الملف السياسي: في سابقة لم تحدث من قبل أعلن مستشارو الرئيس الأمريكي عدم مسئوليتهم عما جاء في خطابه الأخير حول مااسماه محور الشر، فقد ذكرت وسائل الاعلام الأمريكية ان مستشاري الرئيس قد نصحوه بعدم استخدام هذا التعبير الذي يبدو انه كان يخص في البداية دولتين اسلاميتين هما العراق، وايران، لأن استخدام هذا التعبير سوف يحدث ردود افعال سلبية تجاه السياسة الأمريكية خاصة وان الحملة على مااسمته الولايات المتحدة بالارهاب لم تنته بعد، وقد ردد بعض هؤلاء المستشارين أن هذا التعبير سوف يكون له اثر سلبي على التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة لمحاربة مااسمته بالارهاب، خاصة وان حلفاء الولايات المتحدة لهم مصالح في الدول العربية والاسلامية ومن ثم فلهم رؤيتهم المختلفة عن الرؤية الأمريكية في التعامل مع هذه الدول، كما ان للولايات المتحدة مصالح استراتيجية هامة في هذه الدول يمكن ان تتضرر نتيجة لاستخدام هذا التعبير، فلم يجدوا امامهم الا اضافة كوريا الشمالية الى القائمة وذلك حتى لا يبدو ان الرئيس الأمريكي يخص دولا اسلامية فقط بهذا التعبير، ومن المعروف أن خطابات الرؤساء الامريكيين يقوم باعدادها خبراء متخصصون بعدما يحدد لهم الرئيس الأفكار الرئيسية التي يريد ان يعبر عنها في خطابه، ومن ثم يبدو ان واضعي الخطاب قد حاولوا ان يخففوا من اثره السلبي على العلاقات الامريكية مع الدول الاسلامية، فأضافوا بعض الفقرات عما يرونه من جوانب ايجابية في الاسلام، وذلك في محاولة للايحاء بأن الرئيس الأمريكي لا يخص الدول الاسلامية فقط بهذا المحور أو لا يقصد التعميم وانما هو يخص دولا بعينها، الا انهم لم يحققوا هذا الهدف نظرا لأن سياق ادارة العلاقات الأمريكية مع الدول العربية والاسلامية خلال هذه الفترة كان أقرب الى رؤية الرئيس بوش الاساسية، يؤكد هذا التصريحات التي أدلى بها المتحدث باسم البيت الأبيض في تعقيبه على حديث الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي الى الصحافة الأمريكية والتي دعا فيها الولايات المتحدة الى مراعاة مصالحها في المنطقة من خلال اتباع سياسة متوازنة تجاه الصراع العربي الاسرائيلي خاصة في ظل المجازر والمذابح التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني الاعزل على يد ارييل شارون، اذ ذكر المتحدث الأمريكي ان الولايات المتحدة تعرف مصالحها، وان على العرب ان يدعو ياسر عرفات الى وقف الارهاب متجاهلا بذلك الحصار الذي تفرضه اسرائيل على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اذ تقف الدبابات على بعد امتار من مقر اقامته في رام الله، وتمنعه من القيام بأي تحرك. وفي ذات السياق جاءت تصريحات اخرى للرئيس الامريكي ووزير خارجيته كولن باول ردا على الدعوات العربية المتكررة للولايات المتحدة بتحمل مسئولياتها لوقف اعمال الارهاب الوحشي الاسرائيلي في الاراضي العربية المحتلة وان محور هذه التصريحات ان على العرب ان يطلبوا من عرفات وقف ماأسموه باعمال العنف والارهاب ضد اسرائيل أولا، قبل أن يطالبوا الولايات المتحدة بالتدخل في هذا الاطار كانت ردود الافعال العربية والاسلامية تجاه مااسماه بوش في خطابه بمحور الشر، كما ان اضافة كوريا الشمالية أحدثت ايضا ردود افعال سلبية تجاه الخطاب الأمريكي الاخير. ردود الافعال الدولية على خطاب بوش كان رد الفعل الايراني قويا على خطاب الرئيس بوش اذ ألغى وزير الخارجية الايراني كمال خرازي زيارة كان من المقرر أن يقوم بها لنيويورك للمشاركة في منتدى دافوس، كما اتهم المرشد العام السيد علي خامنئي الرئيس بوش بالغطرسة، ومعاداة الجمهورية الاسلامية لانها تقف مع الحق والعدل في المشكلة الفلسطينية، وهاجم الرئيس خاتمي ماجاء في خطاب الرئيس بوش ونفس الشئ فعله السيد هاشمي رافسنجاني وغيره من كبار المسئولين الايرانيين الذين أكدوا صحة مع ما قاله آية الله الخميني من قبل من ان أمريكا هي الشيطان الأكبر واهم ماجاء في تصريحات المسئولين الايرانيين هو رفضهم تعرض العراق لأي هجمات أمريكية كذلك اشارتهم الى قدرة ايران للدفاع عن نفسها هذا بالاضافة الى تلويح رفسنجاني بأن أي عمل عسكري أمريكي ضد ايران من شأنه أن يرفع سعر برميل البترول الى خمسين دولارا، وذلك لعلمه أن آل بوش يسيل لعابهم عند ذكر البترول، من ناحية أخرى أدى خطاب بوش الى توحد موقف الاصلاحيين والمتشددين تجاه الولايات المتحدة لأول مرة منذ فترة طويلة. أما رد الفعل العراقي فقد جاء أيضا منددا بالسياسة الأمريكية مؤكدا ان العراق قد أوفى بالتزاماته بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي، وبأن