بينما يتسارع الفعل الدولي تجاه العالم العربي بشكل احالات واحاطات ومؤشرات كثيرة لعودة الاستعمار بثوب جديد، يخفت الصوت العربي الجامع أو الموحد تجاه قضايا عربية، وان صدف وان علت بعضها فبشكل متفرق ومتردد بين احوال القبول بالأمر الواقع، أو احوال الرفض. فبعدما علت الأصوات العربية مؤيدة عقد القمة في بيروت في موعدها، ومحاولة تذليل كل الصعوبات والمشاكل الأمنية التي حاقت بهذه القمة، نجد ان هذا الاجماع بدأ يتشتت مع التطورات الحاصلة في المنطقة ومع خطورة أي قرار قد يتخذ. كثيرون يرون ان القمة ان لم تؤجل فلن تخرج بشيء، فرهانها هذه المرة خاسر قبل بدئها، قياساً على قمتين سبقتاها في هذا القرن الجديد والمشتعل. ورغم ان انعقادها بحد ذاته يشكل انجازاً اذ هي أول قمة دورية عربية، الا انه انجاز باهت مقارنة بحجم التطورات الحاصلة في المنطقة. وجدول اعمال القمة مهما تنوعت مفرداته فهو لن يخرج عن عنوان كبير سيرسم الفعل ورد الفعل العربي برمته، وذلك هو الإرهاب وتعريفه باتجاه فعل التبرئة أو الاتهام منه وبه. فالإرهاب هو عنوان التصعيد الإسرائيلي ضد القضية الفلسطينية وضد حزب الله وضد سوريا وضد العراق، وعملية الوصول إلى تعريف دولي للإرهاب مازالت أزمة لا تواجه الغرب فحسب بل الأمة العربية أيضاً، ومن هذا المنطلق كان طلب المجموعة العربية في المنظمة الدولية تأجيل حسم تعريف الإرهاب ريثما يتسنى لهم الوصول إلى معطيات وقرارات عربية جديدة تنفي عنهم وعن الفعل النضالي للدفاع عن الحقوق تهمة الإرهاب. الموضوع الأهم برأيي في القمة العربية القادمة سيكون قدرة الجامعة نفسها أو القمة ان صح القول على تجاوز عملية التشتت السياسي والاطياف اللونية السياسية العربية والوصول إلى قرار يوازي الخطر الداهم. فالمنطقة العربية أصبحت محاطة بأساطيل الغرب، حوصرت من جبهاتها الاربع ومن المياه التي تعطيها الحياة والتي هي نوافذها على العالم، ولا يمكن بأي حال من الاحوال وصف القرار العربي اليوم بأنه مستقل وفقاً لذلك. مصالح الغرب اصبحت في كفة مع عودة نمو القدرة العربية على الردع والدفاع، وعلى التصدي لأي مخطط غربي، امريكا اليوم أصبحت الحاكم بأمره، وإسرائيل أصبحت صاحبة الحق في ميزان العالم الجديد المكسور. ما يواجه القمة من مخاطر داخلية اكثر مما يواجهها من مخاطر خارجية، فالخارجية باتت واضحة، واطرافها معروفة وتنشر جيوشها في البر والبحر، لكن الداخلية مازالت مستترة، تخفي وجهها واثارها. فالعرب اليوم على ما هم عليه من دعم ظاهري لعرفات وفلسطين ورفع الحصار عن العراق والدفاع عن حزب الله وغير ذلك، الا انهم يخفون الكثير مما يعتقدونه ضرورياً وفق منطق الغرب المفروض عليهم. فازالة النظام العراقي يرى البعض انه ضرورة غير معلنة، وازاحة عرفات يجد هوى لدى الكثيرين، ولعل في تسويق فكرة الخوف على عرفات اذا ما حضر القمة ان ترفض إسرائيل اعادته هو شيء من ذلك الهوى، لانهم لو ارادوا عرفات لفعلوا الاعاجيب، لقد كان الرجل مطاردا في المنافي واستقبلته كل دول العالم وكان رئيساً لمنظمة شعبية، فكيف به اليوم وهو رئيس لدولة منزوع الصلاحية والحرية والسيادة. ذلك النزاع الداخلي بين ما هو مطلوب للتخلص من تهمة الإرهاب وبين ما هو قومي ووطني، يجتزيء من العرب سيادة واستقلال قرارهم السياسي، ولذلك كان عدم التفاؤل سمة الناظرين لقمة مارس المقبلة. والدليل على ان القرار العربي سيأتي منقوصاً مجتزءاً باهتاً، تصريحات الخبراء والسياسيين الأمريكيين التي اوضحت بلا لبس قناعة الامريكيين بل قدرتهم على منع العرب من اتخاذ قرار كاستخدام النفط سلاحاً كما حصل عام 1973، لقد قال احد السياسيين الامريكيين صراحة: «لن يجرؤ العرب على اتخاذ قرار باستخدام النفط سلاحاً». فهل لهذا تقف الاساطيل على منافذنا البحرية وتحيل امننا إلى سراب، دفاعاً عن امنها هي، لهذا يجب ان نعتقل وننفى وتمتليء سجوننا وقبورنا، لكي لا نتهم بالإرهاب فقط، لكي لا نتحول إلى ضحايا وشهداء بل إلى قتلى ومجرمين دوليين. تلك هي المسألة.. لم تعد مقولة «اكون أو لا اكون» صالحة لهذا العصر، صارت مقولة «امريكي ام لا، تلك هي المسألة» مكانها.. والمصالح اليوم تحكمنا ولكن ليست مصالحنا بالفعل، بل مصالح الغرب، ولهذا لا يمكن ان نقول سوى اننا اسرى قرارات القمة المقبلة وهي اسيرة بدورها لمفاهيم القوة المهيمنة علينا من الخارج، والإرهاب المتهمون به. القمة المقبلة اذن، لن تخرج عرفات من حصاره ولن تعيد بناء الركام الهائل الذي خلفته المدرعات والطيران الإسرائيلي، ولن تعيد لنا هيبتنا وصورتنا السلمية التي دفنت تحت ركام «الحرب ضد الإرهاب» الهائل، ولن تدفع هذه القمة بالتأكيد الحصار عن العراق، لن ترفع أكثر من ان تسجل كلاماً عابراً، لعابرين على الطريق نحو مستعمرة الكون الغربية. ل. ع