بيان الاربعاء: مما لا شك فيه أن الغزو العراقي للكويت عام 1990 قد خلق انقساما لا يمكن تجاهله في العلاقات العربية ـ العربية والكيان العربي ككل، هذا فضلا عن آثاره السلبية على وضع العالم العربي كطرف مؤثر على ساحة السياسات الدولية. واليوم وبعد مرور أحد عشر عاما على الغزو شهدت عشرات التصعيدات العراقية ليس تجاه الكويت فقط وإنما تجاه دول الخليج والدول العربية كافة، خرج العراق بخطاب سياسي جديد تحددت ملامحه في مجموعة تصريحات متلاحقة من قبل صدام حسين وبقية عناصر حكمه تدعو إلى طي خلافات الماضي وبدء صفحة جديدة مع الكويت من خلال «نسيان ما يمكن نسيانه من خلافات وتأجيل ما لا يمكن نسيانه» بهدف «دعم التضامن العربي»، و«حل القضية الفلسطينية». وقد أثارت تلك الدعوات اهتمام المراقبين للشأن العراقي كما أثارت التساؤلات حول مدى جديتها والظروف التي دفعت النظام العراقي لإطلاقها في هذا التوقيت بالذات وما مدى استجابة الأطراف تجاهها؟ وفي سياق التقرير التالي محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات من خلال خمس نقاط تعرض أولها لمضمون الدعوات العراقية للمصالحة وتتناول ثانيها الظروف الدولية والعربية المحيطة التي دفعت النظام العراقي لإطلاق هذه الدعوات، ثم تتناول النقطتان الثالثة والرابعة رد الفعل الكويتي والعربي تجاه الخطاب العراقي خاصة ما يتعلق بزيارة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إلى بغداد. مضامين الدعوات العراقية للمصالحة بدأ النظام العراقي في الأسابيع القليلة الماضية تغيرا واضحا في خطابه السياسي سواء تجاه الكويت أو المملكة العربية السعودية أو الدول العربية أبرز خلالها دعواته للمصالحة العربية، ولعل أبرز مؤشرات التغير في النهج العراقي ما يلي: في بداية يناير الماضي أصدرت بغداد أول إشاراتها للحوار مع السعودية والكويت على لسان ناجي صبري وزير الخارجية العراقي الذي أكد أن بلاده على استعداد للاتصال المباشر مع السعودية والكويت وعقد اجتماعات مشتركة معهما أو عن طريق الجامعة العربية لحل مشكلة «المفقودين» العراقيين والسعوديين والكويتيين على اعتبار أنه لا يوجد لدى العراق ما يضمره تجاههما. بعد ذلك بأيام قليلة قام العراق بإيضاح الخطوات التي يراها مناسبة لتحقيق المصالحة مع الكويت وتحديدا ما يتعلق بحل القضية الأساسية بينهما وهي قضية الأسرى، إذ أعلن وزير الخارجية العراقي ناجي الحديثي استعداد بلاده لإنهاء هذه القضية من خلال استقبال وفد كويتي معني من أهالي «المفقودين» أو أي وفد عربي آخر وفي «أي وقت يختاره الأخوة في دولة الكويت، وباستطاعة من يزورنا أن يذهب حيث يشاء (في العراق). وفي محاولة لإلقاء مزيد من الضوء حول توجهه الجديد فيما يخص قضية الأسرى الكويتيين على صعيد دولي هذه المرة، أكد العراق استعداده لحل قضية الأسرى مباشرة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر مضمنا هذه الدعوة في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حيث قال في هذه الرسالة «إن العراق مستعد للتعاون مع الكويت لإقرار خطوات غير تمييزية بإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر لحل مسألة المفقودين بغض النظر عن جنسياتهم». وكان الرئيس العراقي صدام حسين أول من فتح باب الدعوات العراقية للمصالحة حيث استقبل أول يناير الماضي الشيخ فهد بن محمد آل ثاني عميد الأسرة الحاكمة في قطر، محاولا دمج العراق كطرف مؤثر في