انسحاب المفتشين الدوليين قد جاء بقرار منهم، وان الولايات المتحدة تتعسف في مواقفها تجاه العراق لرفضه فرض تسوية استسلامية على الشعب الفلسطيني ودعا العراق الى بناء موقف عربي لمواجهة التهديدات الأمريكية للمنطقة العربية ولوضع حد للانحياز الأمريكي السافر الى اسرائيل. أما كوريا الشمالية فقد استنكرت ماجاء في خطاب الرئيس بوش بصددها وأعلنت انها قادرة على الدفاع عن نفسها ضد أي اعتداء أمريكي محتمل عليها. وفيما يتعلق بالاتحاد الاوروبي فقد اوضح وزير الخارجية الألماني ان أوروبا وان كانت تشارك الولايات المتحدة في اهدافها لمكافحة الارهاب وحظر انتشار أسلحة الدمار الشامل الا انها تختلف معها حول أساليب تحقيق هذه الأهداف. أما الموقف الروسي فقد عبر عنه وزير الخارجية الروسي ايفانوف الذي رفض استخدام القوة تجاه العراق، كما عبر عنه رئيس الوزراء الروسي من تصريحات صحفية عقب لقائه بالرئيس بوش بالبيت الأبيض اذ أعلن ان روسيا وان كانت ملتزمة بحظر انتشار اسلحة الدمار الشامل الا انها ملتزمة ايضا بتنفيذ صفقة السلاح الى ايران لانها اذا لم تبع السلاح الى ايران فان عشر دول اخرى ستقوم بذلك، كما اعلن كذلك عن استمرار التعاون النووي مع ايران في مجال الاغراض السلمية. أما الموقف العربي فقد عبر عنه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بقوله ان الأمة العربية ترفض التهديدات الأمريكية الموجهة ضد العراق وتطالب الولايات المتحدة بالوفاء بالتزاماتها تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط. الشرق الأوسط هل سيكون مسرحا لعمليات أمريكية قادمة؟ يمكن قراءة ماجاء بخطاب جورج بوش على انه بمثابة تمهيد لمسرح الاحداث في منطقة الشرق الأوسط خلال المرحلة القادمة، خاصة في ظل مانشرته الصحف الاسرائيلية مؤخرا من ان الادارة الأمريكية تعتزم القيام بعمل عسكري مكثف ضد العراق خلال شهر مايو القادم، يستمر لمدة ثمانية أسابيع للقضاء على نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وأوضحت هذه الصحف أن وزير الدفاع الاسرائيلي سيبحث في زيارته لواشنطن دور اسرائيل في هذه العملية وان كانت قد أوضحت ان اسرائيل تعلم ان الولايات المتحدة لن تطلب مساعدتها الا ان اسرائيل تحتفظ بحقها في الدفاع ضد العراق في حالة قيام طائرات عراقية باعمال انتحارية ضد اسرائيل، حيث أوضحت أن المخابرات الاسرائيلية قد رصدت مؤخرا تدريبات يقوم بها طيارون عراقيون على مثل هذه الاعمال ثم كانت رسالة رئيس الوزراء التركي الى الرئيس العراقي والذي دعا فيها العراق الى السماح بدخول المفتشين الدوليين وذلك لتجنيب العراق وتركيا مخاطر قيام الولايات المتحدة بعمليات عسكرية ضد العراق. اذن ثمة مؤشرات توحي بامكانية قيام الولايات المتحدة بعمليات عسكرية في المنطقة ضد العراق أولا، وربما تمتد الى الاراضي الفلسطينية ولبنان خاصة وان الولايات المتحدة ترى ان منظمات المقاومة العربية منظمات ارهابية والسؤال الذي يتبادر الى الذهن لماذا تلجأ الولايات المتحدة الى التصعيد الآن بهذا الشكل ودون مراعاة لأية اعتبارات سياسية واستراتيجية خاصة بالمنطقة؟ ويمكن ان نقدم اجتهادا في هذا المجال يتلخص في النقاط التالية: أولا - ان النصر السريع الذي حققه بوش في افغانستان قد لعب برأسه بحكم ضعف الخبرة السياسية، كما أنه اعطى ثقلا واضحا للصقور في الادارة الأمريكية الراغبين في بسط الهيمنة الأمريكية على العالم. ثانيا - ان الادارة الأمريكية حاولت أن توفر بديلا يحقق لها التوازن في سوق النفط عوضا عن الدول العربية، وهي تراهن في ذلك على روسيا التي كان لموقفها اثر واضح في عدم ارتفاع أسعار النفط في المرحلة الاخيرة. ثالثا - تأكدت الادارة الأمريكية أو هكذا تصورت ان العالم الاسلامي والعربي عالم مفكك لا يمكن ان تكون له ردود فعل مؤثرة على سياستها في المنطقة. رابعا - تأثرت الادارة الأمريكية ببعض الافكار التي تتداول في أروقة الادارة الأمريكية بأن على الولايات المتحدة الا تحمي نظما غير ديمقراطية وفقا للمفهوم الأمريكي للديمقراطية. خامسا - يبدو ان الادارة الأمريكية قد اقتنعت ببعض الافكار الاسرائيلية التي ترى انه لا سبيل للتعامل مع العرب والمسلمين الا باستخدام العنف والقوة. وأخيرا فإن الخلل الاستراتيجي القائم في المنطقة والناتج عن توازن القوى المختل في غير صالح الدول العربية هو العامل المشجع على المزيد من العدوان الأمريكي وغير الأمريكي على المنطقة العربية. ولكن ماذا سيفعل العرب ازاء هذا الوضع؟ هذا هو السؤال! ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان