يعد هذا الكتاب الأول في سلسلة من الكتب المنتظرة أراد لها كاتبوها أن تكون بياناً لمفاهيم أسيء فهمها وتصحيحاً لممارسات اتضحت مجافاتها للصواب وتكميلاً لأمور ظهرت الحاجة ماسة إليها في مسيرة العمل الاسلامي، وهو يستمد أهميته من مضامينه ومن كونها روجعت وأقرت بأيدي مجموعة من القادة التاريخيين للجماعة الاسلامية، المصرية. وقد ألف هذا الكتاب أسامة حافظ وهو خريج كلية الهندسة جامعة المنيا، من مؤسسي الجماعة الاسلامية، ويعتبر المنظر الفكرى والسياسى للجماعة، وشارك في تأليف كتاب ميثاق العمل الاسلامى «الذى وضعته الجماعة الاسلامية ليكون بمثابة منهاج لعملها. وهو عضو بمجلس شورى الجماعة، وصدر بحقه حكم بالسجن عشر سنوات في قضية الجهاد الكبرى، وخرج من السجن عام 1991، لكنه عاد إليه مرة أخرى بداية عام 1993 ولا يزال سجينا حتى الآن في سجن ليمان طرة.أما المؤلف المشارك للكتاب، عاصم عبد الماجد محمد، فهو أيضا من مواليد محافظة المنيا، وتخرج من كلية الهندسة جامعة أسيوط، وشارك في الهجوم على مديرية أمن أسيوط عام 1981 وأصيب في المعارك التي دارت هناك مع الشرطة وألقي القبض عليه حيث صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، ولا يزال سجينا في سجن مزرعة طرة، وشارك أيضا في تأليف كتاب «ميثاق العمل الاسلامي». خطت الجماعة الاسلامية المصرية خطوة غير مسبوقة في مراجعة افكار جماعات الاسلام السياسي، وخاصة في نظرتها نحو العنف والصدام مع الحاكم والمجتمع. حتى ان مراجعتها التي نعرض لها الان تعد انقلابا فكريا على الاسس الفكرية التي اعتمدت عليها تلك الجماعات منذ نشأة جماعة الاخوان المسلمين في مصر عام 1928. على ان الاهم من هذا هو ان ما فيها يعد نقدا كاملا لكل الافكار التي وردت في مؤلفات ابن تيمية وسيد قطب، خاصة كتابه «معالم على الطريق»، ومحمد عبد السلام فرج في كتابه «الفريضة الغائبة»، وهى الكتب التي تعد دستورا للحركات السلفية والعنيفة وجميع موجات الجماعات الجهادية في خلال القرن الماضى. وفي الحلقة الاولى من هذه الحلقات التي تعرض لمراجعات الجماعة الاسلامية، والتي تحمل عنوان «سلسلة تصحيح المفاهيم». ناقش قادة الجماعة الاسلامية المصرية الظروف التي دعتهم الى اعلان مبادرتهم الشهيرة لوقف العنف في يوليو عام 1997. وخصص الفصل الاول من الكتاب الذي شارك في تأليفه ومراجعته 8 من قادة الجماعة الاسلامية ـ خصص لبحث قضية المصالح والمفاسد التي تستند اليها الجماعات الاصولية، قبل ان ينتقلوا بنا الى الفصل الثانى ويحمل عنوان «رؤية واقعية» وكأنما ارادوا التأكيد على ان التحول من العنف الى الدعوة السلمية هو رؤية واقعية تسندها مبررات شرعية من القرآن والسنة وتفاسير الفقهاء والائمة. واذا كانت مراجعات الجماعة الاسلامية ستحسب لهم، خاصة وانها كما قالوا هم حجر القي في الماء الراكد فإن غياب اسم عبود الزمر الذي وقع على بيان وقف العنف عام 1997 عن المراجعات الحالية، وربما يؤكد الانباء المتلاحقة عن خلافات لم يفصح احد عن اسبابها بين الزمر الذي كان احد العقول المدبرة لاخطر الموجات العنيفة التي شهدتها مصر عام 1981 وبين كرم زهدي الذي يقود الجماعة الاسلامية من داخل السجن الان. وبدأ الزمر مسيرته في التنظيمات الاصولية مع جماعة الجهاد المصرية وصدر بحقه حكمان بالسجن الاول 15 عاما في قضية اغتيال الرئيس المصرى الراحل انور السادات والثانى بالسجن المؤبد في قضية الجهاد الكبرى 1981 ورغم خلفيته الجهادية فإنه انشق على الجهاد وانضم الى الجماعة الاسلامية داخل سجن طرة وشارك في صياغة واصدار بيان وقف العنف. لكن نهاية العام الماضى شهدت خلافات بين الزمر وزهدي انتهت بنقل الزمر الى سجن مزرعة ابو زعبل مع ابن عمه طارق الزمر. كما شرعت اجهزة الامن المصرية طيلة العام الماضى في فصل اعضاء جماعتى الجهاد والجماعة الاسلامية داخل السجون، بعد اعلان اعضاء الجماعة الالتزام بمبادرة وقف العنف، فيما رفضها قسم كبير من جماعة الجهاد، وخاصة من يدينون بالولاء لقائد التنظيم ايمن الظواهري، الاسم الثانى في قائمة الملاحقين امريكيا ودوليا بعد زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن. الرؤية الواقعية عنوان الفصل الثانى من الكتاب هو «رؤية واقعية» ويؤكد قادة الجماعة الاسلامية في مقدمة هذا الفصل ان الصراع بين الجماعة الاسلامية والشرطة لم يستفد منه الطرفان، وانه تحول في النهاية الى فتنة استفادت منها اطراف اخرى، فمن الخطأ البين ان تتخذ وتبنى الاحكام وتصدر الفتاوى بعيدا عن النظر للواقع واستقراء معطياته واعتباره مرتكزا رئيسيا من مرتكزات تلك الفتوى، فإن اى حكم او أى فتوى ينبغى ان ترتكز على أمرين أساسيين، الواقع ومعطياته والدليل الشرعى المتضمن في الكتاب او السنة او غيرها من مصادر التشريع المعتبرة. والحق أن المراقب المنصف لواقع ما يحدث من صراع بين بعض الجماعات الاسلامية وبين الشرطة يجد ان مسلمي هذا البلد من الجماعات الاسلامية او من الشرطة هم اكثر المتضررين من هذا الصراع وآخر المستفيدين فهذه الدماء والطاقات والاموال تصب فائدتها في خزانة أعداء هذا الدين وأعداء مصر. اطراف عديدة تحاول ان توظف هذه الاحداث لتحقيق مصالح خاصة كثيرا ما تكون متناقضة مع المصالح العليا للبلاد وتحاول لتحقيق ذلك الابقاء على الاحداث مشتعلة على طريق التحريض والتهييج او مساعدة احد الطرفين او كلا الطرفين لتزداد النيران تأججا. وهم، وان تنوعت اهدافهم ومواقفهم، الا انهم يتفقون على عدم ارادة الخير لنا جميعا، يتفقون على استبقاء نيران الفتنة مشتعلة ليكونوا اقرب لتحقيق اهدافهم الخبيثة. اذا كانت الجماعة الاسلامية قد أدركت ان المواجهة مع الشرطة لم تؤد الى النتائج المرجوة، واصابت الطرفين بالضعف، فانها لم تشر الى سبب حقيقى وواقعى وهو أن المواجهة الدامية مع الشرطة اضعفت الجماعة اكثر مما اضعفت الدولة، واذا كانت مصر قد فقدت عددا من رجال الشرطة بينهم ثلاثة لواءات، وأدت عمليات ضرب السائحين الى أزمة اقتصادية حقيقية فإن هذه المصاعب كانت في طريقها الى الزوال لكن الجماعة الاسلامية خسرت اكثر من طاقتها، بعد ان فقدت قياداتها الذين أما دخلوا السجون او هربوا الى الخارج او قتلوا في المواجهات مع رجال الامن، ولم تقف الخسائر عند القيادة لكنها امتدت الى الصفين الثانى والثالث. وهو ما لم تعد الجماعة تحتمله، حتى وان لم تعترف به في مراجعتها. على اية حال فقد حرصت الجماعة في هذا الكتاب الاول من سلسلة تصحيح المفاهيم، على تلمس بعض الحقائق التي اصمت آذانها عنها، وهي ان هناك اطرافا اخرى استفادت من حالة عدم الاستقرار الامني التي تسببت فيها الجماعة ومن المواجهات التي استمرت سبع سنوات، ولعل اسرائيل كانت اكثر الاطراف الخارجية استفادة من هذا الوضع تقول الجماعة الاسلامية : اسرائيل بلا شك اول المستفيدين، فمصر هى مركز الثقل الحقيقى في اى مواجهة عسكرية كانت او ثقافية حضارية للدولة العبرية، ولذلك فإن كل ما من شأنه ان يضعف البلاد ويجعلها منكفئة على همومها ومشكلاتها الداخلية مشتغلة بها يلقى تشجيعا يهوديا. وقد انشرت هذه المعانى في تصريحات مسئوليهم وكتابات الصحافيين والكتاب فاسحق رابين أعلن في أول جولة له في اوروبا وامريكا ان اول اهدافه هو مقاومة المد الاصولى في المنطقة وهو المصطلح الذي يطلقونه على الحركات الاسلامية. ثم دعا الدول للتضامن معا في مواجهة هذا الخطر. وهو، بالطبع، لن يقاوم هذا المد بجنده وجيوشه، ولكنه يسعى لهذه المقاومة عن طريق اثارة الفتن بين هذه الجماعات وحكوماتها لتشتعل الحرب بينهما فيضعف بذلك الفريقين وينشغل كل فريق بالاخر عن الوقوف في وجه المد الصهيونى. وتضيف الجماعة بمثل هذه التصريحات ولعلها الالفاظ نفسها او اصرح منها كانت كلمة نتانياهو في زيارته الاولى لامريكا، بل ولا تكاد تسمع خطبة من خطبه او تصريحا من تصريحاته تخلو من هذا المعنى تصريحا او تلميحا، فبرغم اختلاف الحزب والمنهج الا ان الهدف واحد. وتزداد اهمية الامر ونحن نسمع طبول الحرب تدق من حولنا والمنطقة كلها تزداد توترا وتخوفا من هذه الحرب وهم يرون رئيس الوزراء الاسرائيلى يدوس على كل القوانين والاعراف الدولية ويتهدد كل من حوله غارقا في احلامه الوردية عن الجيش الذي لا يقهر وعن دولة اسرائيل العظمى من النيل الى الفرات. ولا شك في ان خطورة الامر تتضاعف ونحن نرى الدور الاسرائيلى في المنطقة وهو يهدف الى تفعيل استراتيجية الهيمنة على المنطقة عسكريا واقتصاديا يزداد بروزا بينما يتقلص الدور العربى والاسلامى بسبب انكفاء اكثر الدول الاسلامية على ذاتها بمشاكلها وهمومها الداخلية. هي الحرب لا شك تهدد المنطقة في ظل طاقات مهدورة او موجهة الى اتجاهات بعيدة كل البعد عن الحرب المرتقبة. ثم وحتى لو لم تكن هناك حرب فإن نوعا اخر من الغزو يخترق الحدود له تأثير لا يقل خطورة عن خطورة الحرب، ولكن الشعور به اقل والاحتياط منه لا يكاد يوجد، فاليهود يحاولون اضعاف المسلمين في الدول المحيطة عن طريق نشر الفساد والرذيلة وتدمير الاقتصاد وتفتيت المعنويات واضعاف الروح المعنوية واشاعة اليأس عن طريق نشر الاساطير حول قوة اسرائيل المزعومة واستحالة مواجهتها وعن برنامجهم النووى ومخزون القنابل الذرية الذي تعده لحربها المقبلة مع العرب ـ كما يزعمون ـ هذا غير المخدرات والتجسس وغيرها من صور الغزو. وكلا الحربين لا شك تحتاجان لتضافر الجهود وجمع القوى لدعم الجبهة الداخلية في مواجهة اسرائيل والتكاتف في وجه محاولات الاختراق المتنوعة. ان محاولة تهميش دور مصر او طمسه من أخطر الاشياء على مستقبل الصراع مع الدولة اليهودية والذي لن يتوقف بلا شك في ظل الضعف المستشرى في جسد امتنا الاسلامية، ثم ان اضطرار مصر للاستسلام لمحاولات التهميش او الالغاء نتيجة انشغالها بصراعاتها الداخلية سيكون له اثره الخطير على تشجيع سياسة العربدة الاسرائيلية في المنطقة واهدار حقوق شعوبنا المسلمة في فلسطين وخارج فلسطين وسيحرم الشعب الفلسطينى من دعم اكبر دولة عربية واكبر قوة في المنطقة تستطيع ان تساعده في كفاحه المشروع الذي اصبح فيه وحيدا دون معين في مواجهة آلة الحرب الاسرائيلية المدعومة من كل دول الغرب. وعلى الرغم من ان الجماعة الاسلامية خلال حربها المعلنة على المجتمع المصرى طيلة التسعينيات حرصت على اصدار بيانات متنوعة ضد اسرائيل. لكن الملاحظة المهمة انها لم توجه اسلحتها الى اي اسرائيليين سواء داخل مصر وخارجها، بينما كانت الهجمات التي استهدفت السائحين في مصر وخاصة عمليات المتحف المصرى ومعبد الدير البحرى بالاقصر قد استهدفت السائحين الاجانب وليس الاسرائيليين وهوالامر الذي اثر على صورة الجماعة الاسلامية داخل الشارع المصرى. وأحس المصريون بأن قضية اسرائيل لدى الجماعة المصرية لا تتعدى كونها قميص عثمان، خاصة وانها في مطلبها لوقف العنف كان اول شروطها قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر واسرائيل وهو نفس ما أعلنه ايمن الظواهري واسامة بن لادن عشية الهجوم الأمريكي على القاعدة وافغانستان وايا كان الامر فإن التأكيد على الاستفادة الاسرائيلية من حالة عدم الاستقرار في مصر يظل حقيقة ادركتها الجماعة الاسلامية مؤخرا. الدور الامريكي وتصنف الجماعة الاسلامية امريكا والغرب باعتبارهما الطرف الثانى المستفيد من حالة الصراع الداخلى في مصر، وقد حدد نيكسون رئيس امريكا الاسبق في كتابه «الفرصة السانحة» ان العدو المقبل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي هو: الحركات الاسلامية الاصولية، وبمثل هذا تحدث قادة حلف الاطلسى بعد سقوط الشيوعية وسعوا لعقد اجتماعات مع بعض المسئولين في المنطقة بدعوى السعى لدعمهم في مواجهة الارهاب بينما هدفهم لتحريض على تصعيد المواجهة مع الحركات الاسلامية واعدين ـ وهم لا شك كاذبون ـ بمساندة الحكومات ودعمهم. والحق ان محاولة الغرب التحريض على الجماعات الاسلامية وزيادة اشعال النار لا يقصد بها صالح البلاد وتحقيق رفاهيتها واستقرارها، ولكن هناك اهدافا اخرى كثيرة كلها يصب في غير صالح شعوبنا وحقوقنا المسلوبة فهم يرفضون ان يكون لمصر دورها الريادى القائد في المنطقة بما يفرضه ثقلها التاريخى والحضارى والسكانى ويسعون الى تحجيم ذلك الدور او الغائه وتقليل فاعليته عن طريق شغلها بمشاكلها الداخلية والسر في هذه المحاولات هو حرصهم ان تحل اسرائيل في المنطقة محل مصر في موقع القيادة، والسعى لتحقيق هيمنة اقتصادية وسياسية لها على المنطقة وحكام المنطقة ولا شك ان العمق التاريخى للمواجهات المصرية لاسرائيل وتصديها لمحاولات المد الصهيونى وحماية مصالح دول المنطقة تجاه اسرائيل بالاضافة لما تمثله مصر من ثقل عسكرى وحضارى في هذه المواجهة يعتبران الخطر الاساسى الذي يتهدد المد اليهودى الذي تدعمه امريكا والغرب. وبهذا تلتقي مصالح الغرب وامريكا مع مصالح اليهود في استمرار هذه المواجهة لكى تخرج مصر من هذه المعركة وتترك الساحة خالية لهم يعربدون فيها كيف شاءوا. فمصالح الغرب في دعم اسرائيل كقاعدة عسكرية للغرب ورأس جسر لعبور الهيمنة الغربية للمنطقة، ثم مصالحهم ايضا في الاستيلاء على ثروات البلاد من بترول وغيره من الخامات لا يناسبها عندهم شعوب تفرغت لمعاركها المصيرية والحفاظ على حقوقها والسعى لتحقيق رفاهيتها واستثمار طاقاتها وانما يناسبهم شعوب مشغولة بمعاركها الداخلية عن معارك التنمية والتقدم. هذه مصالح الغرب في المنطقة وهى بلا شك تتناقض تماما مع مصالح شعوبنا التي تحتاج لكل جهد لتحقيق الاستغناء عن معوناتهم اقامة العلاقات معهم على قدم المساواة والمصالح المشتركة، ومما يضاعف المشكلة الحاجة الدائمة للمساعدات الامريكية والتي اتخذوها ورقة يلوحون بها في وجه بلادنا كلما اتخذت موقفا وطنيا راعت في حقوقها وحقوق الشعب الفلسطينى متجاهلة مصالح الغرب، مما يفرض علينا موقفا موحدا يلزمنا بالسعى لاستمرار ارادتنا الوطنية محررة والبعد بالقرار المصرى عن محاولات الهيمنة والضغوط الموجهة لصاحب القرار لكى يغير مساره وهذه تحتاج لتضافر الجهود وتوحيد المسعى. ان مكانة مصر والتي يكفلها لها ثقلها الحضارى وخاصة في ظل النظام العالمى الجديد الذي لا يفسح مكانا للضعيف ولا يعرف غير قانون الغاب يلزمنا جميعا ان نسعى جميعا لتكاتف الجهود لوضع بلدنا في مكانه الطبيعى وارغام الاخرين على احترام تلك المكانة. الدور العلمانى ولا تنسى الجماعة الاسلامية الاشارة الى أن مواجهاتها الدموية مع الشرطة قد أوجدت المناخ المناسب امام من تسميهم بالعلمانيين الذين استغلوا الفرصة للتحريض على الجماعات الاسلامية، فنحن بالطبع لا نتهمهم جميعا بتجاوز مصالح الوطن في سبيل مصالحهم الشخصية اومصالح طائفتهم فهناك كثير منهم ـ بل قل اغلبية ـ تدرك ان مصلحة البلاد في تضافر الجهود لمواجهة العدو الحقيقى للوطن ويمدون ايديهم لكل من يسعى لذلك وان خالفهم في الفكر والعقيدة، وهو موقف لا شك جدير بالاحترام وكثيرا ما كنا نقرأ لهذه الاغلبية وان تخافت صوتهم داعين الحكومة للمحافظة على التيار الاسلامى باعتباره تيارا وطنيا ودعوتها للاستفادة من جهوده في دفع عجلة التنمية والارتقاء بالوطن بدلا من تصعيد الصدام معهم بما سيكون ضرره على كل الاطراف. نحن بلا شك نعنى هؤلاء ولكن نعنى قلة منهم تجاهلت مصالح البلاد وحقوق الاخوة والجوار ولم يعودوا ينظرون الا لمصالحهم ولو على انقاض بلدنا وشعبنا. انهم كما قلنا قلة قليلة ولكنها عالية الصوت ملأت الدنيا ضجيجا محرضة على الجماعات الاسلامية داعية لحربها واستئصالها مستخدمة كل الاساليب الديماجوجية الممجوجة في الاثارة والتحريض. وهم بلا شك لا يقصدون مصلحة البلاد، ولكنهم كما يقولون يرون فيها فرصة يتصارع فيها الطرفان الرجعيان، يعنى الحكومة والجماعات الاسلامية كما يزعمون فيضعف كلاهما الاخر مما سيفتح لهم الطريق للتسلط على الحكم وازاحة من يتبقى ممن يعارض مناهجهم. ولعلنا لا ننسى قول شيوعى شهير، وكان محاميا في بعض قضايا الجماعات الاسلامية منذ سنوات: أتمنى ان يصدر اكبر قدر من احكام الاعدام في هذه القضية كى ينشأ ثأر بين الجماعات الاسلامية والحكومة يشعل صراع الانتقام ويحرق كلا الطرفين. والحق ان تسلط هذه الثلة المغرضة على بعض وسائل الاعلام كان له اثره الخطير في التحريض على اشعال نار المواجهة ووأد كل محاولة لانهاء تلك الاحداث ووضع حد لها. ولعل الجميع يذكر كيف كانوا سببا في الاطاحة بوزير الداخلية عبد الحليم موسى الذي سعى الى وساطة من علماء افاضل محاولا التدخل لوقف سيل الدماء ووضع حد لتلك الخصومة الطويلة ولعل الجميع يذكر كيف هاجت عليه تلك الصحف واتهمته بالتخاذل والضعف واضاعة هيبة الدولة بزعمهم وتجاوزوا في هجومهم كل اخلاق واعراف العمل الصحافي مما كان له بعض الاثر في التسريع بانهاء ايامه في الوزارة. انهم بلا شك يمثلون