يعرض المؤلف بالتفصيل الوقائع التي جرت على الساحة الميدانية بالنسبة لهجوم مونتي على العلمين ورد فعل القوات الألمانية، ومن ثم الهجوم المضاد الذي سعى رومل، لشنه بهدف دحر الحلفاء وردهم على أعقابهم. ففي الساعة التاسعة والدقيقة الأربعين مساءً فتحت نيرانها كل أسلحة الحلفاء، بعد أن قامت القوات الجوية بقصف مراكز الذخيرة والتجمعات والمستودعات، والبطاريات الألمانية والإيطالية التي تم تحديدها. ويشبه المؤلف الهجوم والضوضاء الهائلة الناجمة عن الانفجارات بعرض لعمل ناري ضخم كان أشبه بالخرافي منه إلى الواقعي. وتوقفت المدافع الكبيرة لتبدأ فجأة الرشاشات والمدافع الخفيفة بالانطلاق لفترة مماثلة من الزمن ليخيم بعدها صمت مميت. وما تلا ذلك الصمت هو هدير متواصل كأن الأرض كلها قد أخذت تهتز وأضاءت السماء بالألوان الزرقاء والحمراء والخضراء والبيضاء بفعل الوميض وضياء اللهب الساطع فتساقطت القنابل كالمطر في المناطق القوية والمواقع الدفاعية وعلى الطرق والمعابر وتجمعات الأفراد والخيم والأكواخ. وفيما وراء هذه السواتر المتحركة زحف المشاة المتقدمون للفرق الأربع ـ الأسترالية والمناطق المرتفعة والنيوزلندية والجنوب أفريقية ـ صوب الشمال عبر أحزمة مناطق الألغام البريطانية وعبر الأرض الحرام الى «حدائق الشيطان». وتبعتهم مجموعات تطهير الألغام التي شرعت بمسح الأرض بالحراب وكاشفات الألغام وفعلت الأمر ذاته في الجنوب الفرقة البريطانية 44 وحالما انتهت فرق كشف الألغام من عملها وحددت الخطوط الخالية من الألغام تسللت فرقتان مدرعتان بريطانيتان في الشمال وأخرى في الجنوب لتحتلا مواقع تطل على الأرض وتتمتع بمدافع مضادة للدبابات ولتوفير غطاء لمشاة الكومنولث الذين أخذوا يتوغلون خلال مواقع المشاة الألمانية والإيطالية، مما يجبر في النهاية قوات المحور المدرعة على القيام بالهجوم المقابل وإبادتها تدريجياً. ومن جانب آخر يذكر هاملتون ان شجاعة جنود الحلفاء في العلمين تبدت بشكل يستحق ذكره في التاريخ لما انطوى عملهم عليه من مشقة هائلة وخطورة محتملة وموت مؤكد بين حين وآخر. فبعد أن توقف القصف اندفع 10000 من المشاة في ضوء القمر ومن خلال حقول الألغام غير الممشطة لضرب القواعد الأمامية والخنادق ونقاط قوة المحور بمدافع الهاون والرشاشات ورشاشات برين. وأتضح لهؤلاء الرجال ان حقلي ألغام المحور الاثنين قد انقلبا خمسة ثم ستة ثم سبعة من حيث عمق الأحزمة. وكان القتال من دون رحمة ولم يتم الاستيلاء على أي شبر من الأرض أو أخذ الأسرى لأن ذلك ـ كما يعلله المؤلف ـ سيقلل من مستوى التقدم وإيقاع القتال قبل الفجر. وكانت سمة القتال الوحشية المميتة لأن هؤلاء المشاة قد تم تدريبهم وإعدادهم للقتال ليلاً، بحيث تم ترك الجرحى من كل جانب وفي المواقع التي سقطوا فيها من دون إسعاف. وكان على المشاة تجاوز القنابل اليدوية الألمانية والقنابل الجوية 200 ال بي ذات الأسلاك وألغام إس المضادة للأشخاص وألغام تيلر المضادة للعجلات والأسلاك الشائكة ومدافع الهاون، حيث ينبغي تخطي كل ذلك في عتمة الليل من جانب المشاة المتقدمين قبيل أن يقوم بعدهم مهندسو الألغام بتمشيط خطوط خلف هؤلاء المشاة لكي تتمكن المدفعية والدبابات من اسنادهم ولكي يتم تزويدهم بأسلحة أخرى. وبعد ذلك ستتحرك إلى الميدان الفرق المدرعة الثقيلة. ويضرب لنا هاملتون مثلاً بصورة لما شاهده أحد مهندسي الألغام من تأثير لغم إس المميت. فعندما وضع أحد الجنود قدمه على فتيل التفجير سمع صوت انفجارين واضحين أحدهما يلقي باللغم عالياً إلى الهواء والثاني إلى مستوى الخصر وألقى بمئات الأشلاء من الجسم الممزق لتتناثر بشكل أفقي في كل مكان. كارثة أم حكمة؟ يشير المؤلف إلى الخطأ الكارثي الذي ارتكبته قوات الحلفاء وأثر في سير المعركة والخطة التي رسمها مونتي لمجمل القتال. وهذا الخطأ يتعلق بدور الفرقة المدرعة العاشرة بقيادة الجنرال جيتهاوس التي كان من المفترض لها أن تتبع وتمر من خلال الكتيبة المدرعة التاسعة عند الفجر ليشيد بعدها مواقع للدبابات والمدافع المضادة للدبابات والمدفعية على مسافة بضعة أميال فيما وراء تضاريس المطيرية قبيل أن ينصب الألمان خطوط مدفعية لهم. ويعزو المؤلف الخطأ إلى أمرين، أولهما فشل البريطانيين في إنتاج وتطوير دبابات بكميات كبيرة وذات مدافع ثنائية الغرض تتمتع بقوة نارية مؤثرة. وثانيهما جنوح بعض الضباط البريطانيين، غير القادرين على التصرف بحكمة مع المشكلات التي تظهر في ساحات القتال، إلى عدم تنفيذ تعليمات مونتي التدريبية فيما يخص الكثير من التشكيلات المدرعة. ففي الوقت الذي كان مطلوباً من الفيالق المدرعة خوض معركة استنزاف شديدة الإحكام حيث تتحرك هذه الفرق بعد المشاة تماماً باستخدام دباباتها طعماً وبالتنسيق الوثيق مع المدافع المضادة للدبابات والمدفعية الميدانية والمتوسطة، تماماً كما كان الألمان يفعلون في حملتهم في الصحراء، تسبب فشل القائد لومسدن في تدريب تشكيلاته بنتائج مهلكة. ويرى المؤلف أن فشل البريطانيين في تطوير مدفع مضاد للطائرات ثنائي الغرض من عيار 3.7 قد وضع البريطانيين في موقع ضعف لعدة سنوات إذا ما أخذنا بالاعتبار وزن القذيفة وقوة الاختراق وكثافة النيران وحجمه مقارنة بمدفع 88، وهو موقف جعل دبابات جرانت وشيرمان، المدرعتين الرائعتين والمتطورتين تقنياً، عاجزة عن إنقاذهم. وهكذا أخفقت فرقة جيتهاوس العاشرة المدرعة بدباباتها المتطورة من طراز شيرمان في اختراق كتائب مشاة المحور ودباباته في فجر 24 أكتوبر. فرأى «مونتي» ذلك أمراً مشيناً بينما اعتبره القادة البريطانيون الآخرون علامة لحكمة دنيوية إذا ما أخذنا بالاعتبار القوة النارية القاتلة لمدافع 88. لقد أدرك «مونتي» ان فشل القوات المدرعة البريطانية في ضرب واغتنام ارتباك العدو في اليوم الأول وبعد ليلة رائعة ومدمرة لخطوط المدفعية ستكون له عواقب مريرة، وهو الأمر ذاته الذي سوف يتكرر ويصادفه «مونتي» في يوم الإنزال الكبير في نورماندي. وسعى من دون طائل إلى تعزيز لومسدن أملاً في الشروع بعمليات تحطيم بعد يوم واحد من فجر العمليات، حيث أيقن إن من المهم جداً استثمار ارتباك العدو عند الفجر. وفي الساعة الخامسة فجراً أرسل «مونتي» رسالة إلى مقر الجيش الثامن الرئيس يحذر فيها قادة الفرق بأن الفرقة النيوزلندية التي لا تتمتع بدبابات ومدافع هجومية قد تخطت تضاريس المطيرية وطلب من القوات الجوية تشديد ارتباك القيادة العليا الألمانية من خلال مساعدة الأستراليين بالبدء فوراً بالتغلغل عبر النتوء الشمالي صوب الساحل. وفي الحقيقة ليست الفرقة النيوزلندية بالوحيدة التي واجهت الصعوبات: فالفرقة الأسترالية وفرقة الأراضي المرتفعة قد واجهتا مقاومة شرسة كما يقول المؤلف نقلاً عن «مونتي» في مذكراته، فكانت خسائرهما فادحة في الوقت الذي لم تتقدما سوى مسافة محدودة خلال تضاريس المطيرية من إحدى الجهات. رسالة واضحة هنا يتطرق المؤلف إلى رد فعل «مونتي» والرسالة التهديدية التي بعثها إلى لومسدن. فـ «مونتي» كان أكثر شخص يدرك أهمية هذه المعركة الحاسمة بالنسبة للعالم الغربي وصعوبة الموقف بعد أن قتل أو أصيب ثلاثة الاف من خيرة رجال الحلفاء الشجعان للوصول الى هذه النقطة. وكانت رسالته واضحة وتقضي بأن يبلغ قادة فرقه بشن الهجوم والا اضطر إلى تغيير القائدين بريجز وفيشر ويحل محلهما من هما خير منهما. وهكذا بدأت الفرقة 51 بأوامر من ليز بشن هجوم عند الساعة الثالثة من بعد الظهر عبر ممر سهل من خلال حقول الألغام الموازية للفرقة المدرعة الأولى، حيث شعر مقر قيادة الجيش الثامن في الساعة الثالثة والدقيقة الخامسة والأربعين ظهراً بحجم الضغط الموجه في الشمال من جانب قائد الجيش على الفرقة الأولى للاندفاع بصرف النظر عن حجم الخسائر ـ وهي الحقيقة التي دفعت بريجز الخائف من الطرد لحث قائد كتيبته الأمامية فيشر على الاختراق على حساب التضحيات. وهكذا جاءت الأخبار الطيبة بعد نصف ساعة. فقد تمكنت الكتيبة المدرعة المتقدمة للفرقة المدرعة الأولى من إيجاد ثغرة ستتغلغل من خلالها بعد الانتهاء من عملية التمشيط وبدت عناصر الفرقة الأولى في وقت مبكر من المساء فيما وراء المشاة المتقدمين. وعندما توارى ضوء المساء ازدادت بهجة «مونتي» عندما بدأ القائد الألماني فون ثوما، الذي تولى قيادة الفيلق المدرع مؤقتاً بعد مقتل فون ستوم، بأولى هجماته المضادة التي تاق «مونتي» إليها، حيث طوقت وحدات من الفرقة 15 للفيلق المدرع الألماني وفرق ليتوريا خط المدفعية والدبابات الخاص بالجيش الثامن فخسر المحور 26 دبابة في العملية لتبدو العملية في القطاع الأيمن للنتوء وقد ردت على أعقابها في الأقل. ومع ذلك لم تكن جميع الأخبار لتبهج «مونتي». فالإشارة التي بعثها لومسدن والمتعلقة بتعرض جيتهاوس لحقول الألغام التي تمكن الألمان من زرعها في ذلك اليوم أسفل تضاريس المطيرية قد أغضبته كثيراً لأن الفرقة المدرعة 21 الألمانية التي ذكرها لومسدن كان «مونتي» متأكداً بوجودها في الجنوب للحماية ضد أي اختراق يقوم به الجيش الثامن. وما زاد الطين بلة أن لومسدن قد أعرب أيضاً عن عدم معرفته بموقع الكتيبة المدرعة 24 وهي الكتيبة المدرعة الثانية في فرقة جيتهاوس. وهنا يكرر المؤلف القول بأن «مونتي» كان يدرك أهمية الاحتفاظ برباطة الجأش في ظل غياب رومل ومرور وقت بسيط جداً على بدء المعركة. وأصر على جيتهاوس أن يسحب خططه المتعلقة بشن هجوم ليلي من جهة تضاريس المطيرية بحيث تتمكن الفرقة النيوزلندية من الشروع بعمليات اختراق صوب الجزء الجنوبي ـ الغربي من النتوء. ووصلت إلى «مونتي» رسالة لومسدن التي تؤكد على امتلاك الفرقة 21 المدرعة للعدد الكافي من الدبابات عند خط بيرسون في الساعة التاسعة مساءً وأن الفرقة المدرعة العاشرة ستخرج للقتال عند منتصف الليل بهدف تحقيق درع في جهة الميمنة التي ستساند الكتيبات المتقدمة للفرقة المدرعة الأولى. وهكذا انقضى اليوم الأول للقتال بكامله ليقع الاشتباك القتالي والاختراق لدفاعات مشاة رومل في شمال وجنوب النتوء، مما يغري قوات المحور المدرعة على القيام بهجوم مضاد عقيم. الأزمة الثانية يتطرق المؤلف إلى الموقف الصعب الثاني الذي آلت إليه الأمور على جبهة القتال. ففي الساعات الأولى من يوم الأحد 25 أكتوبر 1942 أوقظ «مونتي» ليعلم أن سير القتال كان سيئاً فيما وراء تضاريس المطيرية التي كان من المفروض أن تسير الفرقة العاشرة المدرعة تحت قيادة جيتهاوس بدبابات ومشاة الفرقة النيوزلندية صوب هدفها المرسوم عند خط بيرسون. فقد تعرض رتل كامل من شاحنات الذخيرة والبترول لإصابات مباشرة على يد القاذفات الألمانية. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل برهنت عمليات تمشيط الألغام القديمة والحديثة للعدو على صعوبتها البالغة بينما رفضت كتائب الدبابات السير ليلاً واحتجت على خسائرها الفادحة. وعندما وصلت الكتيبة المدرعة التاسعة بقيادة فريبيرج إلى خط بيرستون لتوفير حماية جناح لكتائب الفرقة المدرعة ناشد قائد الكتيبة المدرعة الثامنة في الفرقة العاشرة جيتهاوس إلغاء الهجوم. ولم يعرف أيضاً لومسدن بما كان يفعله جيتهاوس وانقطع الاتصال بينهما فعاد جيتهاوس ثمانية أميال إلى مقر قيادته داخل الخطوط البريطانية للاتصال بلومسدن هاتفياً. وهكذا لاحت العملية والموقف برمته خارج نطاق السيطرة ولصالح العدو نظراً لغياب العزم والتصميم لدى قادة المدرعات. وعند تلك المرحلة وجد «مونتي» ان خطته برمتها ستخفق إذا لم تتجاوز الفرق المدرعة البريطانية خطوط المشاة في محاولة منها لاستقطاب مدرعات المحور لتصبح في مدى أسلحة الحلفاء المضادة للدبابات. لقد أدرك «مونتي» اختلاف تضاريس المطيرية عن علم حلفا وكان الحل الأمثل له هو تحفيز الهجوم المضاد بصرف النظر عن عدد الخسائر البريطانية في الدبابات. ويعلل المؤلف تصرف «مونتي» الذي بعث بالتساؤل بين القادة الميدانيين برغبته بالاحتفاظ بالمبادأة مهما كانت الخسائر حيث أمر أولاً جيتهاوس بشق طريقه خارجاً وأوضح ثانياً للومسدن بشكل لا يقبل اللبس إن خطتة (أي خطة «مونتي») وأوامره لن تتغير أبداً وأن على القوات المدرعة أن تعبر منطقة الألغام صوب أرض مفتوحة يمكن لها فيها المناورة ومباغتة العدو. وبخلاف ذلك ستكون العواقب مميتة، لذلك طلب «مونتي» من أي قائد التخلي عن منصبه لو وجد في نفسه عدم القدرة على القيام بذلك. وهنا يذكر هاملتون إن لومسدن وجيتهاوس لم يفهما ان المدرعات إذا ما أخفقت في تجاوز حقول الألغام ستصبح عمليات توغل المشاة عبر الجناح النيوزلندي هزيمة ذاتية ولن يرغم الموقف العدو على شن الهجوم المضاد بمدرعاته، مما سيفضي ذلك إلى توقف القتال. وعندما استيقظ «مونتي» في فجر 25 أكتوبر كان ـ كما يذكر هاملتون ـ مقتنعاً بأنه وجه بيد فولاذية وأوامر حديدية لومسدن وجيتهاوس للمبادرة لا أن ينظرا إلى الآخرين للقيام بها وبدأ بمعرفة ما كان يجري على الميدان تماماً، بعد أن أرسل مساعده جون بوسطن ليكتب له تقريراً شخصياً عما كان يحدث. وهكذا توقع «مونتي» انه حقق سلسلة من الأمور التي تصب في صالحه، تقدم اللواء المدرع التاسع عبر حقول الألغام لإسناد عمليات تحطيم العدو التي كانت تقوم بها الفرقة النيوزلندية، خروج لواء جيتهاوس الثامن المدرع من مأزقه ليكون ضمن المدى الذي يسمح له بمساندة اللواء المدرع 24، ليشكلا بدورهما خوذة مدرعة فيما وراء حقول الألغام لتجبر العدو على شن الهجوم المضاد. وهنا يشير هاملتون إلى ان الحقيقة بالنسبة لما كان جيتهاوس يفعله تختلف تماماً عما ذكره لـ «مونتي». فهجوم الجيش الثامن المدرع الذي يهدف إلى توفير درع للفرقة النيوزلندية أثناء عملياتها الاختراقية ولتحفيز مدرعات المحور على القيام بالهجوم المضاد قد أخذ يترنح في الجناح الشمالي على الأقل. وفي الساعة السابعة والربع صباحاً اعتقد «مونتي»، الذي ضللته إشارات جيتهاوس بأنه قد تمكن من تمشيط حقول الألغام ليسمح بمرور بقية كتائب اللواء المدرع الثامن، فقام بإعطاء الأوامر للومسدن لتحديد وتدمير مجموعات العدو القتالية المدرعة وليضمن إن العمليات التدميرية التي تقوم بها الفرقة النيوزلندية الثانية جنوب غرب تضاريس المطيرية لن تعترضها قوات العدو المدرعة في جهة الغرب. وفي الحقيقة يذكر هاملتون ان «مونتي» كان يؤكد على حدث كان يتوقع انه حصل في الميدان أثناء سير القتال، لكن جيتهاوس في المقابل لم يرسل أية مدفعية أو مشاة، فقد قرر بمفرده سحب كل وحدات الكتيبة المدرعة إلى ما وراء تضاريس المطيرية ليترك دبابات كتائب فريبيرج وحدها من دون إسناد من جانب مدفعيته المدرعة ومن جانب 250 دبابة و4000 جندي مشاة. ومع ما فعله جيتهاوس والذي وضع قوات الحلفاء في منطقة القتال في موقف صعب للغاية، تمكن القائد البريطاني جاي الموجود في أحد التشكيلات المجاورة من الالتفاف على العدو على الرغم من كثافة النيران وحجمها فوضع قواته في موقع يسهل على الحلفاء شن عمليات انتقامية، وهو الأمر الذي شاء «مونتي» له أن يحصل من خلال العمليات التحطيمية. وتمكنت بعد تلك المناورة كتيبتان من اللواء المدرع التاسع تدعمهما مدفعية الفرقة النيوزلندية من تدمير 13 دبابة للمحور و10 مدافع وأسر مئات من المشاة، لتبدأ بعدها عملية الاشتباك التي أمر بها «مونتي» تحت قيادة جون كيري بهدف التقدم صوب مسافة أبعد عند حلول ليلة 25 أكتوبر. وهنا تصرف «مونتي» ـ كما يذكر هاملتون ـ بحنكة في الاحتفاظ بالمبادأة ومفاجأة العدو. وبدلاً من أن يقوم بتعزيز جيتهاوس الذي أثبت ضعفاً واضحاً بدأ يدرس نقاط مناطق قوته الأخرى لكي يقوم باغتنامها. وشاء أيضاً في هذه المرة أن يجعل القائد الألماني ثوما يظل في حيرة وتساؤل. قرر «مونتي» وبسرعة في اجتماعه الذي عقده مع قادته الميدانيين والمعركة في أوجها سحب اللواءين المدرعين التابعين لفرقة جيتهاوس المدرعة عند تضاريس المطيرية ونقلهما ليكونا قوة احتياطية. وسينتقل ثقل الهجوم في هذه المرة صوب القطاع الأيمن من منطقة اختراق الجيش الثامن لتشكل غطاءً للفرقة المدرعة ولتبدأ عمليات تحطيم العدو جهة الشمال، بواسطة مشاة الفرقة الأسترالية التاسعة. ويخلص المؤلف للقول إن خطة «مونتي» الجديدة كانت تعني إنشاء خط ثقل جديد أو محور عمليات من الجنوب إلى الشمال، في صورة أشبه بالانتقال 180 درجة. ورغب «مونتي» في أن خط الهجوم الجديد بالكامل قد يأخذ العدو على حين غرة. فالعمليات التي كان الفيلق 30 يقوم بها بهدف تحطيم صفوف العدو والدخول فيها ستتوقف وسيمسك هذا الفيلق بقوة بتضاريس المطيرية من دون أن يقوم بشن عمليات إلى الجنوب الغربي من تلك التضاريس. وستكون عمليات الفيلق 30 إلى الشمال صوب الساحل باستخدام الفرقة الأسترالية التاسعة. وهكذا يرى المؤلف ان اجتماع «مونتي» مع قادته في الساعة 12 من يوم 25 أكتوبر عام 1942 قد سجل أول تغيير كبير في سير الحرب، كما برهنت الأيام التالية، ونقطة تحول في القتال. لذلك بات دور المدفعية النيوزلندية يتحدد بحماية النيوزلنديين في مواقعهم عند تضاريس المطيرية في الوقت صدرت الأوامر إلى المشاة الأستراليين الفخورين بما فعلوه في اليوم بالقيام بدورهم الهجومي الكبير الثاني، وهو الهجوم الذي سيربك العدو ويفتح عدة ثغرات بين صفوفه ليعود في النهاية بنصر شبه حاسم في معركة العلمين.