بيان الاربعاء: فى مقال سابق تم تشخيص العوائق التى واجهت الديمقراطية فى السودان، منظمات المجتمع المدنى بما فيها الاحزاب السياسية وأثرها فى تعثر مسيرة الديمقراطية، سلبية المثقفين وما اضافه الاستقطاب الاقليمى والدولى من ابعاد جديدة عقدت الازمة، لتكملة الصورة فى هذا المقال اجتهاداً لحلول تهدف الى فتح ابواب الحوار بين المثقفين السودانيين للمساهمة بفعالية في معالجة اشكالية الحكم فى بلادهم. مستقبل الحكم فى السودان القضية المحورية فى السودان هى شرعية الحكم. يجب ان نعترف بوجود ازمه لها ابعاد عديدة بعضها موروث والبعض الآخر صنعناه بأيدينا. معالجة هذه الأزمة تبدأ أولا بالاتفاق بأن اساس الشرعية فى السودان هى الديمقراطية. السؤال: كيف نصل للديمقراطية؟ استعادة الديمقراطية لا تكفى، ما نريده هو استعادة الديمقراطية واستدامتها. الحل المطروح هو الحل السياسى الشامل. السودان بلد متعدد اثنيا ومتنوع ثقافيا ودينيا، بلد بهذا الحجم والتنوع لا يمكن ان تحل قضاياه بالقوة ولا بوصفة تفرض عليه من الخارج ان كان للخارج دور فهو عامل منشط. الآن وللأسف المعادلة مقلوبة، المبادرات الخارجية هى الرائجة. النظام الحاكم بمنطقه وادواته وهى التى احدثت الازمه وتعمل على تغذيتها يوميا رغم ما يقال عن انفراج نسبى متمكن من السلطة وممسك بمفاصلها فى الطرف الآخر معارضة رافضة لنهج النظام وادواته بوسائل مختلفة، كلا الطرفين لم يتمكنا من حسم الصراع «توازن الضعف» الآن حدثت متغيرات كثيرة محلية الانفتاح النسبى، واقليمية اهتمام دول الجوار العربى والافريقى بالشأن السودانى، دوليا اهتمام الاسرة الدولية بقضايا الديمقراطية وحقوق الانسان، اضافة الى اجماع كل الاطراف بأن قضية السودان لا يمكن أن تحل الا بالحوار، استثمار كل المتغيرات يمكن أن ينقل البلاد الى مربع جديد «البيئة المناسبة للحل السياسى الشامل» هناك نقطة لا تقبل الجدل هى أن الحريات الاساسية واحترام حقوق الانسان حقوق طبيعية لا تمنحها سلطة فهى نابعة من المجتمع وعلى المجتمع انتزاعها ان اغتصبتها السلطة. الوصول للهدف وهو تحقيق الاستقرار فى ظل نظام ديمقراطى مرتبط بأن تتخلى كل القوى السياسية عن الرؤية الذاتية والحزبية الضيقة واعطاء الاولوية المطلقة لمصالح البلاد العليا ولمشاركة واسعة تعطى القواعد والمواطنين فى المدن والاطراف فرصة المساهمة فى اتخاذ القرار فى مناخ ديمقراطى،الديمقراطية تعنى ايجاد صيغة لحل مشاكل الحكم، صيغة تجعل الحاكمين خاضعين لارادة المحكومين او مضطرين للخضوع لها خضوعا دوريا ومنظما «الانتخابات» والديمقراطية تعنى المشاركة بمعناها الواسع، المشاركة تعتمد على وعى المواطن بحقوقه ولكن وللأسف نحن فى بلد لا يعى فيها المواطن حقوقه وان وعاها لا يجد فى البحث عنها والمطالبة بها. لهذا عندما نتحدث عن استعادة الديمقراطية واستدامتها يجب أن نهتم قبل الهياكل والدستور بالمواطن الفرد فهو اللبنة الاساسية فى البناء الديمقراطى. نعم هناك دوائر اخرى مهمة «دائرة الدولة ودائرة المجتمع» ولكن المعالجة الشاملة تستوجب الاهتمام بالدوائر الثلاث. (1) دائرة الدولة: ـ الاصلاح فيها يعنى الانتقال من الحكم الشمولى الى الحكم الديمقراطى ـ من سلطة مطلقه الى سلطة مقيدة «بالقانون ـ رقابة المؤسسات والرأى العام التوازن بين الحقوق مع الاهتام بالحرية الفردية وتلازمها مع الحرية السياسية ـ الأولى «الحرية الفردية هى الغاية» اما الثانية فهى مجرد وسيلة لحمايتها لذلك اصبح الاستثمار فى البشر اعظم استثمار فى كل الدول المتقدمة، الاهتمام برأس المال البشرى له الاولوية «التربية والتعليم» الرعاية الاجتماعية والثقافية بهدف تطوير وتنمية مهاراته أما فى بلادنا الفقيرة فالحال بائس. الانسان المتوازن: نتيجة للتحولات الخطيرة واثارها غير المحدودة على كل انسان على سطح الكرة الارضية اصبح الانسان فى دول العالم الثالث فى حالة تمزق بين الواقع الذى يعيش فيه وتطلعاته للوصول لعالم آخر سبقه فى كل مجالات العلم والمعرفة، نظرة سريعة وفاحصة لتصنيف البشر فى دولة مكبلة بكل اسباب التخلف وفساد الاداره يمكن أن توصلنا الى الآتي: بعض المواطنين توفرت لهم فرص التعليم فى الداخل والخارج مكنتهم من الانفتاح على الفضاء المعلوماتى ومن اللحاق بالعصر والتفاعل معه والظاهرة عامة في كل دول العالم الثالث وما ترتب عليها من هجرة العقول للبلاد المتقدمة حيث بدأ الحديث عن الانسان العالمى والبحث عن اجابة لسؤال فرض نفسه أخيرا أيهما افضل للانسان الانتماء للعصر أم الانتماء للوطن؟ أما غالبية المواطنين فى الاطراف والمناطق المهمشة لم تتح لهم فرص للخروج من الفضاء البدائى حيث التخلف والدجل والخرافة والعزلة. معالجة الظاهرة تستوجب اعادة النظر فى نظام الحكم «ديمقراطى لا مركزى» وعدالة توزيع الثروة والاهتمام بالانسان كانسان كى نصل الى الانسان المتوازن فى مجتمع تتوفر فيه العدالة والمساواة والقدرة على معالجة قضايا البلاد وحسمها ديمقراطيا. الفترة الانتقالية: ـ التحول من نظام شمولى الى نظام ديمقراطى تعددى يجب أن يتم عبر فترة انتقالية تبدأ بالاتفاق على معالجة قضايا محدده بالتراضى وعلى حزمة من المواثيق تشكل فى مجملها ميثاقا وطنيا ملزماً. الميثاق الثقافى الميثاق الاجتماعى «العقد الاجتماعى» الميثاق العسكرى الميثاق الصحافى. على أن يتحدد اتفاق حول: الدين والدولة الهوية الاسلام شرعية الحكم النظام الاقتصادى القوات المسلحة العلاقات الخارجية القضية المحورية وهى التى شغلت الناس وعلق عليها عجز القوى السياسية وفشلها هى علاقة الدين بالدولة والاختلاف حول الدولة العلمانية والدولة الدينية. الخلط هنا لا علاقة له بالاسلام، ففي الاسلام الدولة مدنية وما اتفق عليه فى اسمرا فى مؤتمر القضايا المصيرية يمثل حلا مقبولا وملزماً لكل الاحزاب السياسية ما عدا الحزب الحاكم، جاء فى مقررات اسمرا تحت بند الدين والسياسة فى السودان: أ ـ ان كل المبادئ والمعايير المعنية بحقوق الانسان والمضمنة فى المواثيق والعهود الاقليمية والدولية لحقوق الانسان تشكل جزءا لا يتجزأ من دستور السودان واى قانون او مرسوم او قرار او إجراء مخالف لذلك يعتبر باطلا وغير دستورى. ب ـ يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيسا على حق المواطنة واحترام المعتقدات والتقاليد وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين او العرق او الجنس او الثقافة ويبطل أى قانون يصدر مخالفا لذلك ويعتبر غير دستورى. ج ـ لا يجوز لأى حزب سياسى ان يؤسس على اساس دينى. د ـ تعترف الدولة وتحترم تعدد الاديان وكريم المعتقدات وتلزم نفسها بالعمل على تحقيق التعايش والتفاعل السلمى والمساواة والتسامح بين الاديان وكريم المعتقدات وتسمح بحرية الدعوة السلمية للاديان وتمنع الاكراه او اى فعل او اجراء يحرض على اثارة النعرات الدينية والكراهية والعنصرية فى اى مكان او منبر او موقع فى السودان. ح ـ يلتزم التجمع الوطنى الديمقراطى بصيانة كرامة المرأه السودانية ويؤكد على دورها فى الحركة الوطنية السودانية ويعترف لها بالحقوق والواجبات المضمنة فى المواثيق والعهود الدولية بما لا يتعارض مع الاديان. ل ـ تؤسس البرامج الاعلامية والتعليمية والثقافية القومية على الالتزام بمواثيق وعهود حقوق الانسان الاقيليمية والدولية. (2) شرعية الحكم: ـ 1 ـ الالتزام بالديمقراطية أساسا لحكم البلاد. 2 ـ سد الثغرات التى كشفت عنها التجارب انتقالا من الصورة المعيارية الى الديمقراطية المستدامة. 3 ـ استصحاب الديمقراطية لمبادئ تحقق التوازن هى: ـ أ ـ الاعتراف بالتنوع الثقافى فى البلاد واحترامه. ب ـ المشاركة العادلة للمجموعات المهمشة فى السلطة. ج ـ اعتبار للقوى الحديثة يتناسب مع حقيقة أن وزنها الفكرى والسياسى يزيد على وزنها العددى. د ـ اصلاح نظام الانتخابات «ادخال الانتخاب بالقائمة». الاحزاب السياسية: ـ التنظيمات السياسية التى تعلن الالتزام بالميثاق الوطنى يجوز لها ان تسجل نفسها بالاسماء التى تختارها مادامت لا تناقض فى مضمونها مع ما نص عليه الميثاق. بالنسبة للاحزاب الحالية، يؤخذ على حزب الأمة القيد الانصارى وعلى الحزب الاتحادى الديمقراطى القيد الختمى وعلى الحركة الشعبية القيد القبلى وعلى الحزب الشيوعى القيد الماركسى وعلى الاحزاب الاسلامية الحديثة القيد الثيوقراطى وعلى أحزاب العروبة القيد القومى وعلى الاحزاب الافريقية القيد القبلى. هذه القيود جزء من الواقع ولا يمكن أن بلقى بالقانون المطلوب: هو أن تطور الاحزاب نفسها فى اتجاه: 1 ـ مبادئ الميثاق الوطني 2 ـ الانفتاح القومى 3 ـ الانفتاح الديمقراطى فى تكوينها. شفافية تسجيل الاحزاب تضع احكاما واضحة يلتزم بها الحزب المعنى وتتكون بموجب احكام هذا القانون محكمة خاصة بالأحزاب السياسية للنظر فى اى مخالفات وانزال العقوبة المستحقة. النقابات: ـ النقابة تكوين حديث ذو حقوق وواجبات، والنقابة شخصية اعتبارية تمثل قاعدتها وتدافع عن حقوقها ومصالحها، لقد حققت الحركة النقابية فى السودان مكاسب لهيئات مكونة ديمقراطيا ومدافعة عن حقوق عضويتها ومشاركة فى السياسة لوحدة انتاجها فى اتحاد مع النقابات المماثلة ومشتركة فى مناقشات السياسة الاقتصادية العليا للبلاد، هذه المكاسب جزء من تصور السودان الاجتماعى تستصحبه الديمقراطية المستدامة ولكن الحركة النقابية فى عهد الديمقراطية الثالثة وقعت فى عيوب كان لها دورها فى تقويض الديمقراطية وفتح المجال للنظام الذى سلب الحركة النقابية كافة حقوقها وحولها الى ادوات تطبيل للسلطة تلك العيوب هى: الاستخدام التعسفى للاضراب. الانفلات المطلبى. ج ـ الاستقلال لصالح متسلقى السلطة والانقلاب المدنى. ج ـ قيام سياسة للاجور على الاسس الاتية: ـ 1 ـ تغطية ضرورات المعيشة جزء من الكفاءة، مراعاه الانتاجية، احتواء التضخم. 2 ـ تحديد نسبة مئوية معينة من الدخل القومى كمؤشر لا يجوز لفاتورة الاجور أن تتخلف عنه او تتخطاه. د ـ الالتزام بمراحل التفاوض الحر بين النقابة والجهة المستخدمة وقبول نتائج التحكم. هـ ـ تنظيم حق الاضراب حتى لا يكون الا بعد انقطاع السبل الاخرى. المشاركة فى الانشطه النقابية الدولية. تشجيع الانشطه التدريبية والتثقيفية. تشجيع الانشطة التعاونية والاستثمارية النقابية والمؤسسات النقابية الخدمية. استئصال كافة محاولات الانحراف بالحركة النقابية عن دورها واستخدامها ادوات للانقلاب المدنى. تلتزم التكوينات النقابية بهذا الميثاق الاجتماعى وتسجل وفق احكام قانون خاص بها وتتكون محكمة خاصة نقابية للنظر فى المخالفات النقابية وانزال العقوبات المحددة. الصحافة: ـ الصحافة هى السلطة الرابعة وهى مهمة وذات رسالة فى الاعلام ـ الاخبار ـ التوعية الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنقد والتحليل والامتاع الادبى والابداع الفنى فهى مرآه المجتمع وبوصلة تحركه. الميثاق الصحافى: ـ 1 ـ الالتزام بمبادئ الميثاق الوطنى للمساهمة فى بناء الوطن. 2 ـ الالتزام بالموضوعية والصدق والامانه والابتعاد عن الاثاره. 3 ـ أن تكون الصحف ذات جدوى مالية وأن توضح بشفافية مصادر تمويلها. 4 ـ للصحافة ضوابط مهنية وخلقية لا يرخص لاصحابها والانتساب للمهنة الا اذا استوفتها. 5 ـ تمنح الدولة تسهيلات للصحافة كمهنة او كصناعه. 6 ـ يضمن للصحفيين تنظيم نقابى ديمقراطى يدافع عن مصالحهم ويحقق لهم منافع تعاونية واستثمارية وخدمية. يصدر قانون للصحافة والمطبوعات يوجب الالتزام بالميثاق الصحفى ويحدد احكام التصديق لاصدار الصحف والمجلات والدوريات وتكون احكام القانون محكمة خاصة للصحافة للمحاسبة على التجاوز. السلطة التنفيذية: ـ نظام رئاسى ولا مركزي يعطى صلاحيات واسعه للاقاليم، ويتولى السلطة فيه شخص منتخب مباشرة من الشعب. التداول السلمي والدورى للسلطة بين مختلف القوى الاجتماعية بانتخابات حرة ونزيهه يتطلب الاتى: ـ تعميم مبدأ سيادة القانون ودولة المؤسسات ) السلطة المقيده ( استقلال القضاء الفصل بين السلطات. الشفافية وتدفق المعلومات. المساءلة لمتخذى القرارات وصانعى السياسات العامة ومنفذيها. الارتكاز على المجتمع القاعدى لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتكامل البناء القومى والاعتراف بتعدد مستويات الحكم.