجودها من الدعم الأمريكي، وقد باتت الشعوب تنظر إلى هذه الأنظمة بأنها غريبة عنها، وبيادق في رقعة الشطرنج التي يريد حكام البيت الأبيض ان يلعبوا اللعبة الأخيرة بها. ان الاوساط الامبريالية والصهيونية تبث الدعاية المسمومة التي ترمي إلى قلب المفاهيم وفرض مفرداتها على الشعوب الاخرى فيسمون الحجر الذي يحمله الطفل الفلسطيني بالإرهاب، أما الطائرات الإسرائيلية الأمريكية الصنع التي تلقي بالقنابل على البيوت الآمنة والدبابات التي تقتل الأطفال والنساء دفاعاً عن النفس انه استغباء للشعوب التي ترى ببصيرتها بشكل ادق عندما ينجلي هذا الطوفان من العدوانية والسعار، وستعرف حقيقة التحالف الامبريالي الأمريكي ـ الصهيوني. لقد ساعد زوال الاتحاد السوفييتي بأن تتغلغل الصهيونية في إدارة بعض الدول في أمريكا وأوروبا، وأمكنة أخرى، لكن الجشع الصهيوني سيرتد إلى صدر أصحابه، وستكون الدروس قاسية حين تهب الشعوب للدفاع عن سيادتها ومثلها، وعن تاريخها. سوريا لن ترضخ للضغوط ـ باعتبارك شاركت في الحياة السياسية السورية، وانت على اطلاع على ما يجري، كيف ترين حجم الضغوط الأمريكية على سوريا، وما هي الخيارات المتاحة الآن أمام القيادة السورية، خاصة وان سوريا تتهم بأنها تأوي منظمات «إرهابية» كحركتي حماس، والجهاد الإسلامي وحزب الله؟ ـ ان الضغوط التي تمارس على سوريا ليست بالأمر الجديد، وان ما تتعرض له من ضغوط وتهوش انما تدفع ثمن صمودها، وسياستها المبدئية التي جوهرها عدم التفريط بذرة رمل من تراب الوطن. ان الاعداء يقومون بشتى اشكال الضغوط على سوريا على الصعيد الداخلي والخارجي، ولكن الأيام جاءت لتثبت صحة المواقف السورية في التمسك بالسيادة والسلام الشامل الكامل الذي لا ينتقص من السيادة الوطنية، وقد قال احد المبعوثين الأمريكيين حين زار سوريا «الآن بت افهم معنى الكرامة، وهي ما يتمسك به الشعب السوري» واريد هنا ان اورد ما قاله قائد حزبنا الراحل عام 1992 حول هذه الأمور. يقول سألني صحفي أجنبي كيف ستكون في رأيك السياسة السورية المقبلة فقلت له: «اعتقد ان سوريا ستتابع سياستها الوطنية ضد محاولات، أو مساعي الهيمنة الامبريالية، وضد التوسع العدواني الصهيوني». فقال الصحفي: «إلى أي قوة ستثبت في سياستها هذه بعد التقارب السوفييتي الأمريكي؟ فأجبته «سوف تستند إلى قوتها نفسها، وإلى التضامن الشعبي العربي، وإلى تأييد القوى الخيرية في العالم بأسره». ثم قال الصحفي «اسمع انت تعلم دون شك بأن الاستعمار الفرنسي احتل سوريا قرابة ربع قرن، ولم يهدأ له بال يوماً واحداً طوال هذا الاحتلال، وقد قال الجنرال ديجول حرفياً «من يعتقد ان بالامكان اخضاع سوريا فعسى ان يتعظ كل طامع فينا بكلام هذا الرجل المجرب. تفرد الاستيطان الإسرائيلي ان من يريد ان يسمي المقاومة الشعبية والحروب التحريرية التي يقوم بها شعب ما ضدّ محتلي اراضيه إرهاباً نقول له هو نضال مشروع ومقدس، وتتباهى به الشعوب التي تريد ان تبرهن انها لم تتنازل أبداً أمام الغرباء الذين يريدون احتلال اراضيهم. وقد قال الرئيس بشار الأسد بحق في احدى المقابلات الصحفية «بأن الجنرال ديجول الذي قاد المقاومة الفرنسية ضد النازية، هو بطل قومي، ولا يمكن تسميته بالإرهابي ان إسرائيل تخطف عملاء النازيين من دول أمريكا اللاتينية وغيرها لتحاكمهم، وذلك بعد 50 عاماً واكثر من انتهاء الحرب العالمية الثانية، فهل فكر شارون وغيره بمصير جوبلز مثلاً الذي اختطفوه. ان الاستيطان الإسرائيلي يشكل نموذجاً فريداً في العالم للاستعمار فمن المعلوم ان النظام الاستعماري سقط بعد الحرب العالمية الثانية بفضل انتصارات الشعوب والنموذج الوحيد الباقي هو إسرائيل، وكي نعرف اسرائيل على حقيقتها فان استمرارها بسبب الدعم الأمريكي لها مادياً ومعنوياً، وبسبب وجود الصهاينة في العديد من الحكومات والإدارات الغربية ولكن هذا الموقف لن يدوم أبداً، وذلك يتوقف إلى حد كبير على موقف الدول العربية الآن الشعوب العربية اظهرت تضامناً لامثيل له مع حكام تل ابيب والمطلوب من الحكام العرب طرد ممثلي الصهاينة من بلادهم وقطع أي علاقة مع حكام تل أبيب، واظهر ان هذا الثمن ليس باهظاً، وليس هدفاً بعيد المنال قياساً بما يقدمه ابطال الانتفاضة من دماء زكية تسفح ثمناً لتحرير الأرض. وأود ان اضيف ان هذه الجماهير الشعبية العربية تغلي نفوسها غضباً من هذه المهانة التي تمثلها، أو بمعنى آخر التي تعكسها المواقف العربية الرسمية، وما يصدر عن بعض لقاءات وزراء الخارجية العرب، وضمن هذا السياق اقول بأن وزير الخارجية فاروق الشرع يعكس بحق ما تطمح اليه شعوبنا. لقد عكست السياسة الوطنية المبدئية لسوريا، وتعكس أماني الجماهير الشعبية العربية واحلامها وارادتها من اجل عيش كريم لائق، وهذا سر صمود سوريا، وسر التفاف الشعوب العربية، واحترام وتقدير كافة شرفاء العالم لها.