لا اعرف سبباً للابتهاج بسبب عدم استجابة الرئيس الأمريكي جورج بوش، لمطالب شارون بقطع الاتصالات تماماً مع الرئيس ياسر عرفات، ذلك كان متوقعاً ويعرف شارون الذي يعي جيداً استحالة قبول تنحية الرئيس الفلسطيني من أي طرف وقد استمع للقادة الفلسطينيين الثلاثة، حول انهم قادمون بقرار من أبو عمار احد هؤلاء الثلاثة وهو محمد رشيد «المعروف بخالد سلام» وهو عراقي كردي يعتبر كاتم اسرار عرفات وقد جاء للاجتماع، ليس فقط بسبب علاقته مع عومري شارون ولكن ليكون شاهداً وناقلاً لكل حرف. لقد حمل شارون للرئيس الأمريكي، الذي يلتقيه للمرة الرابعة، في خلال عام واحد، ولأركان ادارته ـ الخارجية والدفاع والأمن القومي ـ عدداً من الملفات الاساسية ولقى استجابة واسعة للعديد مما حملته هذه الملفات. الخطر الايراني كان الملف الأول، اذ ان الاستراتيجية الإسرائيلية ترى في ايران الخطر الأساسي، ربما اكثر من العراق، وذلك لاحتمال انتاجها سلاحاً نووياً في فترة قصيرة. كانت الإدارة الأمريكية بعيدة عن قبول المنطق الإسرائيلي، فقد ابدت طهران استجابة واسعة لمتطلبات الحرب في افغانستان، ورأى مسئولو الشئون الايرانية في الخارجية الأمريكية ان ثمة بوادر اعتدال في طهران يجب تشجيعها ودفعها للأمام. منطق شارون حول مخاطر ايران، لقي قبولاً من واشنطن. وكانت إسرائيل قد بالغت كثيراً في قصة «سفينة كارين A» وفي أسلحة ايران إلى حزب الله وفي تسرب عناصر من القاعدة لجنوب لبنان، وذلك لكي يكون الجو مواتياً اثناء لقاء بوش ـ شارون لاقناع إدارة بوش بمخاطر ايران وذلك ما كان. الملف الاخر هو الاسراع في استكمال شبكة «الصواريخ ضد الصواريخ» في إسرائيل بتعاون امريكي، اسرائيلي عبر الباتريوت وصواريخ «حيتس» وقد اجروا تجارب ناجحة وتقرر الاستكمال لهذا البرنامج «العملاق»، وذلك انجاز كبير من غير شك. أما حول «الرئيس عرفات»، فالإدارة الأمريكية مازالت منقسمة حول الأمر: الدفاع والأمن القومي يقبلون موقف شارون بدرجة كبيرة، اما الخارجية والبيت الأبيض فهما يريدان ممارسة ضغوط قوية على عرفات ليغير نهجه، بهذا الصدد. وقال عرفات في النيويورك تايمز الذي رأت فيه الخارجية الأمريكية والإسرائيلية تعبيرات جديدة: وصف قوى المعارضة المسلحة بالمجموعات «الإرهابية»، وهو تعبير تتحرج حتى منظمات حقوق الإنسان من استخدامه، والحديث عن حل خلاق لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يأخذ بعين الاعتبار «المخاوف الديموغرافية» لإسرائيل وهو نفس المضمون الذي تحدث به د. سري نسيبة، وفتح على نفسه عش الدبابير، وكذلك الرسالة الأخيرة من عرفات إلى كولن باول والتي يعترف فيها ضمناً بمسئولية ما في حادث السفينة مع تعهد بقطع اية علاقة بين السلطة وايران. كانت مصر واصدقاء أمريكيون قد نصحوا عرفات بهذه الرسالة بديلاً عن الانكار التام لاية مسئولية كما جاء في رسالة عرفات ـ السابقة ـ والتي دفعت واشنطن إلى قراراتها الهوجاء ضد عرفات والسلطة، اذ رأت في الأمر استخفافاً بكل الاثباتات في حادثة «السفينة». الإدارة الأمريكية، ودون انتظار لائحة «الاربعة»: ابو مازن وأبو العلاء ورجوب ودحلان التي حملها معه شارون، جست نبض القادة الفلسطينيين عبر وسائل متعددة واستخلصت انه رغم تذمرهم جميعاً من تردد الرئيس ـ رئيسهم عرفات، في اتخاذ ما يجب من اجراءات، الا انهم ليسوا مستعدين لصعود القمة عبر درجات امريكية اسرائيلية. عرفات حسم الأمر، لأول مرة، في مقابلة مع صحيفة إسرائيلية اثناء وجود شارون في واشنطن وقال: ابو مازن خليفتي رئيساً لمنظمة التحرير، حسب القانون، فهو أمين سر المنظمة، وابو العلاء خليفتي في رئاسة السلطة لمدة ستين يوماً، حسب القانون، كرئيس للمجلس التشريعي، وهو بند تم اقراره مؤخراً. بنيامين بن اليعازر تراجع خطوة للوراء وقال انه مستعد للتفاوض مع أي شخص، حتى لو كان ياسر عرفات اذا لبى شروطاً معينة. الإدارة الأمريكية شجعت شارون على استمرار حواره مع القادة الفلسطينيين وهي لن تمانع في صعود أي منهم لقمة السلطة اذا حدث ذلك. لكن الإدارة رفضت مبادرة فرنسية وسترفض اية مبادرة أوروبية وتصر على تحقيق الهدوء أولاً ـ وهو مطلب شارون ـ قبل البدء في تنفيذ خطة ميتشيل ـ تينيت. ديك تشيني الذي يناصب عرفات العداء منذ موقفه في حرب الخليج سيزور المنطقة دون ان يكون في برنامجه لقاء عرفات. لكن جورج تينيت قادم لبحث امكانية هدوء يتيح امكانية عودة الجنرال زيني. لا يمكن الحديث، اذن، عن فشل زيارة شارون، فقد حققت الكثير من الأهداف، خلافاً للعديد من التوقعات. طوال تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية كانت المشاحنات تدب بين رؤساء الوزراء القادمين من الليكود «بيجن، شامير، نتانياهو» وبين الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين، وكان من المنطقي ان تصل المشاحنات ذروتها في عهد شارون: اكثر رؤساء اليمين تطرفاً وفي عهد الجمهوري بوش، غير المدين لأصوات اليهود، والذي يحتاج للعرب في حربه ضد ما يسميه محور الشر. لكن اخطاءنا الكبرى اعفت شارون من مسئولية المواجهة.