حين طرح تروتسكي على ستالين ربط مناطق الاتحاد السوفييتي الفتي بشبكة من الكوابل الهاتفية، فان ستالين لم يتردد بوصف هذه الفكرة، بأنها اخطر فكرة شريرة يمكن ان تبدر لـ «الثورة المضادة»، فلقد كان ستالين يعرف بشكل فوري ما تقوله اليوم عن العلاقة ما بين السيطرة على السلطة والسيطرة على المعلومات، ولقد اعتبرت معظم البلدان ـ ما عدا الولايات المتحدة الامريكية ـ السيطرة على أجهزة الاستقبال والارسال «وليس الصحافة بالطبع» سمة من سمات السيادة القومية. ولم تقم البلدان الأوروبية نفسها بتحرير أنظمة الاتصال من ملكية الدولة وتحويلها إلى الشركات الخاصة أو مؤسسات المجتمع المدني الا بدءاً من ثمانينيات القرن العشرين، غير ان نهاية الحرب الباردة، وتسارع عملية عولمة العالم، ادت إلى توحيد العالم في فضاء الكتروني يتجاوز الحدود السيادية الاقليمية والرقابية للدول القومية، ولقد داهم هذا التبدل السريع في صورة العالم، الطبقة البيروقراطية السياسية السورية المسيطرة التي أربكها التدفق الحر للمعلومات، ولقد كان جوابها الأولي في ظل ضعف قدرتها التقنية المانعة والحاجبة ، يتمثل في اللجوء إلى الأساليب العقيمة مثل مصادرة اطباق الصحون اللاقطة من اسطح المنازل، وحجب استخدام الفاكس حتى عن المؤسسات العامة، فلا أحد يصدق ان البنوك التجارية السورية ومؤسسات التجارة الخارجية مثل مؤسسة تسويق الاقطان، قد ظلت حتى ما قبل سنوات قليلة ممنوعة من استخدام الفاكس في معاملاتها التجارية الخاصة بالعمل، والواقع انها لم تستخدم الفاكس في معاملاتها الا مع الترخيص المقنن بقيود واشتراطات ورسوم عالية. غير ان ما حدث فعلياً رغم كل هذه العقلية المغلقة ان خدمة الفاكس والصحون اللاقطة وحتى الاشتراك في خدمة الانترنت عبر البلدان المجاورة قد انتشرت بشكل علني وان لم يكن مرخصاً أو قانونياً، وفرضت نفسها كأمر واقع. ولقد بدأت هذه الصورة تتغير تدريجياً، مع بروز دور الدكتور بشار الاسد وتصديه لعملية تحديث الدولة وعصرنتها واصلاحها، وفتح الدكتور الأسد ثغرة لاسبيل للرجعة عنها في العقلية الامنية الرقابية المغلقة للطبقة البيروقراطية المسيطرة، ولن يكون ممكناً تقدير ثورية ذلك الا في الجيل المقبل الذي يستخدم منذ الآن المعلوماتية ببراعة تسابق حجم الاهتمام الرسمي، اذ كان بامكان البيروقراطية ان تستعيض عن عملية مصادرة الاطباق اللاقطة من خلال تطبيق نظام مجلس الحي المعمول به في لبنان، أو من خلال نظام الكابل المعمول به في سنغافورة والصين وحتى شهور سابقة قليلة في قطر، والذي يتيح الاطلاع المسبق على مضمون المعلومات وحجبها وتعيين ما يمكن السماح به من قنوات، أو تحويل ذلك إلى مصدر ضريبي للدولة يتسق مع وظيفة بالفضاء الالكتروني خارج أي مصادرة أو ضريبة، ولقد كان ذلك ثورة حقيقية في مجال اتصال المواطن السوري مباشرة بالمعلومات خارج تلفزيون الحكومة وصحفها وآرائها الرسمية. كما بات ممكنا ربط الهاتف بخط فاكس دون اذن المؤسسة المعنية الذي يحتاج إلى معاملة عقيمة، وانتشرت مقاهي الانترنت، واذا كان «الساتيليات» قد أصبح جزءاً من اثاث معظم البيوت السورية بما فيها البيوت الفقيرة، وباتت هذه البيوت تسمع آراء مختلفة بل متناقضة عن رأي الأجهزة التسييرية، فانه ما يزال ممكناً تصنيف معظم شرائح وطبقات المجتمع السوري في خانة معدمي المعلوماتية. غير ان دخول خدمة الانترنت، رغم كلفتها النسبية ومحدودية مستخدميها، قد مس بشكل عميق تواصل مستخدميه مع العالم ومعرفتهم به، وتحجب الأجهزة الرقابية دون قانون الكثير من المواقع، غير ان عدد المواقع المتوالدة كل يوم يفوق قدراتها ومتابعاتها التحكمية، فضلاً عن ان آليات الحجب قد غدت عقيمة وغير مجدية ومثيرة للسخرية، ولم تستطع الحركة السياسية المعارضة التي ما يزال شيوخ المجتمع السياسي السوري يقودونها ان تدرك هذا التغير الا قبل شهور قليلة فقط، حيث شهدت شبكة المعلومات ما يمكن تسميته بهجمة المواقع السورية، التي ستغير خلال سنوات قليلة مفهوم العمل التنظيمي التقليدي جذرياً. ان انتشار الساتيليات يضيق الفجوة بين من يعلم ولا يعلم، غير ان الفجوة في مجال المعلوماتية ستبقى قائمة ان لم تكن هناك برامج فعالة ميسورة مادياً تسمح باقتناء الجهاز، ومهما تباطأت الحكومة السورية في خطوات الاصلاح، فإن عدد الخطوط الهاتفية سيرتفع خلال اقل من ستة اشهر إلى حوالي 3.8 ملايين خط، فضلاً عن انه سيكون ممكناً خلال اقل من عام رفع نسبة المستفيدين من خدمة الانترنت إلى حوالي 200 ألف، طرد مع تسارع تنفيذ البنية التحتية للاتصالات الرقمية في سوريا. وقد يضطر ذلك ممن يتمتع بهذه الخدمات بيسر في بلدان أخرى إلى السخرية محقاً، الا ان أهمية ذلك المستقبلية تبرز فيما اذا علمنا ان خطوات الانفتاح هذه تتم بدفع من الرئيس في وسط بيروقراطي «اثري» بل شبه «ديناصوري» مسيطر يتمنى لو لم تكن هناك لا معلوماتية ولا ساتيليات ولا من يحزنون، وفي ذلك تكمن المفارقة ما بين رئيس ينتمي إلى المستقبل وبيروقراطية تنتمي إلى الماضي.