الملف السياسي: كنا نعرف أن المكابرة تليق بالصغار والضعاف. فالصغير عندما يتعامل مع الامور يتعامل بمنطق الصغار وان اراد المحافظة على هيبته فانه لا يتطلع لأبعد من الهيبة كمردود عائد عليه، إلا أن اخر ما كنا نتوقعه أن منطق الكبار على سطح الكرة الارضية لا يختلف عن منطق الصغار، لذا ضربت امريكا باسم فلسطين وذلك بالانحياز السافر إلى اسرائيل، فمن الطبيعي أن تعيد حساباتها من منطلق الربح والخسارة اولا ومن منطلق الحق والباطل ثانيا ومن منطلق منع الاذى عن نفسها ثالثا إلا أن امريكا لم تأخذ منطلق الربح والخسارة بالاسلوب العقلاني الذي يحافظ لها على مصالحها التي لا تراها إلا من خلال العيون الاسرائيلية، ولا يهدد حلفاءها ويعيد الاستقرار إلى المنطقة، الاستقرار الذي اصبح مفقودا بفعل امريكا وبرد الفعل على فعل امريكا. فأرادت امريكا أن تظهر للعالم بعد 11 سبتمبر من خلال منظار واحد هو أن أمريكا لا ترضخ للإرهاب ولا تنحني للضغوط وان هذه الضربات تزيدها قوة وعنفوانا، ففعلت عكس ما كان يتوقعه الجميع أو العالم كله فكشفت عن انحيازها السافر لاسرائيل اكثر مما مضى، واخرجت للعالم مفاهيم جديدة ليس لمحاربة المنظمات المتطرفة فقط بل هناك دولا ارهابية ومحاور للشر . وتشددت بمواقفها السابقة اكثر مما مضى هادفة إلى شيء واحد، إلى ترسيخ المفهوم انها لم تهزم امام الارهاب متناسية تماما أن الامور لا تعالج بهذه الطريقة فقد تكسب هيبة اكثر من السابق وقد تنجح بايصال الرسالة إلى العالم كله، ولكنها نسيت امرا مهما اخر وهو اهم من الهيبة بكثير أو انه هو الذي يعزز الهيبة. حقيقة نسيت انها بافعالها هذه اعطت شرعية لمن ضربوها ورسخت مفاهيمهم انها مفاهيم حق وعدل يدفع عن امته الجور والظلم فنقلت مؤيدي بن لادن وجماعته من الحد الذي لم يكن يتجاوز الاقلية في الامة الاسلامية إلى الحد الذي وصل إلى مجمل الاغلبية في العالم الاسلامي وهنا زاد الاحتقان على امريكا وزاد الشعور بالغضب تجاهها، واصبحت أمريكا مهددة بان يخرج لها الالاف مثل ابن لادن بعد أن خلقت في العالم الاسلامي عشرات الملايين من المؤيدين لابن لادن أن لم يكن المئات. وكان الاجدر على امريكا بدل أن تثبت كذب ادعاء بن لادن من خلال التصرف المتزن الذي ينم عن العقل والمعرفة التي تليق بالتطور العلمي الذي تمتلكه أمريكا والتكنولوجيا التي اخرجتها للعالم، كان اجدر بها أن تثبت للعالم وخاصة الاسلامي كذب ابن لادن ومن شابه ابن لادن، هذا اذا كان كاذبا، حتى يستطيع العالم بشعوبه المترامية باطراف المعمورة أن يقيس المقياس الشرعي بتحريم قتل النفس التي حرمها الله والقتل العشوائي وتحريم القتل دون تمييز وألا تؤخذ الناس بجريرة بعضها البعض وهذا لم يبحه الإسلام ولم يذكره القرآن إلا أن أمريكا بأفعالها السوداء وبانحيازها المطلق لاعداء الامة تصر على توليد الاف النماذج من ابن لادن، بعد أن جعلت الغالبية العظمة من هذه الامة تنحاز انحيازا مطلقا لما فعله ابن لادن نتيجة هذا الصلف والتكبر والتعامل بالحقد الكامل مع كل قضايا الامة . هذا الانحياز الذي بدأ أو اقترب من تفجير المنطقة التي نعيش بها كشف بوش والادارة الأمريكية عن قناع مرعب بالانحياز السافر لاعمال اكبر جزار بالكرة الارضية وهو شارون الذي يقتل الناس امام شاشات التلفزيون، امام جزار قاتل اهوج لا تأخذه رأفة باطفال أو شيوخ أو عجائز، فاصبحت شعوب العالم الاسلامي تقارن بين الصورتين كيف تستطيع أن تدين ارهابا مس امريكا بينما امريكا بكل صلفها تؤيد ارهاب شارون، وهذا الامر بالذات سيفقد أمريكا حلفاءها من الانظمة الرسمية، اما الشعوب فقد فقدتهم منذ زمن . ولم يعد الامر مقصورا على الشعوب الاسلامية فقط، بل إن أمريكا تبحث بين ثنايا الشعوب عن عداوات، فهي ادخلت من ضمن الدول التي تطلق عليها محور الشر كوريا الشمالية إلى جانب ايران والعراق . وعلى الرغم من انها كانت تنظر إلى كل من هذه الدول بأنها دول شريرة إلا انها حينما تريد أن تضرب هذه الدول ترغب باستقطاب الدول ضد بعضها البعض، وتؤجل العداء للدولة التي استعدتها على الاخرى، والتي تنظر انها دولة مستهدفة من قبلها ولكنها كانت من منظور التكتيك السياسي تؤجل لها العداء ®. وهذا من منطلق استعمال العقلانية في رعاية مصالحها إلا أن امريكا اليوم فقدت عقلانيتها واصبحت تريد أن تنقض على الجميع دفعة واحدة حتى تثبت للعالم أن هذه الضربات زادتها قوة وعنفوانا، إلا أن الامر ليس كذلك بل أن أمريكا فقدت الحكمة والعقل في تصرفاتها . وهذا ما لا اذهب اليه وحيدا، بل إن العديد من السياسيين الاوربيين والصينيين اشاروا إلى هذه النقطة اما روسيا فلعلها تريد مأربا اخر حيث تشعر بالمتعة من جنون أمريكا الذي سيطيح بأمريكا آجلا ام عاجلا حتى أن بريطانيا لم تقبل هذا الموقف العدائي لايران من قبل واشنطن واعتبرت أن هذا الامر سيجعل من ايران ترتد عن مواقفها المؤيدة لمكافحة الارهاب، بل وللموقف الايراني الذي رفض أن يشبه الحملة الأمريكية على افغانستان بالحروب الصليبية. فقالت لامريكا انه لا يجوز أن تشكر ايران على هذه المواقف بتهديدها وزجرها ووصمها بمصطلح «محور الشر» الجديد، وخاصة أن ايران وقفت موقفا فريدا من نوعه بالنسبة لمنهجها وفكرها فقدمت خدمات معلوماتية وتسهيلات جوية ولوجستية للعدوان الأمريكي على افغانستان واعتقدت ايران أن امريكا ستكافئها على ما فعلته معها وستشكرها على منع الجماهير بان تهتف بموت امريكا بعد ضربات 11 سبتمبر هذه الجماهير الايرانية التي ادمنت الهتاف ضد الشيطان الاكبر منذ ثورة الخميني وحتى 11 سبتمبر . واعتقدت ايران بأنها اصبحت من الدول المرضي عنها فاذا بامريكا تقول لها: انت عندي عدوة إلا أن تكوني كتابا مفتوحا بمعنى انه لا يوجد عند امريكا مجال للدول المستقلة ويجب على الجميع أن يكون تابعا لهذا الموقف الأمريكي الذي جعل ايران تعيد حساباتها من جديد وتندم على موقفها السابق وتعلن أن امريكا تخوض حربا صليبية ضد المسلمين. اما فيما يتعلق بكوريا الشمالية هذه الدولة المنغلقة عن العالم والتي ليس بفكرها تصدير ثورة أو حتى انتقام من أحد الا انها دولة تريد أن تعيش حرة مستقلة ضمن معطيات فكرية قد سقطت مع سقوط الاتحاد السوفييتي إلا أن كوريا الشمالية ما زالت تحافظ على فكرها وسياستها المستقلة التي ترفضها امريكا، بل أن واشنطن تعتبر أن هذا الانغلاق لكوريا الشمالية سيدفعها إلى تقديم خدمات لدول تستهدفها اسرائيل مثل ايران والعراق وخاصة أن كوريا الشمالية تتمتع بمقدرة عالية جدا على تصنيع الاسلحة الاستراتيجية والصواريخ العابرة للقارات والصواريخ الباليستية وصواريخ سكود المطورة التي تفوقت في مداها عن صناعة الاتحاد السوفييتي عدا عن التصنيعات النووية كل هذا تمتلكه كوريا رغم فقرها وشح مواردها الاقتصادية. والواضح أن كوريا الشمالية تعتمد على بيع خدماتها واسلحتها من اجل أن تتواصل اقتصاديا مع احتياجاتها الداخلية وهذا لن يرضي أمريكا باي حال من الاحوال فهي ما زالت تحاول محاصرة كوريا والتجسس عليها وكشف اسرارها إلا أن العداء القائم لها الان لا يمتلك اية مبررات توصمها بالشر فهي لم تعتد على دول العالم ولم تمارس القرصنة وليس لها منظمات ارهابية تابعة لها ولم تساند ما