قبل أربعة أعوام وتحديدا في الخامس من يوليو عام 1997، فاجأ القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية المصرية كل متابعى الشأن الأصولى بإصدار بيان وقف العمليات العسكرية ضد قوات الشرطة والأهداف الحكومية، وهو ما عرف بعد ذلك باسم مبادرة وقف العنف. وظلت هذه المبادرة محل انتقادات واسعة من ناحية، وشكوك من ناحية أخرى، بينما لم يفت البعض التلميح إلى صفقة بين الحكومة المصرية والجماعة الإسلامية لوقف المعارك الطاحنة بينهما، والتى أضرت بالاقتصادالقومى خاصة بعد الهجمات التي تعرض لها السائحون الأجانب، وعلى الرغم من نفي الطرفين كليهما لأمر الصفقة المزعومة، فإن غياب الأسانيد الشرعية لوقف العنف، وعدم صياغة مناهج جديدة للجماعة الإسلامية ظلا أحد مكامن ضعف تلك المبادرة التي يمكن القول أنها دخلت حيز التنفيذ الفعلى منذ عام 1998، حيث لم تشهد مصر منذ هذا التاريخ مواجهات دموية بين الشرطة والجماعة الإسلامية. وطوال الأعوام الأربعة التي أعقبت مبادرة وقف العنف خرجت تصريحات عديدة على لسان قادة الجماعة الإسلامية ومحاميهم عن مراجعات فقهية تجرى داخل سجن «ليمان طره» جنوب القاهرة، حيث يقضى ستة من قادة الجماعة عقوبة السجن منذ اغتيال الرئيس المصرى الراحل أنور السادات في السادس من أكتوبر عام 1981. وخلال الأيام القليلة الماضية، خرجت تلك الدراسات المهمة، ليس فقط لأنها تتبرأ من أحداث العنف وكل العمليات الإرهابية التي تعرضت لها مصر في الفترة من 1990 حتى عام 1997، ولكن لأنها تعرضت لمعظم ثوابت حركات الإسلام السياسى العنيف، وألغت العديد من المفاهيم السائدة وشطحات تلك الحركات، خاصة القضايا المرتبطة بالجهاد والخروج على الحاكم وتنفيذ تغيير المنكر بالقوة، وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح، وهى القواعد التي استند إليها قادة وشباب الحركات الأصولية الإسلامية طيلة القرن الماضى وبدايات القرن الحالى. ولعله من الأهمية الإشارة أيضا إلى أن هذه الدراسات أصدرها وراجعها ثمانية من قيادات الجماعة الإسلامية المصرية الذين اتخذوا قبل 20 عاما قرارا باغتيال الرئيس المصرى أنور السادات، وقادوا هجومًا دمويًا على مديرية أمن اسيوط أسفر عن مصرع أكثر من مئتين من ضباط وجنود الشرطة في معركة دامت يومين، كما أن هذه المجموعة التي أصدرت المراجعات الفكرية التي نحن بصدد عرضها ومراجعتها الآن، هي قيادة الجماعة الإسلامية نفسها التي دخلت صراعا مع الشرطة والمجتمع منذ سبع سنوات في مطلع التسعينيات، وراح ضحيته نحو ألفى شخص من أعضاء الجماعة ورجال الشرطة والمواطنين والسائحين الأجانب. ومن المهم أيضا قبل استعراض تلك المراجعات المسندة إلى أدلة شرعية وفقهية، أن نلاحظ أنها حملت عنوانا رئيسيا هو «سلسلة تصحيح المفاهيم» ربما اقتناعا من قادة الجماعة الإسلامية بخطأ المفاهيم السابقة عن العنف وضرورة عودة مفاهيم الإسلام السمحة وسيادتها، في وقت تجرى محاصرة الإسلام ومهاجمته في كل أنحاء العالم، وفى وقت أصبحت صورة المسلم في الغرب مرتبطة بالإرهاب. وإذا كانت الجماعة الإسلامية قد أدخلت مصر دوامة عنف أسود امتدت نحو 20 عاما فإنها الآن وعبر قادتها التاريخيين من بينهم ستة من أعضاء مجلس شورى الجماعة يقدمون جهدا شرعيا يجب الاحتفاء به، لعله يكون بداية لتصحيح المفاهيم عند كل جماعات الإسلام السياسى العنيفة في العالم الاسلامى، والتى أفضت إلى حالة صدام حقيقية بين الحضارة الاسلامية والحضارة الغربية، بسبب التفسيرات العنيفة لدين يدعو إلى التسامح. الكتاب الأول في سلسلة تصحيح مفاهيم الإسلام يحمل اسم «مبادرة وقف العنف: رؤية واقعية ونظرة شرعية» وهو تأليف وإعداد قيادى الجماعة الاسلامية الأول أسامة حافظ، الصادر بحقه حكم بالسجن عشر سنوات في قضية الجهاد الكبرى 1981. المؤلف الثاني هو عاصم عبد الماجد الصادر بحقه حكم بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة في القضية نفسها، وأصدرته مكتبة التراث الإسلامى التي قدمت الكتاب على أنه «بداية سلسلة هى إحدى الثمار الطيبة لمبادرة وقف العنف التي أراد لها كاتبوها أن تكون بيانا لمفاهيم أسييء فهمها وتصحيحا لممارسات تبين خطأها وتكميلا لامور ظهر مسيس الحاجة إليها في مسيرة العمل الإسلامى». ويتابع الناشر في تقديمه : «تأتى عظمة هذه السلسلة أنها خطت وروجعت وأقرت بأيدى القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية: كرم زهدى، ناجح إبراهيم، أسامة حافظ، فؤاد الدواليبى، حمدى عبد الرحمن، على الشريف، عاصم عبد الماجد، عصام دربالة. لماذا المبادرة؟ يستهل المؤلفون كتابهم عن مبادرة وقف العنف بمقدمة أساسية أرادوا منها بيان الأسباب التي دعتهم إلى إصدار مبادرتهم «في الخامس من يوليو سنة 1997، وأثناء نظر القضية العسكرية رقم 235، فوجيء الحاضرون بأحد الإخوة الحاضرين المتهمين في هذه القضية، وهو يقف في مواجهة رجال الإعلام ليلقى بيانا مذيلا بتوقيع القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية يدعو الإخوة لإيقاف العمليات القتالية وحقن الدماء، كانت هذه المفاجأة كمن ألقى حجرًا في ماء راكد سرعان ما تتابعت تداعياته، حيث سارع البعض لينكر ويشكك ويتهم. ووقف البعض الآخر يرقب عن كثب ما تسفر عنه الأيام محجما عن إبداء رأيه بالتأييد أو المعارضة، بينما سارع الأكثرون يؤيدون ويباركون ويشجعون، لعل هذه المبادرة الشجاعة تكون مدخلا لانتشال البلاد من حمام الدم الذي عانت منه لسنوات مضت». ويضيف القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية «رغم أن هذه المبادرة كانت من طرف واحد ولم تبد أجهزة الدولة أى تجاوب معها إلا أنها أشاعت جوا من التفاؤل بإنهاء تلك الأزمة، وتوقع الكثيرون أن يتجاوب معها الجميع مستقبلا، وزاد من الإحساس بالتفاؤل أن بادر الدكتور عمر عبد الرحمن من سجنه في أمريكا بدعم هذا التوجه ودعا جميع الإخوة للتجاوب معه، وفى المقابل أصدر الإخوة في الخارج بيانات شككوا في المبادرة وأعلنوا عدم الاستجابة لها». هكذا ظهرت مبادرة وقف العنف كما قدم لها القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية في كتابهم الأول في سلسلة تصحيح المفاهيم، لكن للحقيقة فإن مبادرتهم هذه لم تكن الأولى لوقف العنف في مصر، إذ ظهر قبلها مبادرتان الأولى في عام 1993، وتبناها عدد من رجال الدين منهم المرحوم الشيخ محمد متولى الشعراوى، والراحل الشيخ محمد الغزالى، وعقدت هذه المجموعة عدة لقاءات مع وزير الداخلية المصرى في ذلك الوقت اللواء محمد عبد الحليم موسى، لكن هذه المبادرة سرعان ما منيت بالفشل حيث تمت إقالة وزير الداخلية اللواء موسى الذي فتح باب الحوار من دون موافقة سياسية ودفع مستقبله السياسى ثمنا لهذه الخطوة والمبادرة التي لم يكتب لها النجاح. وجاءت المبادرة الثانية في فبراير عام 1996، على لسان أحد أعضاء الجماعة الإسلامية ويدعى خالد إبراهيم، والذى كانت تجرى محاكمته فيما عرف باسم «قضية أسوان» وعلى الرغم من أن مبادرة خالد إبراهيم حملت المعانى والمضامين نفسها، فإنه لم يكتب لها النجاح، لأن الكثيرين اعتبروها مبادرة فردية لا تعكس فكر الجماعة الإسلامية، ولا تعبر عن رأي قادتها ولم تؤخذ على محمل الجد، لأن الجماعة الإسلامية تنظيم هرمى يصدر القرار فيه من القمة، ويكون على القواعد التنفيذ فقط. نعود إلى ذلك اليوم أي 5 يوليو 1997، ونسمع إلى شهادة المحامى ممدوح إسماعل، أحد محامى الجماعات الإسلامية في مصر والتى قال فيها «كنت أحضر الجلسة الأولى للجزء الثالث من المحاكمة العسكرية من القضية 235 لسنة 1997، والتى عرفت باسم «محاكمة الجناح العسكرى للجماعة الإسلامية، وفوجئت بأحد المتهمين يصيح بأعلى صوته ويقول: بيان الجماعة الاسلامية وأعلن مبادرة الجماعة لوقف العنف، والتى حملت دعوة القيادات الروحية للجماعة الاسلامية في سجن ليمان طره لوقف العنف. وسرحت بعقلى تساؤلات فرضت نفسها هل هى مبادرة أم مناورة، هدنة أم استسلام، واسئلة أخرى عديدة» هكذا استقبل أحد المحسوبين على تيار الاسلام السياسى المبادرة فما بالنا بالمسئولين المصريين الذين شككوا في المبادرة ورفضوا التعامل معها؟. أزمة الدير البحري بعد أربعة أشهر من المبادرة التي فجرت جدلا في الحياة السياسية المصرية، وقعت حادثة معبد الدير البحري، حيث هاجم ستة من أعضاء الجناح العسكرى للجماعة الإسلامية السائحين الأجانب، وأطلقوا عليهم نيران بنادقهم الآلية بشكل مرعب، فلقى 58 سائحا مصرعهم، إضافة إلى ثلاثة مواطنين، وقتل أو انتحر المهاجمون الستة بعد ذلك، وتسارعت التحليلات والبيانات عن رفض الجناح العسكرى للجماعة الإسلامية للمبادرة، وخاصة قائده مصطفى حمزة، ووجدت رسالة في ثياب أحد منفذى الحادث يعلنون فيها التزامهم بالعمليات العسكرية وبمهاجمة الحكومة والأهداف الاقتصادية تنفيذا لأوامر قائد الجناح العسكرى مصطفى حمزة. يقول قادة الجماعة في كتابهم «في غمرة سعينا في البحث عن سبل لشرح وجهة نظرنا لإخواننا فوجئنا بحادث الأقصر، كانت صدمة لنا جميعا، وإذا كان الحادث بما فيه من اعتداء على النساء والاطفال والتمثيل بهم غريباً على منهجنا وتفكيرنا وكان صدى هذا الحادث متفاوتا، فقد أعلنا تمسكنا بمبادرتنا على الرغم من تسرب شيء من الإحباط إلى نفوسنا. في الوقت الذي أحدث الحادث صداه في نفوس إخواننا بالخارج، وبدأ تأييدهم فرادى يتوالى حتى أعلنوا جميعا في 28 مارس 1999، التأييد الكامل ووقف كل العمليات والبيانات المحرضة عليها، وهكذا تحولت المبادرة إلى رأس جسر يحتشد من خلفه كل أبناء الجماعة، وكلهم أمل في أن ينفضوا عن أكتافهم أثر تلك الأيام العصيبة ليعودوا إلى مهمتهم الأصلية كدعاة إلى الله يشاركون في هداية الخلائق إلى طريق الله القويم.ويرصد قادة الجماعة الإسلامية النتائج الإيجابية التي تحققت من مبادرتهم: «هاهى سنوات أربع تمر على المبادرة، ولازلنا نشعر بالراحة ونحن نرى شجرة مبادرتنا تتنامى على مهل، فالعمليات توقفت والدماء حقنت والمناخ أصبح اكثر استعدادا للوصول لحل مشكلة المشكلات التي سببت كل هذه الاحداث وهى مشكلة المعتقلين، وبدأت أصوات المتشككين تتخافت، وهى ترى الأيام تمر فتزيد من تأكيد صدقنا وحرصنا على الوفاء بعهودنا التي قطعناها على أنفسنا رغم ما تعرضت له المبادرة من اختبارات وانتكاسات وضغوط وأظهرت الأيام أننا من أشد الناس حرصا على استعادة وجهنا الدعوى المشرق الذي نال منه التشويه على مدار سنوات طوال مضت». ليست مقايضة هكذا بدأ القادة التاريخيون سلسلة تصحيح المفاهيم بأسباب إصدار مبادرة وقف العنف والانتكاسات التي تعرضت لها، ولم يفتهم أيضا نفى كل ما تردد عن وجود صفقة مع الأمن تسمح بالإفراج عن المعتقلين من أعضاء الجماعة الاسلامية ووقف احالتهم إلى المحاكم العسكرية مقابل التوقف عن العنف وهما شرطان كانا ضمن الطلبات المتكررة للجماعة الإسلامية لوقف العنف خاصة وأن وزارة الداخلية المصرية دأبت خلال الأعوام الثلاثة الماضية على إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين الذين لم يثبت تورطهم في قضايا العنف، كما امتنعت عن إحالة أعضاء الجماعة إلى المحاكمات العسكرية على عكس ما يتم مع جماعتى الجهاد والإخوان المسلمين. يقول قادة الجماعة: «إن المبادرة التي اطلقناها ليست مقايضة بين دين وعرض زائل من الدنيا، وليست مقايضة بين السعى لإعلان دين الله وشرعيته، وبين دنيا رخيصة ألقيناها خلف ظهورنا، ولكن موقف اقتتال منعته الشريعة الغراء لمفاسده العظيمة، وواجب شرعى تصدينا له بكل شجاعة، وهو لا يتنافى مع واجب آخر يلزمنا جميعًا وهو السعى لإعلان دين الله وإقامة شريعته، فوقف ذلك الاقتتال واجب والدعوة لإقامة شريعة الله والدعوة لدينه واجب وعلينا القيام بكلا الواجبين». وهكذا ينفى قادة الجماعة الإسلامية حديث الصفقة أو المقايضة ويؤكدون أن السبب الرئيسى هو وجود أدلة شرعية استدعت هذا التغيير في أفكار الجماعة الإسلامية «لنبدأ الحديث عن الأدلة والمفاهيم الصحيحة التي حدثت بنا إلى إعلان هذه المبادرة وكلها مستمدة من شرعنا الحنيف». تقول القاعدة الشرعية المتفق عليها بين علماء المسلمين أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة أو المنفعة، هذه القاعدة لعبت دورا كبيرا في التشدد الذي أصاب جماعات الإسلام السياسى وخاصة فيما يتعلق بدرء المفسدة، وطرق تنفيذ ذلك، وهو ما أولاه قادة الجماعة الإسلامية اهتمامهم في كتابهم الأول «مبادرة وقف العنف» وخصصوا له الفصل الأول من الكتاب «تحصيل المصالح كما يقول العلامة الشاطبى: أصل أصول الشريعة، إذ أن الشريعة نزلت لتحصيل مصالح العباد الدينية والدنيوية ودفع المفاسد عنهم وقد ثبت هذا المعنى من مقاصد الشارع الحكيم في تنزيله وتضافرت عليه الأدلة العقلية والنقلية يقول عز من قال «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم» والآية منعت سب آلهة المشركين وتحقيرها وهى مصلحة بلا شك في الدعوة لمنع الناس من عبادتها حتى لا يسب المشركون المولى عز وجل فكانت مفسدة سب البارى عز وجل أعظم من كل مصلحة فيها ذم لآلهة المشركين.