النظام العربي وخادما لتوجهاته قائلا «إنه من الصعب أن يتجرد أو يبتعد العرب عن بعضهم البعض» وإنه «إذا صار العراق قويّا فلنفسه وغيره واذا صار غيره قويّا فلنفسه والعراق وهكذا الأمر بالنسبة للسعودية والكويت وأي قطر عربي آخر لأننا لسنا أمما مختلفة.. وما دمنا عربا فهذا وصفنا». في محاولة لإبراز توجهه العربي الجديد حاول صدام حسين خلال الأسابيع الماضية تفعيل دعوته لعقد قمة عربية طارئة بمكة المكرمة أو أي دولة عربية أخرى لبحث حلول سريعة للقضية الفلسطينية. وقد أجرت الخارجية العراقية بالفعل عدة اتصالات مع عدة عواصم عربية لشرح مضامين هذه الدعوة ومستلزمات نجاحها، كما قامت الخارجية العراقية كذلك باستدعاء رؤساء البعثات العربية المعتمدة ببغداد وسلمتها نص الدعوة العراقية للقمة، الأهم من ذلك أن بغداد قد أبلغت ـ وفقا لمصادر دبلوماسية عراقية ـ الجامعة العربية بضرورة إيصال نص الدعوة إلى الحكومتين السعودية والكويتية. في تطور جديد ومخالف لتوجهاته السابقة أعلن العراق في بداية الشهر الجاري تعاونه التام مع بعثة الأمم المتحدة، لمراقبة الحدود بينه وبين الكويت «يونيكوم» للمحافظة على هدوء واستقرار المنطقة، حيث بحث وزير الخارجية العراقي ناجي صبري مع القائد الجديد لبعثة يونيكوم أوجه التعاون بين الطرفين مؤكدا أنه «لا يوجد ما يعكر هدوء واستقرار المنطقة الحدودية بين العراق والكويت إلا الطائرات الأمريكية والبريطانية» التي تقوم بمراقبة الحظر الجوي. وعلى صعيد علاقاته الاقتصادية أكدت بغداد في التاسع عشر من يناير الجاري على لسان طه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقي أن العراق يعطي الأولوية في كل تعاقداته الخارجية إلى الدول العربية من دون استثناء بما في ذلك المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، مؤكدا أن هذا الموقف «ليس موقفا سياسيا آنياً بل هو موقف ثابت» للسياسة العراقية، مدللا على ذلك بارتفاع معدل تجارة العراق مع الدول العربية والذي تجاوز الـ 50%. في إطار دعوتها لطي صفحة الماضي طالبت بغداد بـ «أن ينسى العرب ما يستطيعون نسيانه من خلافات وأن يؤجلوا ما لا يستطيعون من أجل الظروف الراهنة». وكان الملاحظ أنها اختصرت تلك «الظروف الراهنة» في القضية الفلسطينية فقط دون إشارة إلى الوضع العراقي الذي هو هدف التوجه العراقي الجديد. وجاءت تصريحات نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز لتصب في ذات الاتجاه إذ أكد أن بغداد تتمنى أن تكون القمة العربية المقررة في بيروت في مارس المقبل «فاتحة خير» في طريق تحقيق المصالحة العربية على اعتبار أن هدف المصالحة «حماية أنفسنا (العرب) والشعب الفلسطيني «مؤكدا أن بغداد» أدت ما عليها من التزامات في قمة عمان ولديها نية صادقة في تحقيق المصالحة العربية في القمة المقبلة». واللافت أن ذلك التوجه لم يقتصر على المسئولين العراقيين فقط إذ أبدى الإعلام العراقي توجها مشابها اختفت فيه لهجة التصعيد السابقة تجاه الدول العربية ككل حيث دعت صحيفة «الثورة» الناطقة بلسان حزب البعث الحاكم إلى تحقيق المصالحة العربية باعتبار أنه حان الوقت لذلك و«لفتح صفحة جديدة في العلاقات العربية ـ العربية». كما دعت صحيفة «العراق» في التاسع عشر من يناير الجاري إلى «تعزيز جدار الثقة للعلاقات العربية ـ العربية» ورفض «الانجرار وراء المصالح القطرية الضيقة». وبهدف تأكيد توجهه لتحسين علاقاته الخليجية قام الرئيس صدام حسين بايفاد وزير الخارجية ناجي الحديثي إلى البحرين، حيث أكد لقياداتها السياسية أن بلاده ترغب في فتح صفحة جديدة للتعاون مع الدول العربية وخاصة الخليجية، وقد وصفت بغداد هذه الزيارة بأنها جزء من تحرك دبلوماسي يهدف إلى كسر الجمود والتردد في العلاقات العربية ـ العربية والسعى إلى تجاوز الخلافات وصولا إلى وجهات نظر مشتركة. كما حاولت بغداد تفعيل هذا التوجه من خلال دعوتها السابق ذكرها لعقد قمة عربية طارئة بمكة المكرمة وهي الدعوة التي اعتبرتها بغداد «غزل مع أشقاء» الأمر الذي اعتبره المراقبون تغيرا في الخطاب العراقي تجاه السعودية التي كانت محل هجوم مستمر من المسئولين العراقيين طوال السنوات السابقة مثلها كدولة الكويت. مغازلة أمريكا ويلاحظ أن كل أوجه التغير في الخطاب العراقي تجاه المنطقة العربية قد تزامنت مع تغير مواز وإن لم يكن بنفس الوضوح تجاه علاقاته الدولية وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة فمن ناحية أبرز النظام العراقي موقفا مفاجئا على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة من خلال وزير خارجيته ناجي صبري الذي صرح قائلا «لا يوجد لدينا موقف مسبق ضد الحوار مع واشنطن وسبق وكانت علاقات العراق مع الولايات المتحدة قبل 1991 طبيعية»، وهو ما اعتبره البعض دعوة غير مباشرة من بغداد للحوار مع واشنطن الأمر الذي يختلف بشكل واضح عن لهجة التصعيد السابقة تجاهها. ومن ناحية أخرى كشف العراق عن قيامه حاليا بدراسة الأفكار التي سبق وعرضتها روسيا حول نظام العقوبات المفروض عليه من قبل الأمم المتحدة وخاصة ما يتعلق بفكرة تزامن عودة المفتشين الدوليين عن الأسلحة العراقية مع تعليق الحظر تمهيدا لرفعه لاحقا حيث أكد وزير الخارجية العراقي ناجي صبري «أننا نناقش هذه الأفكار في إطار علاقاتنا مع مجلس الأمن». ومما لاشك فيه يختلف هذا الموقف عن التوجه العراقي السابق في رفض أي مناقشة لنظام العقوبات لا تتضمن رفعا نهائيا له دون عودة المفتشين الدوليين. القمة العربية ومن ناحية أخرى وعلى المستوى العربي تأتي الدعوات العراقية للمصالحة في وقت متزامن مع التحضيرات الجارية للقمة العربية المقرر عقدها في بيروت في مارس المقبل والتي يريد النظام العراقي حضورها في موقف قوي خلافا لموقفه خلال القمة السابقة بعمان، حين برز واضحا قصور الدبلوماسية العراقية في مجاراة الإجماع العربي حول الصيغة التوفيقية التوضيحية التي ناقشها القادة العرب آنذاك لحل ملف «الحالة بين العراق والكويت» إذ حصد العراق عشرات الانتقادات من العواصم العربية لتشدده في حين أشاد العرب بالمرونة الكويتية في تجاوز عدة مطالب رغبة في تحقيق التضامن العربي. من هنا جاءت تحركات العراق الحالية لاستباق القمة بتكوين صورة جديدة للسياسة الخارجية العراقية بزعم أنها تهدف أساسا لتحقيق التضامن العربي وتنقية الأجواء بل العمل على رفع سقف التعاون العربي في مجالات سياسية وغير سياسية من خلال التعاون الاقتصادي المتنامي بين بغداد والعواصم العربية. فمن ناحية عملت بغداد خلال الأشهر الماضية على توقيع ست اتفاقيات للتجارة الحرة مع مصر وسوريا وتونس والجزائر واليمن والإمارات، واستبقت القمة العربية القادمة بإعلانها على لسان نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان اتجاهها إلى توقيع ثلاث اتفاقيات أخرى مع ثلاث دول عربية، كما عرضت بغداد على الدول الست التي أبرمت معها اتفاقيات التجارة الحرة توقيع اتفاقيات اقتصادية طويلة الأمد من أجل «تعزيز التكامل العربي وخدمة المصالح المشتركة»، كما جاء في تصريحات طه ياسين رمضان. ومن ناحية أخرى ومن خلال الدعوات العراقية الأخيرة للمصالحة بدأ النظام العراقي بإعلان سياسة خارجية مختلفة تبتعد عن التصعيد المعتاد وتعتمد على الربط قدر الإمكان بين قضية الحصار والعقوبات الدولية على بغداد وبين القضية الفلسطينية وذلك في سياق خطابه السياسي والإعلامي الجديد الذي يركز على ضرورة طي صفحة الخلافات العربية ـ العربية وعدم «افتعال» معارك جانبية «لمواجهة الأخطار المحدقة بالأمة في الفترة الراهنة». وبغداد التي تتهددها الضربات الأمريكية تسعى من خلال خطابها ذاك في هذا التوقيت حشد رأي عام عربي على المستويين الرسمي والشعبي مناهض لتلك الضربات تستثمر من خلاله الرأي العام العربي الساخط على الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تحيزها للجانب الإسرائيلي. رد الفعل الكويتي تجاه الدعوات العراقية بحكم خبرتها السابقة في التعامل مع العراق لم تنجرف الحكومة الكويتية سريعا وراء دعواته للمصالحة، وكان أبرز رد فعل كويتي رسمي تجاه هذه الدعوات من قبل النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد الذي بعث برسالة للأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى توضح موقف الكويت من الدعوات العراقية إذ جاء بالرسالة أن الكويت «سترفض بشدة أي مبادرات عربية مهما كانت إذا لم تشتمل على تنفيذ العراق للقرارات الدولية وإطلاق سراح الأسرى والمرتهنين الكويتيين ». أما عن تصريحات العراق فقد أوردت الصحف الكويتية تفنيدا لها على لسان أحد المسئولين بالحكومة الكويتية الذي اعتبر أن أزمة الكويت مع النظام العراقي أزمة مصداقية «فمهما قال أو أدعى لا يمكن أن يثق به أحد لا الكويت ولا العالم». أما على المستوى الشعبي، فقد كان هناك رفضا مؤكداً للحوار مع العراق على اعتبار أن الدعوات العراقية تستمد أساسا من أهداف آنية يريد العراق تحقيقها وبعدها تنقلب الصداقة المفترضة إلى عداء وعدوان، وعليه شددت الفعاليات الشعبية بالكويت على الظروف الراهنة التي صاحبت الدعوات العراقية كمبرر كاف لتجاهل هذه الدعوات. وفي الإطار ذاته عبر أعضاء مجلس الأمة الكويتي عن رفضهم للدعوات العراقية للمصالحة باعتبارها «ألاعيب مكشوفة ولن تنطلي على أحد» وعلى اعتبار أن «النظام العراقي يستخدم العصا والجزرة فمرة يلوح بالتقارب والتضامن مع دول الخليج ومرة ينكر أصلا حدود الدول وشرعيتها كما يحصل مع الكويت وهو الآن يريد التقارب مع دول الخليج لأنه مستشعر بالخطر الذي يحدق به بسبب التغييرات الدولية الجارية الآن». نتائج جولة الأمين العام العربية. لم تكن هناك ردود فعل رسمية من قبل العواصم العربية بشأن الدعوات العراقية للمصالحة وإن كان أبرز إفرازات هذه الدعوات الزيارة التي قام بها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إلى العراق في الثامن عشر من يناير الجاري والتي إن كانت قد أعد لها سابقا إلا أن الخطاب العراقي الجديد هو ما ساعد على تنفيذها كما صرح مسئولو الجامعة العربية. وتنبع أهمية هذه الزيارة، في كونها الأولى من نوعها للأمين العام للجامعة العربية منذ عام 1991 إذ لم يسبقها غير زيارة الأمين العام السابق د. عصمت عبد المجيد عام 1998 بصفته مبعوثا خاصا للرئيس المصري محمد حسني مبارك الذي حمّله رسالة إلى صدام حسين، ومن ناحية أخرى فقد ضاعف من أهمية هذه الزيارة ما صاحبها من توقعات مرتفعة بنتائجها على صعيد العلاقات العراقية ـ العربية، خاصة أن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى كان قد نجح قبلها بأيام في إنهاء الخلاف الليبي ـ اللبناني حول مكان القمة العربية المقبلة والذي كان من شأنه إفشال هذه القمة. كما ساعد على تعزيز تلك التوقعات العلاقات الجديدة نوعا بين الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وبغداد التي لوحظ تعاطيها إيجابيا مع تولي الأول شئون الجامعة العربية وامتناعها، إضافة لوسائل الإعلام العراقية عن توجيه أي انتقادات إليه على الرغم من مرور ثمانية أشهر على توليه منصبه، الأمر الذي يخالف سياسة بغداد مع الأمين العام السابق للجامعة العربية د. عصمت عبد المجيد الذي وجهت إليه الصحف العراقية عشرات الانتقادات طوال السنوات السابقة وسبق أن طالته اتهامات رسمية من أفراد النظام العراقي، وهو ما يفسره بعض المراقبين بأن المسئولين العراقيين ينظرون إلى عمرو موسى على أنه مهندس إعادة العلاقات المصرية ـ العراقية بعد قطيعة سياسية ودبلوماسية إثر الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990. وقد كان محور المباحثات التي عقدها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في بغداد «حزمة الأفكار» التي عرضها الأول على صدام حسين والتي أعلن احتواؤها على شقين أحدهما دولي يتعلق بقرارات مجلس الأمن الصادرة بشأن العراق خاصة ما يتعلق بمسألة المفتشين الدوليين عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، إضافة للتهديدات الأمريكية بضربة وشيكة للعراق في إطار الحرب على الإرهاب، أما الشق الثاني للمباحثات فعربي يتعلق أساسا بـ «الحالة بين العراق والكويت»وذلك في إطار جهود الأمين العام للجامعة للاستعداد للقمة المقبلة في بيروت. ولم يفصح أي من الطرفين العراقي أو الجامعة العربية عن نتائج تفصيلية للمباحثات وإن كانا قد وصفا هذه المباحثات بأنها «ناجحة بكل المقاييس» كما حرص الأمين العام على الإشادة «بالمرونة العراقية» التي لاقاها مؤكدا أن أفكاره لاقت صدى لدى المسئولين العراقيين وأن صدام حسين قد حمّله «رسائل» إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى القادة العرب لم يفصح عن مضمونها قائلا «طلب مني (صدام حسين) أن أتحدث وأنقل موقفا معينا ونقاطا محددة إلى عنان والقادة العرب ومنها ما يشكل موقفا مهما سأنقله بحذافيره وبكل نقاطه». مبادرة عراقية وعلى الرغم من هذا التكتم بشأن نتائج المباحثات تناقلت وكالات الأنباء معلومات عراقية أكدت أن صدام حسين قد حمّل عمرو موسى «مبادرة عراقية» تختص تحديدا بالعلاقات مع دولة الكويت، وتهدف أساسا إلى إغلاق ملف الأسرى والمفقودين مما قد يشكل «الخطوة الأهم على طريق تحقيق المصالحة بين العراق وكل من الكويت والسعودية» وفقا لهذه المصادر، يضاف إلى ذلك ما تناقلته بعض الصحف حول نجاح الأمين العام عمرو موسى في إقناع العراق بقبول دخول المفتشين الدوليين تفادي ا للضربة العسكرية الأمريكية، وأن صدام حسين قد حمّل عمرو موسى شروطه لعودة المفتشين في رسائله للقادة العرب وهي ضرورة تحديد إطار زمني لمهمتهم وأن تتزامن عودتهم مع التزام مجلس الأمن الدولي بإلغاء العقوبات الدولية المفروضة على العراق. وقد اتضحت بعض تفاصيل هذه «الأفكار العراقية» أثناء الزيارات المكوكية التي قام