تراه أمريكا ارهابا لكن فعل امريكا الان سيدفع من كوريا إلى مزيد من الانغلاق والحذر ومزيد من العلاقات مع الدول المحظورة وقد تدفع أمريكا كوريا الشمالية إلى أن تتخذ خطوات عملية للدفاع عن نفسها في حالة شن عليها أي عدوان وهكذا تكون امريكا قد دفعت دول العالم باتجاه ممارسة كل الوسائل الممكنة للدفاع عن نفسها. وهذا الامر ايضا اثار حذر وحفيظة الصين التي شعرت أن امريكا لم تذكرها ضمن دول محور الشر ليس حبا بها ولكن حسابا لهيبتها وقوتها ولقدراتها العسكرية وتشعر الصين أن موضوعها مؤجل وان السكاكين التي تشحذ على العراق وايران وكوريا إن انتهت من هؤلاء فانها سوف توضع على رقبتها فالامر مؤجل ليس إلا. لقد اصبحت امريكا تتجاهل القنوات والآليات الدولية بالتعامل مع دول العالم، فلم يعد هناك دبلوماسية أو حتى آليات قانونية للتعامل مع قضايا العالم وهذا إن دل على شيء فانما يدل على أن هناك نوعية خاصة من الساسة الذين يحكمون امريكا فلا يمكن القول انها جناح من الصقور لان الصقور تستعمل ذكاءها حينما تنقض على الفريسة، ولكن يمكن وصفها بالضباع الهائجة التي تريد أن تعارك كل من يقف امامها، مهما كان الثمن وواضح أن الإدارة الأمريكية وضعت على الطاولة كل القضايا الساخنة في الشرق الاوسط فهي تعتقد أن عليها وضع خريطة جديدة تبدأ من الشرق الاوسط وتنتهي في الصين، عدا عن كون افغانستان كانت المحور الاول ولذلك بدأت تمهد الطريق الان باستفزاز حلفائها في المنطقة ووصفهم بكل الصفات السيئة وتسليط الاعلام الامريكي والعالمي عليهم. وها هي الحملة الاعلامية على السعودية قد اخذت ابعادا اكثر مما تحتمله في العادة وتجاوزت بذلك كل العلاقات الدبلوماسية والتحالفية والرسمية، ولم يقتصر الهجوم على المملكة بواسطة الاعلام فقط بل أن المسئولين الامريكان اكثرهم هاجم المملكة وبشكل ينم عن حقد كبير ولا اعتقد أن هذا الهجوم الاعلامي ووصف السعودية بالتخلف ومصدر الشر والارهاب مجرد اقاويل تذهب في الهواء ولكنها رائحة مؤامرات كبرى فاحت من هذه الاقوال، فهم لا يريدون المملكة مثلما لا يريدون العراق سابقا ولاحقا الذي ما فتئت السياسة الأمريكية تعمل على تحطيمه وتفتيته بكل الوسائل، مثلما سمحوا الان لاسرائيل بحصار عرفات واعطوا لشارون الضوء الاخضر بتدمير السلطة الوطنية الفلسطينية، واخذوا يستمعون لاراء المتطرفين من العصابة المتطرفة الحاكمة في اسرائيل، الذين يلحون على أمريكا بشغف أن تعمل للفلسطينيين وطنا بديلا في الاردن. إن اعمال امريكا لا تنم إلا عن حمق سياسي وهمجية منقطعة النظير وسياسة هوجاء لن تعطي النتائج المرغوب في تحقيقها امريكا، بل انني اؤكد انها ستعطي عكس ما تعمل عليه الإدارة الأمريكية. فامريكا الان من خلال اعمالها بدأت تدفع باتجاه تكتلات بين الدول لتحمي هذه الدول نفسها من الغضب الأمريكي ولاول مرة نلحظ التقارب العراقي الايراني نتيجة شعور الطرفين بالاستهداف وبدأ الطرفان بتناسي الخلافات الشديدة بينهم، والتي كانت من اصعب الخلافات في الكرة الارضية في مواجهة الخطر الأمريكي. وها هي العراق والسعودية اقتربتا إلى الارتباط بعلاقات اخوية طبيعية كنا ندعو لها منذ زمن ولو أن الامر جاء نتيجة افعال امريكا. ولهذا فان هذا الامر سيكون مقدمة لخروج سياسة المحاور والتكتلات السياسية والعسكرية من اجل مواجهة امريكا وحليفتها اسرائيل، ولا اقول حلفاءها الغربيين لانهم اصبحوا يشمئزون من تصرفات أمريكا حتى وصل الامر بوزيرة خارجية السويد أن وصفت السياسة الأمريكية بالحمق والجنون. ـ مقرر لجنة تقصي الحقائق في المجلس الوطني الفلسطيني