الملف السياسي: قال خبير عسكري بارز في الشئون الاستراتيجية ان الرئيس الامريكي ارتكب خطأ كبيرا عندما وضع كلاً من العراق وايران وكوريا الشمالية في محور الشر. واكد اللواء الدكتور زكريا حسين استاذ العلوم الاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية ان الرئيس بوش، خانه التعبير باطلاقه هذا «المحور» لان كلمة محور تعني في الاستراتيجية كتلة واحدة مستعدة لدخول الحرب ضد كتلة أخرى مثلما حصل ايام الحرب العالمية الثانية عندما حصلت المواجهة الدامية بين الحلفاء وجيوش دول المحور (اليابان وايطاليا والمانيا). واضاف ان هذا التعبير «المحور» غير مطابق للدول الثلاث التي اشار اليها الرئيس الامريكي وهي العراق وايران وكوريا الشمالية لا من الناحية اللغوية ولا العملية لان العراق وايران بينهما عداء مستحكم وكانت بينهما حرب استمرت اكثر من 8 سنوات وليس من الممكن ان يكون بينهما حلف عسكري او حتى تعاون عسكري، اما كوريا الشمالية فهي لا مع العراق ولامع ايران. وقال الدكتور زكريا حسين وهو مستشار الاكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا ان التوفيق خان الرئيس بوش وبالتالي فانه ارتكب حماقة جديدة حينما هدد باتخاذ الاجراءات التي تراها الولايات المتحدة مناسبة لاجبار الدول الثلاث على تفكيك ترسانات اسلحة الدمار الشامل. وقال ان تعبير «الدول المارقة» كان ادق من دول «محور الشر» لانه كان يطلق على الدول التي تمتلك اسلحة الدمار الشامل بدون ان تكون موقعة على الاتفاقيات الدولية. وردا على سؤال عما اذا كان الرفض الاوروبي لتصنيف واشنطن دول الخير والشر بانه يمثل بداية لفك التحالف الدولي ضد الارهاب ويعكس اختلاف المصالح وصراع النفوذ وقال اللواء حسين «ان الاختلاف في وجهات النظر الامريكية الاوروبية لن يؤثر باي حال من الاحوال على التحالف العسكري والدفاعي المتمثل في حلف شمال الاطلسي ولافي التعاون الاقتصادي او السياسي فالذي حصل مجرد اختلاف حول المصطلحات وليس المبادئ وهناك مساحة من الاختلاف بين الجانبين الا ان ذلك لايؤدي الى تغيير التحالفات او السياسات. وسئل عما اذا كان خطاب بوش سيخدم المصالح الامريكية في العالم والامن والاستقرار داخل الولايات المتحدة وخارجها وهو يتعامل مع دول العالم بروح من العدائية الشديدة ويصنفها مابين الخير والشر اجاب الدكتور زكريا حسين «لاشك ان الرئيس بوش احمق فهو بدلا من ان يميل الى التهدئة لاعادة الاستقرار العالمي واعادة الرخاء الاقتصادي قام بشن هذه اللهجة العدائية وهذا راجع الى سوء الوضع الاقتصادي في عهده فالميزانية الامريكية بها عجز يصل الى 103 مليارات دولار وهذا لم يحصل في عهود الرؤساء السابقين ففي فترة حكم الرئيس السابق كلينتون كان هناك فائض في الموازنة الامريكية». وقال ان ادخال العالم في حروب ليس لها أي مبرر او مواصلة تقسيم العالم مابين محوري الخير والشر يعني ان الرئيس بوش قد وضع بلاده والعالم في ازمات لاتنتهي امنية واقتصادية وسياسية. وأكد ان الدول التي تحدث عنها بوش في خطاب الاتحاد لاتهدد الولايات المتحدة على الاطلاق لكي تستنفر واشنطن العالم بهذه الطريقة المريبة ولكي تنفق مئات المليارات من الدولارات، وهذا الوضع يعيدنا الى فكرة انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، فالاتحاد السوفييتي انهار لانه دخل في سباق تسلح علي حساب الاقتصاد والرئيس بوش يقود الولايات المتحدة الامريكية الى هذا الاتجاه، لانه الرجل الذي بدأ يستعدي ويحارب نصف العالم». وردا على سؤال حول احقية الولايات المتحدة باطلاق صفة الدولة الارهابية على أي دول تمتلك الصورايخ الباليستية قال اللواء زكريا «ان الصورايخ الباليستية لاتكون مجدية لاي دولة لاتمتلك اسلحة دمار شامل لان هذا النوع من الصواريخ هو لحمل الرؤوس النووية، فالدول العربية تمتلك صواريخ ولكن ليس لديها أي نوع من انواع اسلحة الدمار الشامل ويكون من حقها ان تحمي امنها واستقرارها». واكد ان اصرار الرئيس بوش على نظام الدرع الصاروخية ليس فقط سيعيد الحرب الباردة ولكنه سيؤدي إلى بالاقتصاد الامريكي الى الهاوية. وقال «إن قضية نظام الدفاع الأمريكي المضاد للصواريخ المعروف» بالدرع الصاروخية الأمريكية «قد أثارت جدلاً واسع النطاق بين الحلفاء والأصدقاء للولايات المتحدة.. الأمر الذي جعلها المحور الرئيسي لأول زيارة لرئيس الولايات المتحدة «جورج دبليو بوش» والتي شملت ست دول أوروبية في يونيو الماضي، وكان ختامها لقاء قمة مع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» .. حيث قوبل مقترح الرئيس الأمريكي بردود أفعال متفاوتة لعل أبرزها أنها تمثل تحدياً لاستراتيجية روسيا بشأن نزع السلاح ونقضاً واضحاً من جانب الولايات المتحدة لاتفاقيات والتزامات وتعهدات قطعتها الولايات المتحدة على نفسها في مجال ضبط التسلح والحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية وتحقيق توازن الردع الاستراتيجي، بدءاً من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ ذاتية الدفع التي أبرمت في موسكو عام 1972 وما تلاها من معاهدات والتزامات بين العملاقين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة.. امتداد لحرب النجوم وأوضح أن مشروع «الدرع الصاروخية الأمريكية» يعتبر تطويراً وامتداداً لبرنامج حرب النجوم الذي أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق «رونالد ريجان» عام 1983 في مبادرته للدفاع الاستراتيجي ضد الصواريخ، والذي كان يتضمن منظومة معقدة وشاملة ومتعددة الطبقات تقوم على اعتراض الصواريخ وما تحمله من رؤوس نووية خلال مراحل طيرانها المختلفة.. ومع المعارضة الشديدة واتخاذ الاتحاد السوفييتي السابق موقفاً معارضاً صلباً واتهامه للولايات المتحدة بالبدء في سباق تسلح جديد ونقض معاهدة 1972 للأسلحة المضادة للصواريخ، توقف العمل في المشروع وتحول إلى برنامج للأبحاث ومنظمة لرعاية فكرة الدفاع الصاروخي وتذليل المصاعب والعقبات التكنولوجية التي تعترضها وذلك بالتعاون مع كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وبلجيكا والنرويج وإسرائيل. ولم يكن قرار توقف العمل في برنامج حرب النجوم في الثمانينيات استجابة لاعتراض الاتحاد السوفييتي السابق فقط، ولكنه أشعل سباق التسلح بين العملاقين بالقدر الذي أسرع بإفلاس الاتحاد السوفييتي وتفككه ثم انهيار حلف وارسو أيضاً، حيث تضاعف الإنفاق العسكري إلى ثلاثة أضعاف ووصل مع مطلع 1990 إلى حوالي 800 بليون دولار تقريباً، وهو ما يعادل 5% من الإنتاج العالمي، أو ما يعادل كل الإنتاج القومي لدول أفريقيا ودول جنوب آسيا مجتمعة. كما يعني أن كل فرد في العالم ينفق حوالي 175 دولار سنوياً على الاستعداد للحرب، وهو يقارب متوسط الدخل للفرد لنصف سكان العالم من الدول النامية، إضافة إلى أن أكثر من 5% من الإنتاج الصناعي العالمي يذهب إلى القطاع العسكري! وتحدّث الخبير العسكري المصري عن فكرة برنامج الدرع الصاروخية الأمريكية، فقال إنها برزت مع مطلع التسعينيات بعد أن تراكمت حصيلة تكنولوجيا جيدة من عمل السنوات الماضية وتزامنت مع توفر قدرات أكبر على التطبيق وظهور حاجة حقيقية من وجهة نظر الباحثين والعلماء ومراكز اتخاذ القرار في الولايات المتحدة إلى أهمية بلورة برنامج جديد للدفاع ضد الصواريخ خاصة بعد أن تصاعدت حرب المدن بالصواريخ الباليستية بين العراق وإيران، وانتشار تكنولوجيا الصواريخ في آسيا وأمريكا اللاتينية خلال عقد الثمانينيات.. ويقوم برنامج الدرع الصاروخية الأمريكية على ثلاث أولويات : أولها تطوير نظم دفاعية ميدانية أسفرت خلال عقد من الزمن عن تطوير لنظام «باتريوت الأمريكي» «وآرو الإسرائيلي» وأنظمة أخرى تحت التطوير مثل النظام «ثاد» والليزر المحمول جواً و «ميداس» المضاد للصواريخ كروز.. وثاني الأولويات تطوير نظام دفاعي وطني ضد الصواريخ، وهو الأصعب تكنولوجياً ويعتبر إحياء لمشروع حرب النجوم الذي تبنته إدارة ريجان وتم تعديله في صورة تتناسب مع التهديدات والمتغيرات الدولية الجديدة، وهو البرنامج الذي تتبناه إدارة بوش والمثير للجدل، والذي تقرر أن تتولى منظمة الدفاع ضد الصواريخ الباليستية الإشراف على تطويره ونشره بالتدرج من خلال ثلاث مراحل، طبقاً لمستوى التهديد.. حيث يبدأ نشر المستوى الأول في عام 2005 بهدف مواجهة عدد محدود من الصواريخ العابرة للقارات البدائية التي تمتلكها دول مناوئة للولايات المتحدة خلال تلك الفترة.. والمستوى الثاني يتكون من 100 صاروخ اعتراضي بهدف مواجهة عدد محدود من الصواريخ العابرة للقارات والأكثر تطوراً، ويبدأ نشره عام 2010.. أما المستوى الثالث والذي يعتمد على قواعد أرضية وبحرية وفضائية بهدف مواجهة أعداد كبيرة من الرؤوس المتقدمة تكنولوجياً.. أما ثالث الأولويات فهي إجراء بحوث لبناء أسلحة ضد الصواريخ تعمل من قواعد قتال فضائية. أهداف «الدرع الصاروخية» وشرح اللواء حسين الهدف من برنامج الدرع الصاروخية الأمريكية، فقال إن هناك هدف معلن للولايات المتحدة قد أعلنه وزير الدفاع الأسبق في إدارة الرئيس «بيل كلينتون» منذ أربع سنوات يحدد مهمة البرنامج الجديد في «الدفاع عن الولايات الخمسين للولايات المتحدة ضد هجوم محدد بالصواريخ الباليستية من إحدى الدول التي تسميها بالمارقة مثل كوريا الشمالية والعراق وإيران.. أما الهدف الحقيقي والغير معلن فهو سعي الولايات المتحدة للاحتفاظ بتفوق عسكري مطلق يؤكد سيادتها الكونية على البر والبحر والجو والفضاء الكوني، بما لا يسمح لأي من القوى الصاعدة من منافستها في هذا المجال بالقدر الذي يمكنها من الاحتفاظ بمكانتها كقوة عظمى واحدة بلا منازع لعدة عقود قادمة. ومما يؤكد هذا الهدف أن عوامل قياس قوة أية دولة تتكون من عدة عناصر لعل أهمها على الإطلاق هي القوة الاقتصادية والقوة العسكرية.. ومن منطلق أن القوى الصاعدة مثل الاتحاد الأوروبي الذي يسعى ليكون الولايات المتحدة الأوروبية وجمهورية الصين قد اقتربتا من الوصول إلى مستوى القوة الاقتصادية الأمريكية مما فرض على الولايات المتحدة أهمية البحث عن وسيلة تضمن لها السيادة والتفوق المطلق في القوة العسكرية.. لذا كان عليها تبني نظام الدرع الصاروخية الأمريكية الذي يمكنها من تحقيق ذلك الهدف، وبالقدر الذي لا يسمح لأي دولة في العالم من إطلاق صواريخ تكتيكية أو استراتيجية تهدد مصالحها المتشعبة ويضمن لها التفوق الغير قابل للمنافسة. بما يؤكد احتفاظها بمكانتها كقوة شاملة واحدة عظمى بلا منازع. ـ إن البرنامج الجديد يحتاج إلى تكلفة مالية ضخمة تصل إلى «6000 مليون دولار» وقد تمتد ليصل إنفاقها إلى مئات البلايين.. وبالتالي فإن التكلفة العالية هذه لم تقنع أيا من المعارضة الداخلية أو الخارجية للمشروع المزمع القيام به خاصة مع إدراك قادة أوروبا والصين وروسيا للهدف الحقيقي والغير معلن للمشروع. ـ إن إصرار الإدارة الأمريكية على المضي قدماً في تنفيذ هذا البرنامج يعني عودة إلى أجواء الحرب الباردة وسباق التسلح من خلال السعي إلى محاولة اختراقه والالتفاف حوله وتطويعه بطرق عديدة، خاصة وأن السيطرة على الفضاء التي يستهدفها المشروع الأمريكي هو أمر يتجاوز نطاق إمكانيات الولايات المتحدة إذا أرادت أن يكون كاملاً. ـ لعل التنصل من الالتزامات والمعاهدات من جانب واحد مع عدم إبداء رغبة واشنطن في استمرار التفاوض بشأن خفض إنتاج الأسلحة النووية بصورة متعادلة مع روسيا وعدم اعتبارها كشريك مساو للولايات المتحدة.. قد دفعتها إلى بناء «تكتل شنغهاي» الذي يضم كل من «روسيا والصين وكازاخستان وطاجيكستان وقيرغيزيا وأوزباكستان.. ومن المنتظر أن ينضم إليها باكستان والهند وتركمانستان ومنغوليا» والذي اجتمع في العاصمة الصينية في 13 يونيو الماضي قبل لقاء القمة بين الرئيس الأمريكي والروسي في العاصمة السلوفينية لويليانا، وقد سعى الرئيس الروسي إلى كسب تأييد دول التكتل الجديد وبناء إستراتيجية لمواجهة المشروع الأمريكي حيث وقع الأعضاء الستة للمنظمة وثيقة قانونية تحدد قواعد تعاونهم العسكري وعقد وزراء الدفاع أول اجتماع لهم وأكدوا مشروعهم الخاص بتأسيس مركز إقليمي مضاد للإرهاب، كما تمت الموافقة على مبدأ القيام بمناورات عسكرية مشتركة. مما يؤكد أن أهداف «تكتل شنغهاي» الذي تلعب بكين دوراً رئيسياً ومحركاً فيه لم تقتصر على الاقتصاد والثقافة بل أعطى أولوية متقدمة لموضوع الأمن والدفاع.. وفي هذا الإطار أوضح اللواء حسين أن الولايات المتحدة تستغل الفجوة التكنولوجية بينها وبين دول العالم بما فيها روسيا وأوروبا، لتكون ليس فقط القوة العالمية الأولى بل والقوة الكونية الأولى أيضاً، ولديها ما يكفي من قوة الاقتصاد، وما ينقصها هو هذا الدرع الصاروخية الذي تطوّق به العالم كله، فلا بدّ إذن للدول الأخرى من أن تسعى للدفاع عن نفسها وتشكيل تكتل شنغهاي، مما قد يؤدي لظهور حرب باردة جديدة. ويرى الخبير العسكري المصري المعروف أن الرئيس الأمريكي جورج بوش، وعبر دعمه الكبير لمشروع الدرع الصاروخية، يسعى لتنفيذ تطلعاته بتولي فترة رئاسية قادمة في الولايات المتحدة، فالمشروع سيعطيه أسهماً كبيراً، والرئيس بوش ومنذ أن تولى الإدارة الأمريكية الحالية، فإنه يتطلع لفترة قادمة.. وقد أعلن الرئيس بوش أن ما تمّ توقيعه من اتفاقيات للحدّ من التسلّح هو من مخلفات الحرب الباردة، ولا يتناسب مع الظروف الحالية، ولذلك فهو ماضٍ في مشروعه مهما كانت المعارضة، فقد تمّ حتى الآن 3 تجارب، واحدة عام 99 واثنتان العام الماضي.. والجديد في الأمر هو انعقاد مؤتمر في الولايات المتحدة، في اغسطس الماضي، من أجل دراسة كيفية تحويل الفكرة إلى واقع ملموس، وقد اقترح الرئيس الأمريكي زيادة ميزانية الدفاع الأمريكية بمقدار 32.4 مليار دولار من أجل تمويل المشروع. وعن الفرق التكنولوجي بين مشروع الدرع الصاروخية، والمشروع الذي كان يعرف بحرب النجوم، قال إن حرب النجوم كان برنامجاً أعم وأشمل وأكثر تكلفة، وكان هدفه جر الاتحاد السوفييتي السابق لسباق تسلح غير عقلاني في الوقت الذي كان يعاني فيه من أزمة اقتصادية قوية، وقد خصصت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريغان آنذاك حوالي 370 مليار دولار، وبالتالي أدى هذا السباق إلى تحقيق الهدف منه وهو انهيار الاتحاد السوفييتي.. أما النظام الجديد «الدرع الصاروخية» فمرتبط بالمتغيرات الدولية المستقبلية، وسعي الولايات المتحدة لأن تكون القوة الأولى في العالم دون منازع ولكنه سوف يؤدي الى انهيارها مثلما انهار الاتحاد السوفييتي.