الملف السياسي: «اعتقد ان السنوات المقبلة سوف تكشف ان فضيحة انرون وليس هجمات 11 سبتمبر كانت هي نقطة التحولات الكبرى في حياة المجتمع الامريكي». ويضيف المعلق في «نيويورك تايمز» بول كروجمان: «لقد كان حدثا هائلا وقع بسرعة كبيرة، وغير تصوراتنا الامريكية عن انفسنا وعن العالم، وقبل وقوع هذا الحدث، كنا، كما يبدو، نعيش في عالم من البراءة العمياء، من دون شعور بالاخطار الحقيقية المحدقة بنا .. لا .. انني لا اتحدث عن 11 سبتمبر بل عن فضيحة انرون». ماذا يستنتج القاريء من هذه العبارات؟ شخصيا، اعتقد انه من اجل ان تعرف مايدور على جبهات الحرب العالمية ضد الارهاب، وهو يعنينا جميعا، علينا ان نعرف ما يدور على جبهات الحرب التي يخوضها البيت الابيض في واشنطن، و 10 داوننج ستريت في لندن «لان السياسة الخارجية والسياسة الداخلية هما وجهان لعملة واحدة» كما قال المعلق في «سي. ان. ان» بول شنايدر بعد استماعه الى خطاب الرئيس جورج دبليو بوش عن حال الامة وقد استخدم فيه عبارة «الشر» خمس مرات في الحديث عن الخارج وحده دون ان يخص الداخل، وهو يفيض بالشر، كما تكشف فضيحة انرون، بمرة واحدة. فضيحة تغير كل شيء «انرون جيت» العبارة بدأ يستخدمها الاعلام الامريكي والبريطاني في وصف الفضيحة التي مازالت تعصف في امريكا وانتقلت تداعياتها الى بريطانيا، ولكن المعلق الامريكي كروجمان يعتقد ان الوصف هزيل قياسا الى حجم الفضيحة، فيقول: كانت احدى الكليشيهات الكبيرة التي شاعت في الاشهر الاخيرة هي ان 11 سبتمبر غير كل شيء، انا لم اصدق هذا ابدا. ان حدثا يغير كل شيء في حالة واحدة فقط اذا نجح في تغيير نظرتنا الى انفسنا.احداث سبتمبر اخبرتنا الكثير عن الاصولية بينما القليل عن الامريكانية، ان فضيحة انرون ثمن موضوعها، انها تخبرنا اشياء عن انفسنا ربما كان يجب ان نعرفها ولكننا تدبرنا الامر بأن «لا نراها.. ان انرون كما سنكتشف لاحقا هي ما سوف يغير كل شيء». هل يبالغ معلق «نيويورك تايمز» في ان فضيحة يمكن ان تغير كل شيء بما فيه المستقبل السياسي لامريكا؟ لا اعتقد ذلك والسبب ان هذه الفضيحة تغير كل شيء لانها في عناصرها وخيوطها تجمع كل شيء: السياسة والاقتصاد والاخلاق وتكشف عن امبراطورية للشر عصرية، وقادرة على ارهاب الافراد والحكومات، وكسر جميع القواعد كي تبقى قمة الهرم فيها متربعة على ثروات تزداد مساحتها يوما بعد يوم في اربع زوايا الارض، والامريكي اول ضحاياها. الضحايا بالملايين «شركات تأتي وشركات تذهب» قالها وزير الخزانة الامريكي بول اونيل محاولا تحجيم الفضيحة، ولكن انرون ليست شركة عادية ان ترتيبها هو السادس بين الشركات العالمية المتخصصة في الطاقة، وهناك 2000 نشاط آخر تمارسها الشركة بالاضافة الى الطاقة، المستثمرون فيها ليسوا مصارف كبرى ومؤسسات مالية عملاقة ومضاربين اثرياء فحسب، بل اتحادات تقاعد المعلمين والاساتذة، وجمعيات مستقبل الاسرة، وآخرون من الناس العاديين رهنوا مستقبلهم بأسهمها، وافلاس الشركة يعني ان ملايين من البشر فقدوا مدخراتهم وهم في مرحلة من العمر يعجزون فيها عن اعادة الادخار، اي سقطوا بالضربة القاضية، ليس لانهم مضاربون او مقامرون او حالمون بالثروة، بل لانهم يؤمنون بالنظام الاقتصادي في بلدهم، ويثقون بالمؤسسات الرقابية القائمة، ويعتبرون ان الميزانيات التي تقدمها الشركات الكبرى عن ارباحها السنوية هي صفحات مقدسة لا يمكن ان يطالها التزوير او الخداع او التزييف، فقد كانت انرون، وبكل المقاييس ناجحة يقودها مدراء تنفيذيون هم الاكثر كفاءة في العالم، وكانت تحقق ارباحا سنوية تحسدها عليها كبريات الشركات العابرة للقارات، ولكن وكما تكشف الوقائع الآن، فان انرون كانت كذبة كبيرة، وفقاعة عملاقة من الاوهام، نجحت في تطويع جميع القوانين، واستخدمت جيمع المنافذ، وسخرت قواعد السياسة والاقتصاد والادارة في لعبة جهنمية لم يعرف لها التاريخ الامريكي ولا العالمي مثيلا لها من قبل. ليس سبتمبر ولا شركة التدقيق والانهيار لم يحدث فجأة، ولم يكن بسبب احداث سبتبمر بالتأكيد، فالشركة طلبت حمايتها من الافلاس في ديسمبر، اي بعد شهر واحد من التفجيرات وازماتها بدأت قبل سنوات، وبلغت احدى محطاتها الرئيسية العام الماضي، حيث اضطرت الى مشاركة مستثمرين جدد، وباغراءات مالية خيالية، وهؤلاء الشركاء بنوك عالمية ومؤسسات مالية عملاقة تعرف شروط اللعبة، وقبلت المشاركة فيها، ومن هنا لم يكن غريبا، وبعد مضي اكثر من شهر على افلاس انرون ان يكون الخبر الرئيسي في الصفحة الاولى لصحيفة «وول ستريت جورنال» ابرز الصحف الاقتصادية الامريكية، هو تدهور مؤشر داو جونز بنسبة 2.5 في المئة، بسبب تداعيات فضيحة انرون. ماهي هذه التداعيات؟ العنوان الرئيسي لها هو ان شركة التدقيق آرثر اندرسون المسئولة عن تدقيق حسابات انرون هي المتهم الرئيسي في قضية التزوير، وكانت الشركة تتقاضى من انرون سنويا مبلغ 25 مليون دولار بدل تدقيق يضاف اليها 27 مليون دولار بدل استشارة، اذن كانت شركة التدقيق صاحبة مصلحة في التزوير باعتبارها تقوم بدور استشاري ايضا، والكلمة الاصح، هي رشوة كي تصمت عن التزوير. اذن الازمة هي في شركات التدقيق، ولمنع تكرار القضية ينبغي منع شركات التدقيق من ان تقوم باي دور آخر سوى التدقيق. كان هذا هو الحل السحري لاختصار الفضيحة، ولكن هذا لم يحصل، لان الفضيحة اكبر من ان تدفن، فعلى الصعيد الاقتصادي، اضطرت مجموعة بنوك «بي. ان سي» للخدمات المالية ان تعيد مجددا تدقيق حساباتها، كما ان شركة «بايب لاين» العملاقة اوقفت نشر ميزانية ارباحها كي تعيد النظر في التزاماتها تجاه شركة وليامز انترناشيونال للاتصالات، فيما اعترفت شركة «تايكو» انها دفعت مبلغ 20 مليون دولار لمؤسسة خيرية يسيطر عليها مدير للشركة، خارج مجلس الادارة. ومع شهادات المديرين التنفيذيين لشركة انرون امام الكونجرس الامريكي الاسبوع الماضي وتستمر الى اسابيع مقبلة، تتكشف حقائق مذهلة تؤكد ان انرون ليست وحدها، وشعار «كلهم انرون» يجتاح شارع وول ستريت وتسري في اوصال عمالقته اكثر من رعشة. اما سياسيا، فان عناوين الفضيحة باختصار هي انه وللمرة الاولى في تاريخ الكونجرس الامريكي، امام مكتب المحاسبة العمومي، وهو ذراع المراقبة في الكونجرس دعوى قضائية على البيت الابيض يطالب فيها نائب الرئيس ديك تشيني بان يكشف عن مضمون لقاءاته مع ممثلي شركة انرون خلال العام الماضي، لمعرفة مدى تأثير هذه اللقاءات على سياسة الطاقة التي وضعها نائب الرئيس بتكليف من الرئيس، وفيما اذا كانت تمنح شركة انرون اي امتيازات عن سواها، نائب الرئيس مازال يرفض حتى الآن، ووفق الاستطلاعات فان 60 بالمئة من الامريكيين يعتقدون ان البيت الابيض يخفي شيئا عن الفضيحة خاصة وان تبرعات انرون للرئيس وللحزب الجمهوري زادت على 6 ملايين دولار خلال الاعوام الماضية، وان شركة اندرسون للتدقيق قامت باتلاف عشرات الوثائق التي تخفي الكثير من الاسرار. وتتساءل مجلة الايكونومسيت البريطانية: الا يتعلم البيت الابيض ابدا؟ ان الرئيس نيكسون تحصن بالامتيازات التنفيذية كي يمنع الافراج عن شرائط ووترجيت، والرئيس ريجان حاول ان يخفي عن الكونجرس وثائق ايران جيت، والرئيس كلينتون زعم ان حقه في الخصوصية يحميه من الكشف عن قضيتي لوينسكي ومن قبلها وايت ووتر، .. والآن فان ديك تشيني يصر بدوره على الكشف عن محاضر اجتماعاته مع انرون. الوحول يابريطانيا اما في بريطانيا فان عنوان الفضيحة هو «الوحول» وهذه الوحول تطال حزب العمال الحاكم ورئيسه توني بلير، ومع ان الحزب اعترف بانه تلقى تبرعات من فرع انرون في اوروبا لاتزيد على 51 الف دولار الا ان الفضيحة التي تواجهها الحكومة تتلخص في سؤال: هل منحت امتيازات لانرون على حساب الشركات البريطانية لقاء خدمات واي نوع من الخدمات؟ السؤال كبير .. وكذلك الفضيحة ، والسؤال الاكبر: هل تنعكس ازمة السياسة الداخلية في واشنطن ولندن على السياسة الخارجية والحرب ضد الارهاب؟ تذكروا صيحات الكونجرس في وجه الرئيس كلينتون: لا تهرب من فضيحة لوينسكي لتدفع بقواتنا الى الحرب في البلقان.