حجر عثرة في سبيل كل محاولة لانهاء تلك الاوضاع ولو على جثة مصالح هذا البلد واهدافه وحاجاته ويعتبرون استمرار المواجهة محققا لاهدافهم في السعى نحو توسيع نفوذهم والتسلط على مقدرات البلاد. فهلا فوتنا عليهم الفرصة بتكاتفنا وتعاونا من اجل توحيد الكلمة ونصرة الدين الحق. دعوة للمراجعة تنتقل الجماعة الاسلامية بعد ذلك الى التأكيد على اهمية وجود ضوابط شرعية لمشاركة الجهاد التي اساء فهمها. ولا شك في ان المواجهات التي دارت بين طوائف من الشباب وجهاز الشرطة قد افرزت كثيرا من القضايا الخطيرة والهامة التي تحتاج دوما الى ضبط شرعى. ولا شك كذلك في ان اهل العلم محجوبون في ظل معمعة الحرب وقعقعة السلاح وصياحات الثأر والانتقام المتبادلة من ان يدلوا بدولهم في هذه القضايا الهامة. والنتيجة التي لا مفر من وقوعها، شئنا ام ابينا، هي أنه سيتم ترسيخ بعض المفاهيم تحت تأثير الضغوط العنيفة التي تمارس والظروف غير الطبيعية المتواجدة وسيكون كثير من هذه المفاهيم غير صحيح وغير موافق للشرع سواء لاحكامه التفصيلية او لروحه العامة وقضاياها الكلية وليس خافيا علينا ما يحدث في بعض البلاد المجاورة عقب خمس سنوات من المجابهات الشرسة تحولت خلالها قطاعات عريضة من الشباب المسلم الى اعتناق فكر التكفير كرد فعل عنيف وغير منضبط للهوس الذي تعاملهم به قوات الدرك وكتائب الدفاع الشعبى. ولسنا ننكر ان هناك بعض غلو في فهم قضية الجهاد قد وقع من بعض الطوائف هنا في مصر بحيث صار يحتاج الى ضبط شرعى. وانه ليخشى ان استمرت الامور على ما هى عليه وظلت نار الثأر تتأجج في القلوب ان يتفاقم الامر ويتسع الخرق على الراقع ولا يعود في مقدور احد ان يعيد الامور الى نصابها، كما انه يخشى ان يفرز استمرار المجابهة مفاهيم مغلوطة جديدة قد تستقر مع مرور الزمن بحيث يظن اصحابها انها حقائق شرعية لا غبار عليها، بل وتتلقاها الاجيال التالية على أنها صلب الدين. ولسنا ننسى مثلا ان فترات الاضطهاد في السجون في الستينات قد افرزت فكرا تكفيريا لا زالت اثاره موجودة على كثير من الطوائف المبتدعة. وتحذيرا من مثل هذا وحرصا على عدم تكراره ورغبة في تلافي بعض ما وقع بالفعل كان لابد من ان نكتب موضحين ما نراه صوابا في مثل هذه القضايا. المفاهيم المغلوطة حاولنا حصر اهم المفاهيم المغلوطة التي لا حت بوادرها او التي يخشى حدوثها واستقرارها فوجدنا في مقدمتها ما يمكن تصنيفه تحت اربعة عناوين عريضة : ـالاول: ما يتعلق بالجهاد من مفاهيم غير صحيحة او غير منضبطة او مغالية او مشوشة ولتصحيح هذه المفاهيم شرعنا في تسطير هذه الرسالة وكذا نخطط ان شاء الله لكتابة ما هو اوسع منها حول موانع القتال في الشريعة. ـ الثانى: يتعلق بالغلو في الدين وترك الوسطية فيه والجنوح الى تجاوز الحدود في مقابل ما يفعله البعض من تجاوز للدين اوأحكامه بخرقها التهاون بها ـ الثالث: يتعلق بالعقائد التكفيرية مثل تكفير اصحاب الكبائر او عدم العذر بالجهل في باب العقائد او سحب احكام التكفير على طوائف باكملها بدعوى الموالاة ـ الرابع: يتعلق باهل الكتاب والتجاوز في معاملتهم والتهاون بارواحهم واموالهم دون اعتبار لقيمة العدل كقيمة اسلامية سامية. تأليف: أسامة ابراهيم حافظ وعاصم عبدالماجد عرض: وكالة الأهرام للصحافة ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة