نشرت صحيفة «الوطن» الكويتية، في عددها الصادر يوم السبت 9 فبراير 2002، تعليقاً طريفاً حول المظاهرة البرلمانية التي قادها رئيس المجلس الوطني السوداني ورئيس مجلس الشعب السوري، ورئيس مجلس النواب الكويتي، ورئيس مجلس النواب اليمني وجمهور من الشعب السوداني، حيث اطلق المتظاهرون هتافات منها «لا إله إلا الله.. أمريكا عدو الله»، وتحدث فيها رئيس مجلس الشعب السوري، صاحب اقتراح قيام المظاهرة، قائلاً للجماهير «اليوم نقول سينتصر شعبنا في فلسطين وسنقول لهم في أرض الضفة وغزة وكل منطقة فلسطينية والجنوب اللبناني والجولان، لن نسمح لليهود ان يذلوا أمة العرب، ولن نسمح لهم ان يذلوا أمة التاريخ، هذه أمة وجدت وهي أمة محمد وعيسى وموسى، خير أمة اخرجت للناس جميعاً». ويتولى سليم زعنون رئيس البرلمان الفلسطيني تلاوة باقي الملحمة قائلاً ان الانتفاضة التي لم يوقفها احد الا اذا اندحر الصهاينة عن أرض العرب، وشعارنا طريق الثوار والجهاد مداده الدماء، ولن نكون جبناء ونحن العاصفة الهوجاء لن نقف الا باقتلاع الصهاينة عن ارض العرب. ومع قراءة هذه الزخارف من الأناشيد الحماسية لا يستطيع أي قاريء مقاومة اغراء السباحة في موجات الماضي السحيق، عصر الحناجر والزخارف والمبالغات وعهد التزييف، والتلاعب بالوقائع والتاريخ، ولا يستطيع مقاومة ترديد الاية الكريمة «انا لله وانا إليه راجعون»، واود ابداء الملاحظات التالية حول هذه الحالة المفرطة في اختيار المفردات المثيرة في مدينة الخرطوم: أولاً: كنت اتصور ان العالم العربي قد تشافى من السلبيات الخطابية التي افرزتها الايدولوجيات والأحزاب ومصطلحات المنتديات السياسية، والخلايا السرية التي تصدر المفردات الغيبوبية، التي اشتهرت بها الثقافية السياسية العربية، والتي ادت إلى الانحدار في التعامل مع القضايا المصيرية، ومعالجتها بحماس غير واقعي، وبمغامرات تفاؤلية جلبت التهلكة، ولمعرفة نتائج هذا النهج، من المفيد دراسة الكيفية التي تعاملت بها الفصائل الفلسطينية مع واقعها في لبنان أو الأردن، والآليات التي عالجتها مصر تحت زعامة المدرسة الناصرية لأحداث قبل 1967 وبعدها. ولم يأت في بالي ان ارى حشداً عربياً بهذا المستوى يتطارح الأناشيد العقيمة بحماس يشد النظر. ثانياً: تصورت بأن البنية السياسية العربية الحالية تختلف عن التركيبة الماضية، مع مناعتها ضد الاستسلام للشعارات الفارغة، بسبب تجاربها الماضية مع فقه الخطابة الفائل، وانها تشربت بسبب التجارب والصدمات والانكسارات، بالنهج الواقعي العملي، وبالاعتماد على العقل والتحليل الموضوعي والاستناد إلى الدليل المادي، لكن الواقع ان هذه البنية مازالت اسيرة للأشعار السياسية المثيرة والمؤججة. ثالثاً: كلما اجتمعت البرلمانات العربية تصورت بأنها خطوة نحو الحصول على الثوابت التي لا يمكن الاستغناء عنها، وتشكل زاد البرلمانات ولائحة همومها، والمصدر التي نشأت منه هذه البرلمانات، وهي حقوق الإنسان، وكرامته وحريته وابداعه، والتعبير عن رأيه في وعاء ديمقراطي حر بلا تدخل من السلطة وبلا تزوير أو ضغط أو اغراء، حق المرأة في المساواة، حرية الاختيار والافعال والتنقل في اطار سيادة القانون، بناء المجتمع المدني عبر المنظمات الشعبية والنقابات والتجمعات، تدوير السلطة والمساءلة والشفافية، فصل القضاء، وفصل التشريعات والتنفيذيات، حقوق المواطن وواجباته، غرس المواطنة.. الخ لائحة الهموم التي اعتصرت المواطن العربي اينما كان. رابعاً: لا تتعامل التجمعات البرلمانية العربية مع الهموم السياسية الديمقراطية التي لا يمكن اغفالها، وانما تقوم في دور رديف السلطة في بلدانها، وهي امتداد سياسي واتساع بيروقراطي، وجزء لا يتجزأ من آليات التنظيمات السياسية في هذه البلدان، وهي في واقعها، ليست برلمانات، وليست مجالس تشريعية، وانما يافطات جامدة مرددة ببراعة بغبغائية لشعارات حكوماتها وشريكة مع هذه الحكومات في التنكر لأبسط حقوق المواطن، وسالبة لما منحه له الخالق العظيم، وهي خصم وليست صوتاً، وطاردة وليست مانحة، وهي تجمعات لا تختلف عن التجمعات التي اقامتها موسكو في الجزء المحتل من ألمانيا الشرقية، وسميت مع السخرية، جمهورية المانيا الديمقراطية، وهي لا جمهورية ولا ديمقراطية. خامساً: لا اعرف عدد البرلمانات العربية المجتمعة في الخرطوم، ولكنني اعرف ان برلمان الكويت من اكثرها شرعية، فهو برلمان منتخب، وينجح بنصف الأمة، لكنه لم يأت بالتزوير ولا بالضغط، ولكن لا اعرف مدى شرعية البرلمانات في كثير من الدول الاخرى. واعرف ان مواطنيها مسلوبو الارادة، والحق والاختيار، لم اسمع عن انتخابات جرت في العالم العربي، وباشراف مراقبين دوليين، وانما القاعدة يؤسس النظام برلماناً صورياً، اعضاؤه من الحزب الحاكم، ورئيسه عضو فعال في الحزب الحاكم، مسنود من المخابرات، وهو عضو لا ينفصل عن آلية الحكم المستبدة، ولذلك فقد انحصرت هموم البرلمانات العربية في تنظيم المسيرات، ورفع الشعارات، والصراخ في وجه الاحتلال، والعويل ضد امريكا، ولا يتحدث البرلمانيون العرب عن أزمة الديمقراطية في العالم العربي، ولا يتحاورون عن فنون الحكم الحديثة في التدوير والمحاسبة والمساءلة، ولا يعترفون بالمعارضة، وكل همومهم القضايا التي تشغل الحكام، ولا يتعاملون مع القضايا التي ترهب هؤلاء الحكام. سادساً: يتناقش البرلمانيون العرب في العناصر التي تشكل لائحة الهموم للأسرة الدولية في جوانبها السلبية، فلا يرتاحون للعولمة، ولا يقبلون شروط منظمة التجارة العالمية، ويعادون صندوق النقد الدولي، ويتهربون من الاصلاح الاقتصادي، ويتخوفون من الانفتاح، ويكرهون القطاع الخاص، ويتوحشون من المنظمات الاهلية، ولا يقدرون على التناغم مع المتطلبات الحديثة في العلاقات الدولية. سابعاً: لا أدري مسببات العزوف عن تبني وثيقة واضحة وواقعية تدعو إلى الانفتاح التدريجي في النظم السياسية العربية، وتحفيز المواطن نحو الحرية والديمقراطية وممارسة ارادة التعبير بلا خوف، مع اتخاذ تدابير عقابية ضد الدولة التي لا تسير وفق المباديء التي جاءت في هذه الوثيقة، واعتقد ان المردود من هذه الخطوة اكبر من ترديد الزخارف التي لا معنى لها، والتي توقع اصحابها في مطبات محرجة، ولا اعرف كيف يستقيم حديث رئيس المجلس الوطني الفلسطيني حول الاصرار على استمرار الانتفاضة حتى تطهير الاراضي العربية من الصهاينة، مع تعهدات الرئيس عرفات والسلطة الفلسطينية بوقف العنف ومطاردة المحرضين عليه، ومقاومة التوجهات الانتحارية، وتحريم الاعتداءات على المدنيين، والدعوة إلى وقف اطلاق النار، مع تعهدات كتابية ارسلها الرئيس عرفات إلى الجماعة الأوروبية في واشنطن. ثامناً: وربما من باب الصدف ان تتولى الولايات المتحدة هذه الايام ترتيبات وقف اطلاق النار في السودان، بين الشمال والجنوب، وتتخذ تدابير فعالة في الاشراف على وقف اطلاق النار ومراقبة الطلعات الحربية لسلاح الطيران السوداني، مع سعي الخرطوم الواضح إلى ترسيخ علاقات قوية مع واشنطن. وربما أيضاً من المستحسن استذكار المساعي التي تقوم بها كل من ليبيا والجزائر واليمن ولبنان وغيرها لاقامة علاقاة ودية وعملية مع واشنطن، فلا يستقيم ذلك مع العويل المدوي في سماء الخرطوم بسقوط أمريكا، من أصوات البرلمانيين العرب. تاسعاً: وربما من المفيد أيضاً الاستذكار ان الديمقراطية والحرية وابداع الإنسان واطلاق فكره وجهوده وطاقته، نحو التنمية والمشاركة، والشعور بالانتماء والتعامل مع النظام السياسي هو خير الطرق المؤدية للتفوق الفكري والتكنولوجي، وخير الطرق للتقدم الاقتصادي والازدهار الجماعي. عاشراً: منذ ايام عقد في مدينة شرم الشيخ المصرية مؤتمراً للدول المانحة تعهدت فيه بتقديم عشرة بلايين دولار إلى الخزينة المصرية على فترة ثلاث سنوات، وبشكل منح أو مساهمات، جاءت أغلبها من المجموعة الأوروبية، ومن واشنطن ومن اليابان، بالاضافة إلى دول الخليج، كما تعتمد السلطة الفلسطينية على المنح المالية القادمة من هذه المصادر، وتسعى الدول الاخرى بما فيها الخرطوم، عاصمة المظاهرة إلى الحصول على أموال تنعش آمال حكومتها بالتنمية، ولا يوجد شك بأن هذا الاتجاه يشكل قاعدة للجميع. ولا ينسجم ذلك الموقف المروع في المظاهرات مع السعي للحصول على أموال تنموية من الذين نلعنهم نهاراً وجهاراً، ونشكك في نواياهم، ونرفضهم حضارة وفكرا ونهجاً، بينما نتوسل أموالهم وأرصدتهم. اشعر بالخيبة، من هذا الاداء غير الناضج، واكرر خوفي بأن يتم تحول البرلمانات العربية إلى أجهزة رديفة لمؤسسات القمع والاستبداد.