حذر الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي الناطق باسم حركة حماس في قطاع غزة من اقدام السلطة الفلسطينية، على ارتكاب تنازلات جديدة، مشيراً الى ان السلطة عودتنا على الاستجابة للضغوط «الصهيونية»، وأكد ان النصر حليف المقاومة التي نجحت عبر العمليات الاستشهادية في تحقيق نوع من توازن الردع. ورد ذلك في الحوار التالي نصه: ـ ما تعليقك على وصف الانتفاضة الحالية والمقاومة بالعنف ،وإذا افترضنا ذلك صحيحاً من هو الذي بدأ بالعنف،وكيف يمكن الخروج من هذه الدائرة؟ ـ في اعتقادي أن وصف الانتفاضة بالعنف وصف صهيوني ماكر، الهدف منه تصوير الانتفاضة على انها عمل همجي لا هدف من ورائه إلا إيذاء الصهاينة، وذلك حتى تخرج الانتفاضة من دائرة العمل المقاوم المشروع ضد محتل يغتصب الوطن، إلى عمل عبثي عنفي غير حضاري حتى يصبح التركيز على وقف العنف وليس وقف الاحتلال، ولقد دأب اليهود على خلق مسميات تهدف إلى إخراج الأشياء عن مضامينها الحقيقية، فهم من وراء مسمى اللاسامية، ومسمى المخربين، والإرهابيين، والمتطرفين، وغير ذلك من المسميات الإرهابية، أي التي تهدف إلى إرهاب ضحايا عدوانهم، ومن المؤسف أن هناك من ينزلق عن قصد أو عن غير قصد فيردد ما يقوله الصهاينة مما يشكل أكبر خدمة لهم، وأما الذي بدأ بالعدوان والإرهاب وممارسة أبشع صور العنف فهم اليهود المفسدون الذين اغتصبوا فلسطين عام 48 ولا يزالون يحتفظون بما اغتصبوا، ويقتلون ويخربون ويفسدون في فلسطين ويدنسون مقدسات المسلمين، ويسفكون الدماء، وينتهكون الأعراض، ولا يجد الشعب الفلسطيني من سبيل في مواجهة هذه اليهودية الصهيونية الفاشية النازية العنصرية إلا أن يدافع عن نفسه بكل ما يملك من وسائل، فالمعركة إذن فرضت علينا ولم نسع إليها، ولا يمكن أن تتوقف هذه المعركة إلا إذا أخذ الشعب الفلسطيني حقه كاملا غير منقوص. ـ اسرائيل نفذت العديد من الهجمات العسكرية على الفلسطينيين ولم نسمع أي مسئول في اسرائيل يدين هذه الأعمال ،لماذا إذن الفلسطينيون يقدمون هدية لإسرائيل لدرجة انهم وصفوا منفذي العمليات الاستشهادية بالجماعات الإرهابية ،هل نفهم أن الفلسطينيين تراجعوا عن مفاهيم المقاومة لصالح المفاهيم الإسرائيلية والأمريكية؟ ـ ما من شك أن الصهاينة من ليكود وعمل وميرتس وحتى السلام الآن يشكلون فريقا واحدا ولكن لكل دوره الذي يصب في النهاية في صالح المخطط الصهيوني، وأنا أدرك أن هناك من سيستغرب قولي هذا ولكن عليهم أن يدققوا في كل كلمة تقال من مختلف الأطراف الصهيونية وكل حركة وسكنة ليصلوا إلى هذه القناعة، والله سبحانه يقول في كتابه «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود» ولم يقل الليكود، ولام التعريف في اليهود تستغرق الجنس، ومن العجيب والمريب في آن واحد أن نسمع ممن ينتسبون إلى فلسطين من يصف منفذي العمليات الاستشهادية بالجماعات الإرهابية، فأنا لا أستطيع أن أفهم أو أتفهم موقفهم، فالذي يطلق على مقاومتنا المشروعة للاحتلال صفة الإرهاب هم أعداء العرب والمسلمين من صهاينة وأمريكان، ولهم أهداف خبيثة من وراء ذلك، وعلى رأس هذه الأهداف تجريد الفلسطينيين من أي حق لهم في فلسطين، فلو اعترفوا بحقنا في فلسطين لاعترفوا بأننا مقاومة مشروعة لاحتلال غير مشروع، ولهم عذرهم في موقفهم هذا لأنهم أعداء، ولكن أي عذر هذا الذي يمكن أن نلتمسه لفلسطيني يقول بقولهم، وهل يمكن أن نتصور سببا واحدا يمكن أن يجبر فلسطيني على إدانة شعبه المجاهد ووصف جهاده المشروع بالإرهاب؟ لا أعتقد ذلك إذن فالأمر أخطر مما يتصور السطحيون. ـ القيادة الفلسطينية الرسمية تتحدث عن مفهوم للسلام «إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية» وإسرائيل تتحدث عن سلام آخر «باراك طرح انسحاب من 75% من الأراضي الفلسطينية، وشارون طرح 42%» هل هناك أي إمكانية لجسر الهوة بين الطرفين خاصة إذا علمنا أن اسرائيل اليوم هي أقوى بالإضافة إلى الدعم الأمريكي لها؟ ـ جسر الهوة بين السلطة والصهاينة من وجهة نظري أمر ممكن جدا، ولكن على حساب الحق الفلسطيني فقط، خاصة أن السلطة عودتنا على الاستجابة للضغوط، وأبدت مرونة أمام الصلف الصهيوني، ويكفي أنها شطبت 78% من فلسطين في جرة قلم واحدة، وها هي اليوم تتحدث عن تفهم لحاجة الصهاينة الديموغرافية، وكأنها تدعم الموقف الصهيوني الذي يزعم بأن فلسطين لليهود، وأن دولتهم يجب أن تكون يهودية خالصة، وبالتالي أصبحت السلطة تتفهم حرمان اللاجئين من العودة إلى مدنهم وقراهم لصالح العنصرية الصهيونية، ولذا فجسر الهوة بين السلطة والعدو واردة وممكنة، ولكن الغير ممكن هو جسر الهوة بين تطلعات الشعب الفلسطيني واستعداد السلطة للتنازل أمام الضغط الصهيوني، مما يجعلني أجزم بأن من أراد أن يقفز عن إرادة الشعب الفلسطيني سيبوء بالفشل لا محالة، ومن تصور أن هناك حلا يمكن فرضه عن طريق التنكر لشيء من حقوق شعبنا الفلسطيني فهو واهم، لأن شعبنا الفلسطيني يتسلح بالإيمان والإرادة والوعي والاستعداد للتضحية، وشعب هذه صفاته لا يمكن الاستخفاف به. ـ الفلسطينيون متمسكون بتنفيذ قراراي 242،338 ،لماذا لا يتمسكون بجميع القرارات الشرعية كرزمة واحدة؟ ـ ينبغي أن تقول في سؤالك السلطة الفلسطينية أو قل المفاوض الفلسطيني متمسك بما كان يرفض من قبل من قرارات دولية مثل 242، 338 ، تلك القرارات التي كانت تعتبرها منظمة التحرير الفلسطينية قرارات تصفوية للقضية الفلسطينية وذلك قبل الدخول في منزلقات التسوية، ولكن الفلسطينيين متمسكون بحقهم الكامل في وطنهم التاريخي، حتى وإن افتقروا اليوم للقوة القادرة على تحرير كامل التراب الفلسطيني، فهم يملكون الإرادة التي تحول دون التفريط بشبر منها، وقرارات الشرعية الدولية التي تفتقر للنزاهة والعدالة، ومنها قرار التقسيم 181 مرفوضة جملة وتفصيلا من قبل شعبنا الفلسطيني، وستثبت الأيام أن أمتنا قادرة على التغلب على عجزها الذي فرض عليها التعاطي مع قرارات الأمم المتحدة الظالمة، وأنها ستعيد كامل حقوقها المغتصبة على يد المنظمات الدولية وقراراتها اللاشرعية. ـ ألا تعتقدون بان من يصف أعمال المقاومة بأنها إرهابية اليوم،يقول في الغد أن عودة اللاجئين مستحيلة ،خاصة أن قرار 194 لم يتم تضمينه في اتفاقات أوسلو؟ ـ نحن نؤمن أن التنازل الأول لا يقود إلا إلى تنازل ثان، ومن ثم إلى متوالية من التنازلات تصبح أكثر سهولة في ارتكابها كلما ابتعدنا عن البداية، بل وأعتقد أن الذي يقبل بالتنازل عن جزء من حقه لا يمانع في التنازل عن كامل حقه، لأن الأسباب التي دفعته للتنازل الأول ما زالت قائمة، سواء على مستوى استعداده الشخصي، أو تركيبته النفسية والعضوية، وكذلك على مستوى المعطيات الإقليمية والدولية وكيفية التعامل معها، أي أن الذي جعل المفاوض الفلسطيني يؤمن أن الواقع لا يسمح إلا بالتنازل عما اغتصب عام 1948 هو نفس الواقع القائم حاليا والذي سيدفعه للتنازل عما اغتصب عام 1967 ، بل الواقع الحالي أكثر تعقيدا، ومن هنا فإن المطلوب منا ألا نتجاهل الواقع ونحن نضع الخطط اللازمة لتحقيق أهدافنا، ولكن من الخطأ بمكان أن نتخذ من الواقع ذريعة للتخلي عن أهدافنا. ـ الفلسطينيون يقولون بأنهم شركاء للسلام ولكن اسرائيل تريدهم مستسلمين ،إذن كيف يمكن جسر الهوة بين الرؤيتين أي «رؤية فلسطينية وأخرى صهيونية»؟ ـ إن صنع السلام عن طريق جسر الهوة بين عدو فاشي عنصري استيطاني إحلالي يملك القوة، وصاحب حق ضعيف، أشبه ما يكون بصنع سلام عن طريق جسر الهوة بين ذئب جائع وحمل هزيل، فالسلام عندئذ هو أن يأكل الذئب الحمل، وهذا هو السلام الذي يدعى إليه اليوم شعبنا الفلسطيني، فلا جسر للهوة في المنظور الصهيوني، إلا بابتلاعهم كامل فلسطين، فإذا ما جسرت الهوة بهذه الطريقة بين الصهاينة والفلسطينيين ستبدو عمق الهوة بوضوح عندئذ بين الصهاينة والعرب والتي تحتاج إلى جسر ولن يكون جسرها إلا بإقامة ما يسمى « بإسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات، ومن لا يريد أن يفهم حقيقة ما أقول، فعليه أن يسأل العلم الصهيوني حيث تقع نجمة داوود بين خطين زرقاوين أحدهما يمثل النيل والآخر يمثل الفرات، وعليه أيضا أن ينظر إلى واجهة الكنيست وقد رسمت عليها خارطة ما يسمى بإسرائيل الكبرى، وعليه أن يدقق النظر في عملتهم المعدنية، حيث أنه قد نقشت على إحدى واجهتي «العشرة آغورات» خارطة ما يسمى «بإسرائيل الكبرى» يظللها رمز صهيوني هو الشمعدان. ـ صحيح أن اسرائيل متفوقة اليوم عسكريا ولكن أصبح هناك اليوم توازن في حالة عدم الاستقرار النفسي بين الفلسطينيين واليهود خاصة بعد تنفيذ العمليات الاستشهادية ألا تعتقدون أن هذا الانتصار لأول مرة يتم تحقيقه على الصعيد الفلسطيني؟ ـ أنا أعتقد جازما أن القوة الإيمانية التي يمتلكها المجاهد الفلسطيني قادرة لا أقول على إحداث توازن الردع فقط، ولكن قادرة بإذن الله على إحداث حالة من اختلال في ميزان القوى لصالحنا، والسبب في ذلك أن من أهم عناصر القوة في المواجهة الاستعداد للتحمل، أي الصبر بمفهوم القرآن، والصبر يحتاج إلى قوة إيمانية هائلة يمتلكها المؤمن الذي يفجر نفسه وهو مبتسم، ويفتقر إليها الصهيوني الذي كل همه أن يعيش، واسأل التمرد الكبير في الجيش الصهيوني، حيث أن عددا كبيرا من الضباط باتوا يرفضون الخدمة في الضفة والقطاع خوفاً من الفلسطينيين وليس لإنسانية فيهم، حيث نقرأ في كتاب الله قول الحق سبحانه «ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين» وقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون» فالثبات والصبر عدة لا يمتلكها العدو، ولذلك يفر من المواجهة ويتحصن بالدبابة أو الطائرة عند الهجوم، وهو بطائرته ودبابته يختار ميدان المعركة التي يتفوق فيها ماديا، ونحن بالعمل الاستشهادي نختار ميدان المعركة التي نتفوق فيها على العدو، وإذا تحقق اليوم توازن الردع بفضل الله ثم باستعداد المجاهد الفلسطيني للتضحية، فغدا ستكون لنا الغلبة بإذن الله لأننا نحب الشهادة حبهم للحياة، ولنا فيما جرى في جنوب لبنان المثل للتأكيد على صحة ما ذهبت إليه، إن التفاهم الذي تم بين المقاومة في لبنان والصهاينة يعني توازن الردع، ولكن فرار المحتلين بالانسحاب من جانب واحد يعني اختلال الميزان لصالح المقاومة. ـ عودة إلى اتفاقات أوسلو هل تحقق هذه الاتفاقات الرؤيا والحلم الفلسطيني في إقامة الدولة وإنهاء الاحتلال؟ ـ إننا أمام عدو طبيعته عدوانية، ولا يؤمن بالسلام، والله يصف اليهود فيقول «كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله» ويقول فيهم أيضا «ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» وأما في خلقهم الذميم في نبذ العهود فيقول الله فيه «أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم» هذه الحقائق القرآنية لا تتبدل ولا تتغير، فها هو شارون ينبذ كل الاتفاقيات التي تمت من قبل وعلى رأسها أوسلو الكارثية، ولما كان حلم الفلسطينيين لن يتحقق إلا بعودتهم وإقامة دولتهم على كامل ترابهم، فكيف يمكن لأوسلو التي سلبت حق الفلسطينيين فيما اغتصب على الأقل عام 1948 من تحقيق الحلم الفلسطيني؟ وكيف يمكن للحلم الفلسطيني أن يتحقق بالاتفاق مع عدو لا يحترم ما وقع عليه؟ ـ وبرأيك ما هي دوافع تصعيد التوسع الاستيطاني؟ ـ لأنها عدوانية توسعية تؤمن بما يسمى «بإسرائيل الكبرى» ولا تعترف بأي حق للشعب الفلسطيني بالتواجد على أرضه وأرض أجداده. ـ اسرائيل ترفض تقاسم مدينة القدس إذن كيف سيحقق السلام؟ ـ علينا عندما نتحدث عن تحقيق السلام ألا نشطب من المعادلة الحق الفلسطيني، وألا نتجاهل الإرادة الفلسطينية،فكما أن رفض الصهاينة لتقاسم القدس لا يحقق السلام، فتقاسمها أيضا لا يحقق السلام، فالقدس شرقيها وغربيها وشمالها وجنوبها جزء من فلسطين، وفلسطين أرض وقف إسلامي، وهي للفلسطينيين فقط، ولن يتحقق السلام إلا بعودتها كاملة، وسيبقى التوتر وتبقى الحروب حتى تحريرها، ومن قال غير ذلك فهو لا يفهم طبيعة الصراع، والله يقول «وأخرجوهم من حيث أخرجوكم» ويقول «وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا». ـ لكن كيف يمكن تحقيق العدالة في فلسطين أمام هذا الطغيان العالمي؟ ـ بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل أن تهزم الأمة، فعلينا أن نوحد صفنا كأمة إسلامية، وعلينا أن نقيم فيما بيننا حكم الله، وعلينا أن نربي أبناءنا على معاني العزة والكرامة، وأن نبث فيهم أخلاق الإسلام، وعلينا إذن أن نعيد فلسطين إلى دائرتها الأوسع، لتتصدى لحلها الأمة فلا يترك الشعب الفلسطيني وحيدا في الميدان، فكما أن الدفاع عن مكة شأن إسلامي، ولا يمكن التصور أن تتنصل منه الأمة ليصبح هم السعوديين وحدهم، فإذا حلت بمكة نازلة لا سمح الله لا نتصور إلا أن تنهض الأمة بكاملها للدفاع عنها، فإن الدفاع عن الأقصى وأرض المسلمين في فلسطين شأن إسلامي أيضا، فلا يجوز أن تلقى التبعة ـ بدعوى الممثل الشرعي والوحيد ـ على كاهل الفلسطينيين وحدهم، ولا يجوز إذن للأمة أن تتنصل من دورها، فدعوتنا للأمة ليست من باب التطفل أو الاستجداء، ولكنه دورها وواجبها وعليها أن تقوم بدورها وواجبها.