إذا لم يكن ديك تشيني يعتزم إبان جولته المعلنة الى المنطقة محاورتنا حول ايجاد مخرج لعملية السلام من مأزقها الاسرائيلي الذي اقحمها فيه شارون أو الضربة الأمريكية المبيتة للعراق فمن الأفضل أن نبادر نحن لمحاورته حول المسألتين، بحيث نحولهما الى الأجندة الوحيدة في جولته. الأمر لا يتطلب جدلاً متشعباً للاتفاق على أنه ليس لدى العرب هم في الوقت الراهن سوى عملية السلام المتعثرة وحالة العراق بغية تفادي حرب في المنطقة. الإدارة الأمريكية معنية بالحرب إذا وقعت وإذا أمكن تجنبها. الشكوك لا تغادر هذين المحورين وحتى عندما يقال ان نائب الرئيس الأمريكي لا يعتزم فتح أي من الملفين في جولته يبدو حديثاً يجافي الأمانة والصدق أو هي جولة تفتقد الى القيمة.. والوجهتان لا تعكسان في الواقع جوهر جولة نائب الرئيس الأمريكي. قد نستوعب عدم حرص نائب الرئيس الأمريكي على إثارة جديد على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي باعتبار ان ادارة بوش لا ترغب أن ترى فيما يتعلق بهذه المسألة أفضل مما كان ولا يهمها كثيراً أن يتدهور الحال الى أسوأ مما هو الآن. لكنا ندرك ان واشنطن وحدها قادرة على كبح جماح شارون واعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات. لدينا قناعة ثابتة مبنية على التاريخ بأن شارون يمضي في جرائمه لحصوله على ضوء أخضر من واشنطن أو تعهد بغض الطرف عنه. ولدينا في الوقت نفسه القدرة على اقناع تشيني بأن مصالح أمريكا الحقيقية أكثر ثقلاً في كفة العرب حين تقاس العلاقات بالمصالح. كما لدينا المنطق الذي نحاجج به تشيني بأنه ليس في مصلحة بغداد وواشنطن والمنطقة توجيه ضربة أخرى للعراق. فما من دليل يمكن تقديمه على ان بغداد تشكل مصدر تهديد للمنطقة أو السلم العالمي. ربما نختلف ازاء النظام العراقي غير ان هذا الخلاف لا يحملنا الى مساندة أمريكا على طريق تغييره بالعمل العسكري. فدعم الاستبدال القسري من الخارج ممارسة لن تنعم بتأييد العرب عامة بمن في ذلك الموالون لأمريكا. دعم العرب للاطاحة بطالبان لا يعني منحهم ادارة بوش مساندة مفتوحة من أجل ازاحة كل نظام لا ينسجم مع هواها أو يعكر صفو مزاجها. إذا كانت أمريكا تعتمد على تعامل العراق مع المفتشين الدوليين لتحديد توقيت ضربها باعتبار ان بغداد لاتزال تملك أسلحة للدمار الشامل فيجب محاججة تشيني واقناعه بأن الحظر المفروض على العراق بات سلاح دمار شامل أباد البشر والزرع والضرع بين النهرين ويجب رفعه بدلاً عن ضربات مدمرة جديدة. جوهر الحوار العربي مع نائب الرئيس الأمريكي يجب أن يركز على قضية السلام وحالة العراق، بحيث لا يتم فتح ملف في غياب الآخر إذ لا مفاضلة بين انهاء العنف الدموي الاسرائيلي ضد الفلسطينيين وتجنيب العراقيين مزيداً من البؤس. من هنا لا مكان للمساومة بين القضيتين. كل العرب يريدون وقف النزيف الفلسطيني وانهاء التحرش بالعراق. ما الذي يمكن أن يبحثه ديك تشيني في جولته المعلنة ان لم يبحث ملف السلام أو العراق؟ لا نخال أن تشيني قادم في جولة للسياحة. عمر العمر