ويضيف ابن كثير: ومن هذا القبيل وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه«. وانظروا اليه صلى الله عليه وسلم وهو يمتدح خالد بن الوليد لما عاد من سرية مؤتة منسحبًا بالجيش من دون أن يفتح عليه ويصف جيشه بأنه الكرار رغم احتشاد صبيان المدينة يرجمون بعض رجال الجيش بالأحجار والتراب ويقولون: يا فرار فررتم من القتال في سبيل الله. والجيش المنسحب كان لا يتجاوز ثلاثة آلاف بينما كان جيش الروم مائتى ألف واستمرت المعركة بين الجيشين إلى آخر النهار، وقتل فيها قادة الجيش الثلاثة. ومعنى الصمود استئصال جيش المسلمين عن آخره بما يسببه ذلك إلى جانب هلاك الجيش من أثر معنوى شديد السوء على الدولة الاسلامية، ولا شك ان انقاذ الجيش من هذه المقتلة مصلحة عظيمة، والظهور بمظهر المنهزم المتراجع مفسدة مزمومة لكن القائد أحسن تقويم الموقف، ورجح مصلحة الإنسحاب فمدحه النبى صلى الله عليه وسلم، فالجهاد ليس مجرد إراقة الدماء وإدراك الموت، وتحقيق الهدف من القتال وهو إعلاء كلمة الله ونشر دينه وهذا الهدف لن يتحقق إن تم استئصال الجيش المسلم، فالجهاد ليس هدفًا في حد ذاته وإنما لابد من مصلحة راجحة، فلما زالت المصلحة لم يعد لاستمرار القتال داع بل صار مفسدة لابد من أن تدفع. وبعد ان يستعرض الكتاب بعض الامثلة مستشهدًا بالقرآن والحديث النبوى الشريف ومواقف الصحابة يستندون إلى قول الفقهاء حيث تكون المصلحة العامة للمسلمين يكون شرع الله، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، ويضيف: «إن المصلحة الضرورية تقدم عند التعارض على المصلحة الحاجية، والحاجية تقدم على التحسينية، والمصلحة الأصلية تقدم على المصلحة التكميلية، بل إن المصالح الضرورية تتفاضل فيما بينها، فمصلحة حفظ الدين تتقدم على مصلحة حفظ النفس، فإذا تعارضت مصالح ومفاسد، فإنه يقدم درء المفسدة على جلب المصلحة. ويخلص الباب الأول من الكتاب إلى التالي: 1- ضرورة اعتبار المصالح في أى عمل يأتيه المسلم أو الجماعة المسلمة. 2- المصلحة المرسلة المعتبرة شرعا هى المصلحة القطعية أوالظنية ـ الضرورية الكلية. 3- ان المصالح ترتب حسب أهميتها عند الاعتبار: الضرورية ثم الحاجية ثم التحسينية. 4- ان الشرع يختار أعلى المصلحتين ويدفع شر المفسدتين. 5- أن المصلحة من الأمر والنهى لو ترتب على تنفيذه مفسدة أعظم أو فوات مصلحة أعظم حرم فعله. 6- إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وبعد هذه المراجعة يقولون «بقى أن نطبق هذه القواعد على ما يحدث ليتضح لنا جميعا ان ما يحدث يتنافى مع هذه الأصول الشرعية الثابتة المتفق عليها مما استلزم أن تكون لنا وقفة لتقييم ما يحدث ثم تقويمه ليوافق ما نحسبه مقصود الشارع الحكيم في هذه المسألة. ونتساءل أولا: لماذا كانت هذه الاحداث، وهذه الدماء، وهذه الطاقات المهدرة ولماذا كانت هذه الحرب المستعرة والأرواح المزهقة بين بعض الجماعات الإسلامية وبين الحكومة؟ سيقولون: أو لم تر ما يحدث لنا؟ أو لم يصل إلى سمعك الاعتقالات العشوائية التي طالت العاطل والباطل؟ ألم تسمع عن تجديد الاعتقال؟ ألم تسمع عن التعذيب الوحشى الذي ترك بصمته على أجساد المئات من الشباب؟ وألم تسمع عن اقتحام المساجد والبيوت، وتحطيم الأثاث؟ وألم تسمع عن النساء المهانة، والأطفال المروعة؟ وثم ألم تسمع عن مصادرة الدعوة ومنع الشباب المتحمس لدينه من الدعوة إلى الله وارتقاء المنابر؟ .. ألا ترى هذه الأشياء جميعا تستلزم أن نخرج بالسلاح لندافع عن أنفسنا ودعوتنا؟ ونعود للتساؤل ما هو الهدف أو الأهداف من وراء رفع السلاح وإزهاق الأرواح؟ سيقولون: وقف الاعتقالات والتعذيب، والمعاملة الإنسانية، وحرية الدعوة. ونعود للتساؤل: هل هذا هو السبيل المناسب لتحقيق هذه الأهداف؟ وهل بعد هذه التجربة المريرة التي ذقتم مرارتها في السنوات السابقة فسالت الدماء أنهارا وأزهقت النفوس وتقاتل المسلمون وقتل منهم من قتل هل تحققت هذه الأهداف؟ هل توقف الاعتقال أم أن السجون امتلأت بالمعتقلين وتحولت المشكلة من مشكلة بضع عشرات من المعتقلين أو قل بضع مئات على أسوأ الفروض إلى مشكلة ألوف ازدحمت بهم السجون وبنيت من أجلهم سجون جديدة؟ وهل توقف اقتحام البيوت والمساجد أم انه ازداد وتضاعف ولم يعد للبيوت حرمة؟ هل نلتم حرية الدعوة وحق اعتلاء المنابر أم أن الدعوة ضربت في مقتل ولم يعد لدعوتكم مكان على المنابر أو في أى مكان آخر؟ هل أوقفتم القتل أم أنه تضاعف أضعافا مضاعفة؟ لن نتحدث فيما ينبغى أن يكون، ولكن ينبغى أن تكون لنا وقفة تقيم ما فات لتصويب ما كان فيه، فتقول: أولا: إن أى عمل ينبغى أن تحكمه المصلحة الشرعية سواء في انشائه ابتداء أو في توجيهه إذا انحرف، بمعنى: أنه ينبغى لمن يتخذ قرارا بعمل شيء إن ترجح لديه مصلحته على مفسدته فإن تبين له سواء قبل إنشائه أو بعد الشروع فيه ترجيح المفسدة بل غياب المصلحة بالكلية فينبغى أن يمتنع على الفور. ولاشك أنه قد تحقق بعد هذه التجربة الطويلة أن هذه الدماء المهدرة، وهذه المعارك الطاحنة لم تجلب مصلحة تذكر، بل ترتب عليها عشرات المفاسد التي ينبغى لها أن تدرأ. فالدماء المسالة والنفوس المزهقة من أبناء دين واحد، فضلا عن الثارات والأحقاد التي ملأت النفوس، هذه المعتقلات التي تعج بالشباب كل ذلك مفسدة عظيمة بل مفاسد لاشك ينبغى أن تكون لنا وقفة لوضع حد لها ودفع ما جلبته من مفاسد خاصة وانه لم يتحقق من وراء ذلك أى مصلحة، فكيف والمصلحة غير موجودة أصلا؟! إذن، دماء وجهود وأموال تهدر دون فائدة، في وقت نحتاج لكل ذلك في معركة مع عدو حقيقى يعانيمنه شعبنا المسلم جميعه، ولا يختلف عليه أحد وهو الفقر والتخلف، بالإضافة للعدو الخارجى المتربص بنا، وبديننا ووطننا. وقد يقول قائل: وماذا عما نعانيه من ظلم واضطهاد؟ نقول الصبر، ونحسب أن ثواب الصبر هنا أرجى وأثقل في الميزان، فلابد أن تجتمع الجهود لوقف هذه الأعمال التي لا طائل من ورائها غير الدمار لابناء الدين الواحد، ولعل ذلك يكون بداية طيبة يبنى عليها حل يخفف من هذه المعاناة، ويعطى الجميع الفرصة لمشاركة عملية في هموم هذا البلد ورفع المعاناة عنه. إنها مصالحنا الشرعية جميعا كمسلمين يعيشون على أرض واحدة، وفى بلد واحد، ومصالح هذا البلد تحتاج لجهودنا جميعا لتستعيد عافيتها، وتقدمها، ونهضتها، ومن قبل كل شيء مصلحة هذا الدين الذي يلزمنا أن نتضافر لرفعة شأنه والدعوة إليه وإزالة ما شوه منهجه القويم من شوائب الدعايات المنكرة. نعم مصلحة هذا الدين الذي استغل أعداؤه هذه الفتنة والدماء التي سالت بين أتباعه لكى يشوهوا صورته ويصفوه بالدموية والإرهاب حتى صار المسلم في الخارج رمزًا للإرهاب والدموية. مصلحتنا جميعا أن نقف في وجه هذه المفاسد رجاء ثواب الله، وطمعًا في فضله ورحمته. ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة