الملف السياسي: يقرع المفكر الامريكي الشهير فرانسيس فوكاياما طبول القوة من جديد في بحثه المنشور مؤخراً في الصحف الامريكية حيث يقول: «على الرغم من رغبة الناس في الاعتقاد ان الافكار تعيش او تموت نتيجة لاستقامة اخلاقياتهم وان القوة لها الشأن، الاكبر الذي لايزال حتى الآن» واذا كان فوكوياما صاحب نهاية التاريخ قد قدم سابقاً نظريته التي تتصف بالعنصرية فإن مقاله الاخير يعود ليؤكد عليها ممزوجة بالقوة التي صارت حكراً على الولايات المتحدة خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة. وفي اطار الاحداث المتلاحقة في العالم اجمع فإن الولايات المتحدة بدأت بصياغة نظامها العولمي الجديد بالقوة العسكرية الممزوجة حتماً بقوتها الاقتصادية بعد الفشل النسبي زمنياً الذي كانت واشنطن تسعى اليه لتسيطر باقتصادها على العالم من أقصاه الى اقصاه، وصارت حجة الولايات المتحدة بعد احداث 11 سبتمبر هي الحجة الاقوى عمليا امام جماهيرها فقط ولتصفية الحسابات القديمة مع الدول والحكومات سواء من خلال طرحها العلني «محور الشر» او دول مازالت تغيب الآن عن الساحة العلنية لحكومة بوش. محور وأسلحة قبل النظر الى المسببات والدواعي التي جعلت الادارة الامريكية تقرع طبولها ضد ايران والعراق وكوريا الشمالية يتحتم علينا ان ننظر الى مقياس يتوضح في سيطرة شركات الاسلحة ومعداتها الحربية المؤثرة على حكومة بوش والكونجرس الامريكي ومن الواضح ان هذا الرجل قد اتخذ مفهوم «فوكوياما» قبل ان يحدده في مقاله الاخير فبوش عرض ميزانيته التي تقدر بألفي مليار دولار منها زيادة حوالي 48 مليار دولار في ميزانية الدفاع و40 ملياراً للشئون الامنية، علما ان الميزانية العسكرية للولايات المتحدة تبلغ 379 مليار دولار ويبدو ان هذا الرقم سيتوضح بشكل اكبر اذا علمنا ان الموازنة العسكرية الروسية مع كل ما تضخه على قدرتها النووية الثانية عالميا لاتتجاوز 9 مليارات دولار. ان هذه المقارنة البسيطة تقودنا الى وضع افكار جزئية لمحور متكامل وضعه بوش كي يقلب موازين العولمة التي اخذت شكلها العملي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مع بداية التسعينيات من القرن العشرين، فحدود الاقتصاد لم تكن مقنعة بنظر بوش الابن فهي ترتبط بشكل مباشر مع اظهار القوة العسكرية الحقيقية للولايات المتحدة التي لن تجد منافساً بينما قد تجده مع الاقتصاد ولو بشكل بسيط خاصة مع دخول اليورو الداخل في الخدمة الفعلية في السوق الاقتصادي العالمي، وهنا بدت حرب الولايات المتحدة ضد ما تسميه بالارهاب حرباً متكاملة اقتصادية وعسكرية لخدمة سياسة الحكومة الامريكية وحتماً ليست لخدمة الشعب الامريكي وخطوات بوش هي ما تدلل على ذلك وأولها كما قلنا الزيادة الكبيرة في الموازنة العسكرية وهذه الزيادة بالتأكيد لن تذهب إلا الى جيوب اصحاب معامل الاسلحة التي استخدمتها الولايات المتحدة سواء في افغانستان او حربها التي تصر عليها في كوريا الشمالية وايران والعراق، وسواء كانت هذه الحرب قريبة او بعيدة، قائمة او لن تقوم فإن المستفيد الاول منها سيكون اصحاب معامل الاسلحة الامريكية وفي هذا تأكيد وليس اشارة على ان قوة رؤوس اموال معامل الاسلحة تبقى المسيطر الاول على الرئيس الامريكي وعلى جميع سلطات البلاد. وحقيقة الامر ان اعلان الولايات المتحدة عن «محور الشر» فيه اعلان واضح عن استراتيجيتها العسكرية المقبلة على العالم اجمع ومن خلال الاعلان نقرأ الافكار الامريكية الجديدة في هذا المجال وأولها عدم تدمير الاسلحة النووية التي تم الاتفاق عليها مع موسكو ومن ثم التخلي عن المعاهدة المضادة للدفاع الصاروخي «اي. بي. أم» الموقعة مع الاتحاد السوفييتي السابق والتي سارت مع روسيا الى ان اتى برنامج الدفاع المضاد للصواريخ واصرار بوش على تنفيذه والوصول فيه الى ابعد الحدود مما يضع مجالاً جديداً للبحث عن القوة السياسية للمؤسسات الحربية الخاصة بصناعة الاسلحة في الولايات المتحدة، وهذا بالطبع سيؤدي ليس فقط الى انفاق عسكري كبير بل الى فتح الاموال الخاصة بمشاريع اخرى الى جعبة الاسلحة العسكرية مما يفسر جزءاً من السعي «البوشي» المحموم نحو الحروب التي تجلت بأكبر حشد عسكري منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه الحرب الباردة. حرب على العالم فيما يبدو ان الرئيس الامريكي جورج بوش قد حدد مقررات دروسه القادمة والخاصة بشن حرب تتوزع في اطراف لا تشجع كثيراً سياسة الولايات المتحدة، وقد وجد في افغانستان منطلقها بعد ان قام بحرب ليس فيها غالب ومغلوب بل المغلوب الواضح منذ بدايتها او قبلها هو الطرف الآخر الذي لا يملك شيئا يذكر، امام اكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم ومن هذه المعركة بدأ بزرع محصول المعارك المقبلة سواء من خلال تدخله العسكري المباشر في آسيا الوسطى التي فتحت ذراعها لاستقباله دون اي تردد او في شرق آسيا والشرق الاوسط ليرسم خريطة جديدة للعالم وكان التغيير المباشر لها في الهند وباكستان ومن ثم الفلبين وبالتأكيد لن تكون سنغافورة وماليزيا واندونيسيا بعيدات عن التفكير الامريكي الذي بدأ عمليا العزف على اوتار تلك الدول من قبل بوش وكذلك الضغط على الصين التي تزود ايران بالاسلحة وكذلك الضغط على روسيا للسبب ذاته مبدئيا ولاسباب استراتيجية مستقبلا حددتها الولايات المتحدة بدراسة ردات فعل التنين الصيني بتجربتين سابقتين تجربة الطائرة التي هبطت في مطارات الصين وتجربة اجهزة التجسس في الطائرة الحكومية، واما التجربتان الاخيرتان مع روسيا فكانت في القواعد الجديدة بآسيا الوسطى والتخلي عن معاهدة الصواريخ الدفاعية معها. ولكن لعل ردات الفعل ستظهر اكثر وضوحاً اذا ما اقدمت الولايات المتحدة على ضرب احدى محاورها الثلاث التي حددتها دون اية اعتبارات اقليمية أو سياسية، فكوريا الشمالية مازالت ترفض اقتراحاً حول حوار مع الولايات المتحدة بل انها طالبت بانسحاب القوات الامريكية من كوريا الجنوبية التي تقدر بحوالي 137 الف جندي امريكي يتمركزون في قواعد بكوريا الجنوبية، وايران حددت اطار تحديها بما تمتلكه من قوة اما العراق الفاقد القوة فإنه ينتظر تحركاً عربياً فعالاً خيوطه وتشعبات طريقه مازالت مبهمة، بل ان اوروبا وروسيا قد وضحتا موقفهما من ضرب العراق اكثر مما وضحه العرب وتنجلي في الجانب الاوروبي من خلال المؤتمر الدولي للأمن في ميونيخ ومن خلال التصريحات الاوروبية المعارضة لسياسة الولايات المتحدة، اما من الجانب الروسي فقد عبر عن موقف موسكو وزير الدفاع سيرجي ايفانوف الذي قال حول التهديد الامريكي لايران: «ليس في حوزتنا دليل واحد يشير الى تورط ايران او الى انها على صلة بمنظمات ارهابية فعلى العكس كافحت ايران الارهاب في افغانستان.. وضحى ايرانيون بحياتهم عندما هاجموا عربات تنقل مخدرات من افغانستان». اما ما قاله ايفانوف عن العراق فكان واضحاً حين قال: «نرغب في ان يذهب مراقبون الى العراق ليروا فيما اذا كانت هناك اية عمليات مريبة لكننا نعتقد انه يجب رفع آلية العقوبات فقد باتت دون فاعلية» وذكر ايفانوف ان هذا هو موقف روسيا الرسمي معتبراً ان الصاق تهمة الارهاب بالدول الثلاث يعد ازدواجية في المعايير لدى الولايات المتحدة، وامام هذا التحرك الروسي فإن الصين عبرت عن موقفها من «محور الشر» الامريكي بأن هذه الاتهامات باطلة مع اعتبار ان ما يجمع بين العراق وايران وكوريا الشمالية ليس إلا مناهضتها للسياسة الامريكية التي تسعى الى التمهيد لمرحلة جديدة من الحرب على ما تسميه بالارهاب. وفي واقع الأمر فإن السياسة الجديدة لواشنطن في تحديدها لمحور الارهاب لا يمكن عزلها عن وقائع خاصة داخلية وخارجية في الولايات المتحدة فإيقاع طبول الحرب قد اطرب الرئيس الامريكي جورج بوش خاصة بعد التأييد الشعبي الذي اكتسبه بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر وحربه في افغانستان، وبذلك فإن مجموعة هذه القضايا تتداخل مع مسائل مختلفة كتجارة الاسلحة الامريكية سواء الجديدة منها والتي تجرب على واقع المعركة الحية او القديمة في وزنها وثقل زمنها على كاهل تكدس الاسلحة مما يدفع بوش للتخلي عنها بقذفها على الشعوب بدل اتلافها، وبالمقابل فإن ادارة بوش مع مؤسسات الولايات المتحدة كافة تسعى بشكل واضح لارضاء تجار الاسلحة في الداخل والخارج معاً ولارضاء غرور بوش الذي كسب معركة في افغانستان في واقعها العملي مخجلة نظراً للتفاوت الكبير بين القوتين فهل سيعيدها في مكان آخر خاصة مع اقتراب الانتخابات الجزئية في الكونجرس ومجلس الشيوخ؟! ـ كاتب فلسطيني