بيان الاربعاء: هل يمكن أن يكون كبار السن مصدرا من مصادر البطالة في بلادنا العربية؟ والسؤال له مبرره لأن البطالة باتت هماً يؤرق معظم البلاد العربية، كما أن هناك مبررا أهم وهو تحسن متوسطات الأعمار، في الوقت الذي تتراجع فيه فرص العمل.. وعاما بعد عام تتسع شريحة السكان الراغبين في العمل، والقادرين على العمل «ورغم تقدم السن بهم)، لكنهم لا يجدون عملا.. أي أنهم وبالتعريف الذي انتهت له منظمة العمل الدولية: متعطلون حتى لو كانت أعمارهم فوق الستين! في حالة مصر، تبدو هذه المشكلة واضحة فمتوسط السن قد ارتفع وبات الإنسان المصري يعيش في المتوسط 66 ـ 67 عاما.. في نفس الوقت وبسبب قلة فرص العمل باتت كثير من الجهات تستغني عن موظفيها في سن الخامسة والخمسين، أي أن هناك ثغرة تزيد على العشر سنوات بين التقاعد والوفاة.. وهي ثغرة يكون الكثيرون خلالها قادرين على العمل وراغبين فيه. قلت ذلك في مؤتمر علمي فعارضني رئيس الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء والمنوط به تقديم إحصاءات العمل والبطالة والسكان، وكل شيء في مصر. وكان منطقي أن البطالة في مصر «ونفس الأمر في بلاد عربية أخرى» بات لها مصدران.. أحدهما شاب، والآخر في شريحة كبار السن، وأن الحكومة تعني بالشباب وتحصر أعدادهم، لكنها لا تعني بكبار السن، وتلك قضية مهمة. قلت ذلك وكنت أعلم أن مشكلة كبار السن مشكلة عالمية وأنها خاضعة لنفس المحددين اللذين نقف أمامهما وهما: تحسن في الأحوال الصحية ومن ثم تحسن في متوسط الأعمار.. مع تراجع في فرص العمل وبما يجعل أمام مختلف الدول مشكلة حقيقية هي كيفية التعامل مع كبار السن.. وهل يكون ذلك بخلق فرص عمل؟ (مع صعوبة ذلك) أم بتوسيع دائرة الترفيه والسياحة وقضاء أوقات الفراغ.. أم باهمال المشكلة وكأننا نضطهد أنفسنا حين يتقدم بنا السن فيلفظنا المجتمع؟ المشكلة عالمية وتبرز الآن في المنطقة العربية والتي لم يتعود الكثير من مواطنيها على اختيار الراحة والاستمتاع وزيارة بلاد العالم في السن المتقدم حين يفرغ الانسان من حياته العملية.. في بلادنا لا نفعل ذلك فالشيخوخة هي سن الكسل، وليست سن الترحال والاستمتاع. كان ذلك في خلفية القضية التي أثيرها وكان رد المسئول عن جمع البيانات في مصر، والذي جاء ليتحدث عن البطالة.. كان رده أن البطالة هي بطالة الشباب وحدهم، وأنه لا مكان لكبار السن في هذا الموضع.. وهكذا تسير عملية الاحصاء. وربما يكون في ذهن المتحدث هنا أن الكبار أحسن حالا حتى لو فقدوا فرصة العمل، فقد تكون لديهم مدخراتهم وقد يكون لديهم معاش تقاعد يغنيهم عن السؤال، وقد تكون لديهم رغبة في الراحة. والدفوع هنا حقيقية، ولكن ليس بالخبز وحده يحيا الانسان.. فالعمل قيمة في حد ذاتها بصرف النظر عن عائده المادي.. والاكتفاء ماليا لا يعني الاكتفاء نفسيا فالسعادة والشقاء يرتبطان بالدور الذي يؤديه الانسان في الحياة، لذا فقد توقفت كثير من الأبحاث عن الأثر السالب لترك العمل، خاصة عند الرجال.. وربطت هذه الأبحاث بين التدهور الصحي والخروج من العمل. المشكلة حقيقية.. والسؤال: ما العمل؟.. سواء في مصر أو البلاد العربية بشكل عام.. أو في الدول الأخرى والتي تواجه نفس الشيء. في علم الاقتصاد نقول إن الركود يزول إذا زاد الطلب في الأسواق، وزادت القدرة الشرائية. ونفس الشيء يمكن أن نقوله ونحن نتحدث عن ركود في سوق العمل فالحل لا يأتي عبر تخفيض الطلب على العمل، ولكنه يأتي بخلق فرص عمل جديدة.. أي بزيادة المعروض من وظائف وبخلق المزيد من الأعمال. بداية الخيط إذن أن ينمو الاقتصاد، وأن يزيد حجم الكعكة فتصبح الأعمال أكثر وفرة والوظائف أكثر عددا. يحول دون هذا الحل: الاتجاه لمزيد من التطور التكنولوجي، وهو تطور يحتاج الى يد عاملة أقل. ويحول دون هذا الحل في بلادنا العربية: قصور الامكانات المالية والمادية احيانا.. بل يحول دونه غياب استراتيجية اقتصادية وتنموية شاملة. الاقتصاد العربي هو البداية.. والاقتصاد ليس مالا وأرباحا ونقودا تتحرك، لكنه عملية اجتماعية وسياسية فإذا لم يكن قادرا على تحقيق رفاهية المجتمع واذا لم يكن قادرا على توليد فرص عمل تحفظ للانسان انسانيته.. إذا لم يكن الاقتصاد قادرا على ذلك فإنه اقتصاد فاشل تقف وراءه سياسات فاشلة. الاقتصاد ليس الأرقام، لكنه ما تقودنا له هذه الأرقام. وفي بلادنا يغيب التخطيط الاجتماعي في كثير من الأحيان، فهل تغيب أيضا قضية كبار السن؟.. وهل تأخذ المنظمات التي تشرف على علاقات العمل وتحصر فرص العمل وحجم البطالة، هل تأخذ هذه المنظمات بالوصف الذي نقدمه وهو أن هناك الآن مصدرين للبطالة وليس مصدرا واحدا.. وأن الشيوخ يزاحمون الشباب في التعطل؟ إذا جرى تعديل الوصف لمشكلة البطالة على هذا النحو، فإننا نكون قد سرنا خطوة للأمام، فبداية المواجهة للمشاكل هو التعرف عليها.. والاعتراف بها،، وآفتنا في البلاد العربية أننا كثيرا ما نغض العين ونقول: لا توجد مشكلة، وربما نقول: (ليس في الامكان أحسن مما كان)!.