الدبلوماسية الفرنسية تتحرك بعصبية تجاه الولايات المتحدة. باريس تتهم واشنطن مباشرة بأنها «تنفرد» في القرارات الدولية و«تبسط» المشاكل فتجعل من الإرهاب المشكلة الوحيدة في العالم. «التفرد» و«التبسيط» هما في الواقع ما يميز الدبلوماسية الأمريكية، واشنطن لا تستشير احداً لا تستمع لاحد باستثناء إسرائيل التي زارها رئيس حكومتها ارييل شارون اربع مرات خلال عام واحد، في حين ان الرئيس الأمريكي جورج بوش لم يستقبل ياسر عرفات ولا مرة. من جهة اخرى اختزلت واشنطن مشاكل العالم بالإرهاب ولكن ليس بكل الإرهاب، بل فقط بالإرهاب الذي يطاولها ويطاول اسرائيل تحديداً. كل ما يمس أمن الولايات المتحدة واسرائيل هو ارهاب، وكل ما تقوم به واشنطن وتل ابيب ليس ارهاباً، ولو وصل إلى حد قصف السكان الفلسطينيين بالطائرات. غريب كم بدّلت عملية 11 سبتمبر من نظرة الولايات المتحدة إلى العالم، ولاسيما إلى إسرائيل، ففي حين كانت العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية مشدودة بعد انتخاب ارييل شارون لرئاسة الحكومة، انقلبت الاوضاع رأساً على عقب وتحول ارييل شارون الحليف الجديد الذي لا بديل عنه، اما ياسر عرفات فبات الرجل المريض الممكن الاستغناء عنه. كما تبدّلت الاستراتيجية الامريكية بالكامل. ففي وقت كانت واشنطن ما زالت متمسكة بمرجعية مؤتمر مدريد والقرارات الدولية لمعالجة النزاع العربي ـ الإسرائيلي، فان جورج بوش اعتمد بعد 11 سبتمبر منطق ارييل شارون في تقديم الأمن على السلام. ونتيجة «الخيار الامني» غاب «الخيار السياسي» إلى ان تحركت فرنسا والمانيا لطرح مفهوم للتسوية مفهوم الدولة الفلسطينية الذي تنادي به فرنسا، ومفهوم اللجوء إلى الاستفتاء لتقرير المصير الذي تنادي به المانيا، ويحرك هذان المفهومان «الافكار» الفرنسية والالمانية التي قد تتحول إلى مشروع أوروبي متكامل. يكفي ان تلتقي أي مسئول فرنسي لنتيقن بأن الخلاف السياسي كبير بين واشنطن وباريس حول طريقة معالجة أزمتي الشرق الأوسط ولبنان. ومأخذ فرنسا المعلن هو ان الإدارة الأمريكية تتجاهل الافكار الفرنسية ولا ترى فائدة حتى من مجر الرد عليها. وبقدر ما تشعر فرنسا بعجزها على صعيد أزمة الشرق الأوسط فتتشاءم، بقدر ما تشعر بمسئوليتها على صعيد لبنان فتتخوف، ومرد تخوفها هو الولايات المتحدة تركز على موضوع حزب الله بشكل لافت وتضغط على لبنان كي يتخذ اجراءات بحقه، وهي تدرك ان كل صدام بين حزب الله والجيش اللبناني هو مشروع فتنة داخلية، وتعرف ان الحكم اللبناني يحتضن حزب الله الذي حرر الارض اللبنانية بعزمه وعزيمته. لا تتخوف باريس من عمل عسكري أمريكي ضد لبنان، لكنها تنظر بجدية إلى الاعمال العسكرية التي قد تقدم عليها إسرائيل بضوء اخضر أمريكي. ويتحول الخوف إلى قلق حقيقي ازاء الضغوط المالية والاقتصادية التي تمارسها واشنطن على المستوى الاقتصادي، فهي تمانع من انعقاد «باريس 2» للدول المانحة، كما تمنع بعض الدول العربية من تقديم المساعدات المالية إلى لبنان في وقت بات الوطن احوج ما يكون إلى كل أنواع المساعدات. بالطبع فرنسا تقدم شتى المساعدات، وتحرص على عدم ادراج «حزب الله» على اللائحة الأوروبية للإرهاب، وتحث الأوروبيين على مساعدة لبنان. لكنها ترى ان موضوع استمرار حزب الله بعملياته لتحرير مزارع شبعا ما عادت مقنعة، وان دول العالم ترى بأن القرار 245 جرى تنفيذه وعمليات حزب الله خارجة عن المظلة الدولية. فرنسا الصديقة تريد تجميد العمليات العسكرية على الحدود اللبنانية وهي تصر على القول تقصد بذلك تشجيع الاستثمار في لبنان، ولا تقصد ضمان أمن إسرائيل في كل حال، ملاحظات فرنسا مقبولة لانها تندرج في موقع الحريص على مصالح لبنان، اما تصرفات الولايات المتحدة فغير مقبولة على الاطلاق بسبب انحيازها المفضوح لصالح إسرائيل. مما لا شك فيه ان فرنسا مصممة على التمسك بدورها في لبنان على امل ان تتحرك أوروبا للاتجاه عينه مما يوصل إلى توازن جديد في الشرق الأوسط يقوم على الثنائية بين الولايات المتحدة منحازة إلى إسرائيل، وأوروبا المحايدة بوعي والقريبة من الطروحات العربية. لكن الأهم في الوقت الراهن في الا تقدم الولايات المتحدة أو إسرائيل على أي عمل فيدفع لبنان مرة أخرى اثماناً باهظة بدل الآخرين.