بها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إلى كل من الكويت والسعودية والأردن عقب زيارته لبغداد حيث استكمل الأمين العام جهوده في إطار التحضير للقمة العربية المقبلة التي تحدد أن يكون ملف «الحالة بين العراق والكويت» أحد الملفات التي ستناقشها. وكانت الكويت وهي الطرف الأساسي المعني بالافكار العراقية للمصالحة المحطة الأولى في جولات الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بعد زياراته للعراق حيث حمل إلى قادتها ما عرضه النظام العراقي من مقترحات لحل القضايا العالقة بينهما. وقد حددت المحاور التي ناقشها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى مع الجانب الكويتي الذي مثله نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ الصباح الأحمد في ثلاثة محاور رئيسية وهي كما يلي: المحور الأول: يتعلق بقضية الأسرى الكويتيين في السجون العراقية حيث نقل عمرو موسى للجانب الكويتي ما أخبره إياه صدام حسين من عدم وجود ما يخفيه بشأن هذه القضية وأن العراق يوافق على استقبال وفد يضم مسئولين كويتيين وسعوديين ومندوبين عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر وأي مندوب من أي دولة أجنبية باستثناء بريطانيا والولايات المتحدة اللتين اعتبر أنهما «أعاقتا عمل اللجنة الثلاثية» المختصة دوليا ببحث هذه القضية. وقد جاء الرد الكويتي على هذا «الحل» العراقي باعتباره «لم يأت بجديد» فيما يختص بموقف العراق من قضية الأسرى حيث شدد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الشيخ الصباح الأحمد وفقا للمصادر الكويتية على الثوابت الكويتية فيما يخص هذه القضية الحيوية ومنها: الإصرار على أن يعلن العراق مصير الأسرى وما إذا كانوا أحياء أم أموات، ورفض الإذعان بوجود مفقودين عراقيين في الكويت، إضافة لرفض الجانب الكويتي زيارة أي وفد منه للعراق للتأكد من مصير الأسرى على اعتبار أن العراق هو من احتجزهم وهو المسئول عن كشف مصيرهم وهو موقف يعتمد فيه المسئولون الكويتيون على عشرات الوثائق التي تحدد أسماء الأسرى ومن احتجزهم من ضباط عراقيين ومن أي شارع ومنطقة بالكويت. المحور الثاني: يرتبط بورقة قمة عمان التي سبق وتوصل إليها القادة العرب في مارس الماضي «بشأن الحالة بين العراق والكويت» حيث نقل عمرو موسى إلى المسئولين الكويتيين ما يشير إلى تراجع بغداد عن رفضها لتلك الورقة على اعتبار أن وزير الخارجية السابق سعيد الصحاف قد اتخذ موقف رفض الورقة في القمة الماضية دون الرجوع لقيادته وأنه جرت عملية إعادة حسابات تقبلت بعدها بغداد ما تضمنته هذه الورقة من مقترحات دون شروط. وكانت الورقة التي قدمت إلى قمة عمان من قبل دول الخليج وتبنتها عشر دول عربية أخرى قد نصت على المطالبة برفع العقوبات عن العراق وإجراء ترتيبات لرفع حظر الرحلات الجوية ووقف طلعات مراقبة الحظر الجوي كما دعت بغداد إلى الالتزام بقرارات مجلس الأمن واحترام استقلال دولة الكويت ووحدة أراضيها الأمر الذي رفضت بغداد في حينها الالتزام به مؤكدة أنها حققت ما عليها من التزامات بشأنه. وكان الرد الكويتي حاسما فيما يخص تراجع العراق عن رفضه السابق إذ اعتبر الشيخ صباح الأحمد هذه الورقة كأنها لم تكن مؤكدا أن «هذه الورقة انتهت، رفضها العراق وأصبحت في حكم الماضي، والماضي انتهى ودائما نتمنى أن يكون المستقبل أفضل من الماضي» وذلك في إشارة إلى ما يمكن أن تتوصل إليه القمة العربية القادمة في بيروت من نتائج في هذا الشأن. أما عن المحور الثالث الذي تناولته محادثات الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى مع الشيخ صباح الأحمد ووزير الخارجية الكويتي فيختص بالقضايا العالقة بين العراق والأمم المتحدة حيث كشف عمرو موسى عن إمكان قبول العراق من حيث المبدأ عودة المفتشين الدوليين بشرط وضع جدول زمني لمهمتهم ترفع بعدها العقوبات. وبهدف تأكيد دعم الكويت للتضامن العربي وعدم اكتفائها برفض ما يعرضه الجانب العراقي من مقترحات لتسوية القضايا العالقة بينهما أعلنت مصادر دبلوماسية كويتية بأن هناك ورقة عمل جديدة ستسلمها الكويت إلى الأمين العام للجامعة العربية قبل عقد القمة العربية بوقت كاف لنقلها إلى الحكومة العراقية. وذلك بعد التشاور مع دول الخليج الأخرى وخاصة المملكة العربية السعودية، وفي هذا الإطار أكد الشيخ محمد الصباح وزير الدولة للشئون الخارجية أن ما ستطلبه الكويت أثناء هذه القمة هو ما انتهت إليه القمة الخليجية في مسقط حيث أكدت الأطراف المختلفة ضرورة التزام الجانب العراقي بالقرارات الدولية، هذا فضلا عن تأكيد الشيخ صباح الأحمد وزير الخارجية الكويتي ترحيب الكويت بأي مبادرة تهدف إلى إقناع العراق بتنفيذ القرارات الدولية. وقد كان الموقف الكويتي ذاك محل تقدير من الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي اعتبره موقفا ينطلق من الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة «مضيفا أنه» موقف إيجابي ومرحب، كما أكد في ختام زيارته للكويت على أن الجامعة العربية تعمل على صيانة الحقوق والمصالح العربية كلها بما فيها مصالح الكويت وطلباتها وذلك دون القفز على القرارات الدولية لمصلحة أي طرف من الأطراف. ويلاحظ أن رد الفعل الكويتي الرسمي تجاه «الأفكار العراقية» التي حملها الأمين العام للجامعة العربية لم يختلف عن نظيره الشعبي بل يمكن اعتباره ترجمة أمينة للتوجهات الشعبية في هذا الشأن. المصالحة العراقية ـ العربية.. رؤية مستقبلية وتشير كل توقعات المراقبين للشأن العراقي إلى استمرار بغداد في خطابها الجديد الذي يدعو إلى المصالحة وذلك على أقل تقدير حتى موعد القمة العربية القادمة في مارس 2002 وحتى تظهر واشنطن ما يفيد تراجعها عن توجيه ضربة عسكرية إلى العراق قد تستهدف الإطاحة بالنظام الحاكم. وفي غضون ذلك يتوقع أن يصدر عن بغداد المزيد من التصريحات التي تؤكد نيتها لحل مشكلة الأسرى الكويتيين بل يتوقع البعض أن يعلن العراق استعداده المبدئي لعودة المفتشين الدوليين حتى «يقطع الطريق أمام المتربصين بالعراق وتفويت الفرصة عليهم في تنفيذ تهديداتهم» كما جاء في البيان الختامي للقيادة القطرية لحزب البعث العراقي التي اجتمعت لبحث التهديدات الأمريكية إثر تصريحات بولنت أجاويد رئيس الوزراء التركي الذي قام بزيارة واشنطن في وقت متزامن لزيارة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى للعراق خرج منها بانطباعات مؤكدة أعلنها عند عودته إلى أنقرة حول أن الرئيس الأمريكي جورج بوش مصمم على إطاحة النظام العراقي وأنه أبلغه بكونه «لا يحتمل العيش» في وجود صدام حسين في السلطة، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات ضرب العراق خاصة مع دور تركيا المحوري في أي إجراء عسكري مقبل بالنظر إلى القواعد الأمريكية والبريطانية على أراضيها، وهنا لا يستبعد أن يقوم النظام العراقي بأي إجراءات وأن يطلق كل الوعود اللازمة لتفادي مثل هذه الضربة.