ربما يروق للبعض تسميته «فتى فتح المتمرد» كآخرين سبقوه الى التسمية، لكنه صوت تفرد بجرأته محمولاً على جماهيرية شكلتها سنوات النضال وماتلاها من سجون وابعاد. هو حسام خضر القيادي البارز في حركة فتح وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني الذي لا يتوانى عن القول ان تيار اوسلو الاقتصادي في السلطة الفلسطينية المرتبط مصلحياً باسرائيل سيطيح بالرئيس ياسر عرفات قريباً ما لم يسارع الأخير لانقاذ نفسه جماهيرياً. ويشير في هذا الاطار إلى ما يصفه بمحاولات تلميع إسرائيلية وامريكية لسري نسيبة مسئول ملف القدس في منظمة التحرير لخلافة عرفات وهو ما يفسر تصريحاته الاخيرة التي انتهكت المحرمات الفلسطينية حول اسقاط حق العودة ودولة منزوعة السلاح. واذ يشير إلى شق حركة فتح إلى تيارين أو مرجعيتين يتم تمويل كليهما من عرفات فانه يخلص في الحوار التالي إلى نتيجة مؤسفة مؤادها ان الانتفاضة قفزت في الهواء وبجناح المقاومة الوحيد بعد اغفالها الجناح الآخر: اجتثاث الفساد وتفعيل الحياة الديمقراطية: ـ كيف تنظر إلى تصريحات د. سري نسيبة حول الدولة المنزوعة السلاح؟ ـ في اعتقادي ان د. سري نسيبة هو احد الخيارات المطروحة كبديل للاخ الرئيس ياسر عرفات ومن هنا إسرائيل وامريكا تحاولان ترويج هذا الشخص من خلال افكاره الاستسلامية والتي تجاوزت المحرمات وكل الخطوط الحمراء والمباديء الفلسطينية مثلما هي تجاوز لحقوقنا السياسية الفلسطينية والحديث عن دولة منزوعة السلاح في ظل عنجهية اسرائيلية هو دليل واضح ان هذه القيادة السياسية التي يمثلها تيار سري نسيبة لا تقرأ التاريخ ولا تستطيع الا ان تكون اداة طبيعة وبوقرخيص لافكار أمريكية إسرائيلية. ان الصوت الذي يمثله نسيبة هو تعبير حقيقي عن شكل القيادة السياسية المقبلة ومحتواها وفق المعايير والضوابط الإسرائيلية وإسرائيل لا تريد قيادة وطنية سياسية حقيقية بل هي تريد وكيلا أمنيا وفي اعتقادي انها لن تجد خيراً من نسيبة ليعبر عن تلك الوكالة الأمنية التي تهدف لفرض استسلام على الشعب الفلسطيني. ان افكاره التي ابداها سابقاً في الجامعة العبرية وابدى الاستعداد للتنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين مقابل اخلاء إسرائيل لجزء من المستوطنات المقامة داخل الاراضي المحتلة عام 1967م هي تعبير حقيقي عن رغبته في تسويق ذاته اسرائيلياً وامريكياً ولذلك انا اقول ان هذا الموقف الإسرائيلي المتشدد تجاه الاخ الرئيس ياسر عرفات انما بسبب وجود شخصيات لا وطنية في الشعب الفلسطيني. ـ ما تفسيرك لسكوت القيادة الفلسطينية على هكذا تصريحات رغم المطالبات المتكررة بموقف دقيق وجدي؟ ـ انا اتفق مع الرأي القائل ان تصريحات نسيبة تمثل بالون اختبار سواء تصريحاته حول حق العودة للاجئين او حول الدولة المنزوعة السلاح وهي العودة إلى السيرة الاولى التي سبقت مأساة اتفاقات اوسلو المذلة والتي كان يطلقها بسام ابو شريف «مستشار الرئيس عرفات» وانا اعتبر ان نسيبة هو الضلع الثالث في تيار اوسلو الاقتصادي حيث ان الضلع الاول هو الاقتصاد الشخصي والضلع الثاني هو الأمن بمعنى حماية امن اسرائيل والضلع الثالث هو البعد السياسي لهذا التيار وانا اعتقد ان اضلاع المثلث قد اكتملت الآن لتيار اوسلو الاقتصادي في السلطة الوطنية الفلسطينية سياسياً واقول انه كلما سمعنا تصريحات وافكاراً لا وطنية كلما اعتقد شخصياً انه قربت نهاية ياسر عرفات سياسياً. لا شك ان الافكار التي تلقى بين الحين والحين حول القضايا الوطنية الفلسطينية بصورة نشاز هي خيار أمريكي إسرائيلي تحاول فرضه وأما نسيبة فهو مكلف بجس نبض الشارع الفلسطيني من قبل «تيار اوسلو» وبالتالي فان التيار الوطني المستضعف في السلطة الوطنية لا حول له ولا قوة في هذا الشأن. وانا ادعو القوى الوطنية والإسلامية والأحزاب السياسية الموجودة والمؤسسات المختلفة للوقوف بحزم أمام هذا الصوت النشاز. ـ كيف؟ ـ بكل الوسائل الممكنة اما عدم التفات القيادة الفلسطينية وعلى رأسها ياسر عرفات للدعوات والمطالبات باقصاء نسيبة ووضع حد لتصريحاته فيدلل على أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية وعلى حقيقة وواقع القيادة السياسية الفلسطينية. ـ هل تؤثر افكار نسيبة ولو شيئاً ما في عملية التسوية؟ ـ لا اعتقد ذلك بل العكس اذ ان هكذا افكار من شأنها تشجيع إسرائيل على الامعان في حربها العدوانية التدميرية لمعوقات الشعب الفلسطيني الاقتصادية والسياسية وغيرها. وفي اعتقادي ان القيادة الفلسطينية كان عليها ان تتعظ من قصة «سفينة السلاح» ولو لم يكن هناك مواقف سياسية اعتبرت شرعية المقاومة الفلسطينية ارهاباً لما كانت هذه الحملة وبهذا الحجم. اعتقد ان الامور مرتبة وهناك قرار سياسي امريكي عربي بضوء اخضر فلسطيني حول مستقبل القيادة السياسية للشعب الفلسطيني وهناك محاولة أمريكية اسرائيلية حثيثة لترتيب واخراج قيادة فلسطينية تنفذ شروط العالم الجديد ما بعد احداث سبتمبر الماضي. واؤكد انه مع ما في اتفاقات اوسلو من علل الا ان القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني لها اثر ودور وان كان باهتاً وثانوياً اما الرئيس ياسر عرفات فما زال يشكل ضمانة وطنية لحقوق الشعب الفلسطيني رغم الف تحفظ اداري على سياسته التي ادت إلى الترهل والفساد المالي والاداري في السلطة الفلسطينية لكن عرفات ما زال يجسد التيار الوطني في السلطة وجاءت هذه الانتفاضة في عنفوانها كانتصار للتيار الوطني والآن هذا التيار يواجه قراراً إسرائيلياً أمريكياً امام استمرار المواجهة والحجم الكبير من الخسائر التي لحقت بالجانب وهذا برهن لاسرائيل ان مستقبلها الأمني يتوقف على قيادة سياسية ترضخ للشروط الإسرائيلية وان هذه القيادة المأمولة في نظرهم يجب الا تكون اكثر من وكيل امني يحرس مصالح إسرائيل. ـ لنعود إلى الضوء الاخضر الفلسطيني حول القيادة البديلة؟ ـ ان تيار اوسلو الاقتصادي معني باقصاء عرفات سياسياً وهو جاهز للحفاظ على مصالحه بسقف وطني هابط جداً لا يتعدى اقامة دولة لفظياً على قطاع غزة تعترف بها اسرائيل وكانتونات سكانية في الضفة الغربية وتقبل هذه القيادة بتأجيل ملفات القدس واللاجئين والابقاء على المستوطنات في الضفة الغربية. وأمام الحقيقة المرة الناجمة عن حقيقة ان انتفاضة الاقصى الحالية باتت قفزة في الهواء ولم تستطع التحليق بجناحها الثاني وهو فرض اصلاح داخلي وتطوير الاداء التفاوضي ورفع سقفه اعتقد ان تيار اوسلو سينجح لان التيار الوطني خسر المئات من كوادره وزاد فقراً وتشتتاً فيما حافظ تيار اوسلو الاقتصادي على كل مصالحه وارتباطاته وزادت قيمته لدى الاسرائيليين. ـ اتعتقد ان ما يجرى للقيادة الحالية مبرمج سابقاً مع تيار اوسلو الاقتصادي؟ ـ بالتأكيد وان اتفاقية التسوية في اوسلو ذات بعدين الاول امني لصالح إسرائيل والبعد الثاني اقتصادي لصالحهم الشخصي. لقد كان الهدف الحد من اتفاقية التسوية سنغافورة بنسبة 1 في الألف من الشعب الفلسطيني والنسبة الباقية هم صومال الشعب الفلسطيني. ـ هل قريع ودحلان والرجوب هم من التيار الذي ذكرت؟ ـ انا استبعد ان تكون بدائل القيادة الحالية من الرموز الأمنية أو المذكورة التي تسأل عنها وانا استطيع ان اؤكد وجود تيار منظم تجمعه المصالح وهو في الحقيقة تيار سياسي ومن يملك القرار السياسي يملك المؤسسة الامنية وبالتالي المؤسسة الاقتصادية. واعتقد ان المؤسسة الامنية الفلسطينية هي اداة تنفيذية ليس الا لكن الحديث عن مسمى معين سابق لأوانه. واقول ان خليفة ابو عمار فلسطينياً هو واحد من اثنين اما محمود عباس امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أو احمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وذلك وفقاً للنظام الاساسي الفلسطيني غير المعترف به من الرئيس ياسر عرفات اما من سيحسم فأعتقد ان قوة خارجية ستحسم الامر بغض النظر عن استقرار أي من ابو مازن او قريع في المنصب. ـ هل تتوقع ان ينتصف العام الحالي على القيادة برئاسة أبو عمار؟ ـ أعتقد انه ما لم ينقذ الاخ ياسر عرفات نفسه جماهيرياً فان نهايته قريبة وكلما نفذ ابو عمار التزامات اسرائيل الامنية كلما عجل من نهايته السياسية. ان إسرائيل وامريكا تريد من عرفات ان يشرع القتل كتتويج للسيادة التي شرعت السلطة في انتهاجها من اعتقالات واغلاق مؤسسات ومطاردة وملاحقة ومراقبة بيوت قادة اللجان الشعبية وكتائب شهداء الاقصى وكتائب العودة وجميعهم من حركة فتح، ان اسرائيل وامريكا تريد ان ترى الاقتتال الداخلي الفلسطيني بمثابة العرف السياسي لمن يأتي بعده من البدائل الجاهزة. من هنا اعود لاقول ان تصريحات سري نسيبة وخروجه الدائم علينا بافكار شاذة ثم ظهوره بقرب الرئيس عرفات انما يعكس توجهاً خطيراً وقد لا يكون ابو علاء «احمد قريع» ولا ابو مازن «محمود عباس» دورهما كقادة في حركة فتح بل ربما الخيار يكون خارج كل الاسماء التي تطرح في الشارع الفلسطيني والعربي مثل دحلان والرجوب وغيرهما. أما ذكر اسمي دحلان والرجوب في هذا الموضع فيهدف إلى صرف الانظار بعيداً عما يجرى وراء خشبة المسرح السياسي. ـهل سيصدم عرفات طويلاً امام تيار اوسلو المدعوم امريكيا واسرائيلياً كما تقول؟ ـ الاخ ياسر عرفات اذا لجأ إلى الخيار الجماهيري وبدأ باعادة تشكيل حكومة وحدة وطنية على انقاض الوزارة الفلسطينية الحالية الفاسدة واذا فصل المؤسسات وتحديداً التشريعية والقضائية وفصل بين السلطات الثلاث فلن تستطيع اسرائيل أو امريكا اقصاء ابو عمار حتى لو بقي مطارداً في حدود بلدية رام الله. ان الشواهد التاريخية هي دليل صارخ في هذا الصدد فعندما حاولت سوريا السيطرة على منظمة التحرير وايجاد بديل فان الجماهير الفلسطينية التي بادرت في مسيرات تأييد ودعم هي التي انقذت ياسر عرفات وقتها وأيضاً عندما زار ابو عمار مصر فالجماهير الفلسطينية هي التي نجحت خياره وعندما بدأت الانتفاضة الشعبية الاولى 1987 فهي التي انقذت منظمة التحرير التي كانت وقتها تحتضر في فنادق وشواطيء تونس. من هنا فالجماهير هي صاحبة الارادة الحقيقية وقد تساءلت لمن سيتركنا عرفات بعد رحيله؟ ألهذه الذئاب التي ستنهش اجسادنا؟ ـ واعتقد جازماً انه قد آن الأوان للرئيس عرفات ان يختم تاريخه المشرف والمشرق بخطوة على الارض لصالح التوجه الوطني والشعب الفلسطيني والحياة الديمقراطية في المجتمع المدني المنشود. نحن نريد تغيير الواقع الفلسطيني الحالي باللجوء إلى القانون والعمل المؤسسي اذ انه لا يجوز ان تدار الامور بدون سياسات بل على أساس ردات الفعل وان فلاناً او علاناً يملك كل خيوط اللعبة فهذا لا يجوز. واؤكد ان هذه نصيحة مناضل مخلص لن يتخلى عن عرفات مثلما لم نتخل عنه في كل أزماته. ـ هل حكومة الاحتلال جادة في ان عرفات دوره التاريخي انتهى وتبحث عن بديل له؟ ـ اسرائيل بدأت جدياً بالبحث عن بديل للرئيس عرفات بعد مفاوضات كامب ديفيد 2000 وتمسكه بالثوابت الوطنية الفلسطينية ومنها حقوق اللاجئين والقدس وفك المستوطنات وهذا كان بداية اعداد مخطط إسرائيلي بعيد المدى. الخلاف الآن والذي يؤجل بقاء أو غياب ابو عمار هو ان أمريكا لا تريد ان تقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه بريطانيا عام 1936 حيث انهم لا يريدون لياسر عرفات ان يقضى شهيد بل يريدون له نهاية «بورقيبة» وهم يريدون من عرفات ان ينفذ اكبر مدى ممكن من الضغوط والشروط الأمريكية ضد الحركة الوطنية الفلسطينية وعندها سيقولون لعرفات «انتهى دورك». ولا اعتقد انهم سيقدمو في انهاء عرفات بواسطة اغتياله او ما شابه ذلك. ـ كيف ترى المستقبل الفلسطيني؟ ـ في الحقيقة ان المستقبل الفلسطيني يحمل ظلمات مثلما يحمل اشراقات لكن يعز علي ان كل حركة جماهيرية تؤول إلى الفشل وبالتالي انا اخشى على مصيرنا السياسي وكرامة شعبنا وحرياتنا وحقوقنا وثوابتنا من التلاشي والضياع لان القادم اخطر من كل ما عايشناه في القرن الماضي. وهذه ليست نظرة تشاؤمية بقدر ما هي رؤية واقعية لان الانتفاضة الراهنة لو قدر لها ان تحلق بجناحين احدهما لمقاومة الاحتلال والثاني للاصلاح الداخلي لكان شأن واقعنا مختلف عما نعيش الآن. ولكان مستقبلنا اكثر اشراقاً مما نتوقع الا ان الحركة الوطنية بكل فصائلها: فتح والجبهة الشعبية وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الديمقراطية هي حركة وطنية عاجزة، بدون أي مضمون اجتماعي ولو كان لأي من تلك القوى لها بعد اجتماعي لغير وبدل في الشهر الأول للانتفاضة في كثير من الحقائق المؤلمة التي نتجت عن سبع سنوات عجاف من اتفاقات اوسلو والقائمين عليها. ـ بهذه الافكار المعارضة هل تشعر انك لوحدك؟ ـ هذه ليست افكاراً معارضة بل هي في الحقيقة افكار الموافقة الوطنية مع التوجه الوطني والمشروع الوطني اما المعارضون فهم من خرج عن ارادة شعبنا وباعوا انفسهم مقابل مصالح ومنافع شخصية رتبها مع الاحتلال. اما شعوري انني وحيد، فلا، حيث اعتقد ان التيار الوطني وهو الاكثر عدداً لكنه الاضعف نفوذاً مشتت ومورس ضده سياسة الافساد والتجويع. ـ ألا تعتقد ان هكذا افكاراً تتطلب تنظيم عمل جماعي لانقاذ الوضع؟ ـ بالتأكيد تقوله صحيح وهذا كنت مع مجموعة من الشخصيات الوطنية قد دعونا اليه وابرزهم د. حيدر عبدالشافي ومروان البرغوثي لكن هذه الدعوات اصطدمت بقوالب جامدة تسمى فصائل العمل الوطني. وانا في رأيي ان الفصائل كانت عقبة وجاءت الانتفاضة لتعطيها فرصة جيدة ولكنها لم تحسن استخدامها. اقول ان الفصائل هي شاهد زور على سبع سنوات عجاف ذبح فيها الوطن الفلسطيني ونهبت خيراته بشكل غير مسبوق فالفصائل لم تغير شيئا بل شرعت الفساد لدى الشعب الفلسطيني، واحب ان اوضح انني لا انكر دور الفصائل الفلسطينية في تأجيج الانتفاضة لكن اقول ان الانتفاضة والمقاومة باتت الآن قفزة في الهواء لانها لم تؤثر في الوضع الداخلي قيد انملة فهي لن تنهي وزيراً فاسداً ومؤسسة فاشلة ولم تفرض حكومة وحدة وطنية او تكنوقراط او حكومة وطنيين بل بالعكس المقاومة والفصائل ابقت الحال كما هو عليه واضعفت التيار الوطني من جانب وزادت عز ونفوذ وقيمة تيار اوسلو الاقتصادي من وجهة نظر اسرائيل وامريكا. ـ لندخل في البيت الفتحاوي ونسأل عن «مرجعية حركة فتح» و«اللجنة الحركية العليا» الفروق والخلافات؟ ـ اذا اردنا الحديث مفصلاً نبدأ بالقول انه اثر عودة عدد من قادة فتح الميدانيين مبعدى الانتفاضة الاولى ابريل 1994 ومن خلال التجربة المعاشة في المنفى والوقوف على حقيقة حركة فتح الهشة من خلال مؤسساتها الوهمية والشكلية في ذات الوقت وغياب اي اثر لأي عملية ديمقراطية خارج نطاق المؤتمر الحركي «المهرجان» الذي يدعى للانعقاد في فترات متباعدة اثرنا نحن مجموعة من المبعدين العائدين والمتسلحين بتجربة «فتح الداخل» الاقرب الى الديمقراطية والثورية عبر نضال طويل ومتواصل لتطوير المفاهيم الحركية التنظيمية في ظل الصراع مع الاحتلال في الجامعات والمؤسسات والمعتقلات. وقد اثرنا ان نؤسس اطاراً حركياً علنياً في الداخل ونظمنا لذلك اجتماعاً لعدد محدد ومميز من القيادات التنظيمية في فتح وكان عددهم ما بين 9 ـ 11 كادرا وجرى اللقاء في منزل المرحوم فيصل الحسيني في «عين سينيا» في اوائل مايو 1994 وتدارسنا الوضع الحركي في ظل عملية السلام وتأثيراتها على مستقبل حركة فتح وامكانية التزاوج ما بين التجربتين الديمقراطية في الوطن والتقليدية في المنفي وأطلقنا على هذا الاطار «اللجنة الحركية العليا» والذي كان قد تشكل بشكل اولي في اواخر ايام الانتفاضة الاولى وكلف الاخ المرحوم الحسني بقيادته وتم الاتفاق على تفعيل المسميات الحركية من خلال الانتخاب الديمقراطي الحر والمباشر عبر تنسيب أعضاء الحركة وفق اسس ومعايير متفق عليها بهدف انتخاب قيادات للمناطق والاقاليم ثم عقد مؤتمر حركية في الضفة الغربية لانتخاب قيادة الحركية العليا وقد تم تشكيل لجنة خماسية لهذا الغرض لوضع لائحة داخلية لا تتعارض مع النظام الداخلي لفتح وتأخذ بعين الاعتبار خصوصية وحجم الحركة في الوطن. وفعلا وضعت اللائحة الداخلية وعقد في يوليو 94 المؤتمر الحركي الاول في مخيم بلاطة بنابلس ولم ينجح بسبب حجم التناقضات التي برزت من ناحية وتداعيات عملية التسوية وانعكاساتها على الوضع الفتحاوي من ناحية ثانية. ـ ماذا عن قيادة فتح التقليدية في هذا المضمار؟ ـ في تقديري ان المجرم الاول بحق الوطن والثورة في فلسطين هي قيادة فتح التقليدية المعروفة باسم اللجنة المركزية لحركة فتح التي تخلت عن دورها وعن مؤسساتها. لقد تخلت تلك القيادة عن دورها مقابل امتيازات ودولارات وتركت هذه الحركة جسدا بلا رأس وأفسحت المجال لمشبوهين ومتفرجين وعابرين ان يتقلدوا اوسمتها ويتحدثوا باسمها على حساب تاريخ ونضال ودم الشهداء. ومن المؤسف ان انقسمت اللجنة الحركية العليا اثرالاحتفال المركزي في مخيم بلاطة عام 1994 وامام استقالة البعض لجأ اخرون الى تعويم الحركية العليا وزاد عدد الاعضاء فيها ليصبح اكثر من (54) عضوا خلال شهر ومن ثم تحولت الى مؤتمر حركي بدون مهمات او تحديد مسئوليات ورغم نجاحها في عقد الكثير من المؤتمرات التي اعادت الحياة لتنظيم فتح الا انها كانت مع كل مؤتمر تعمق الخلاف وتزيد من حدة التناقض ولم تستطع ان تتدخل في اي قضية على المستويين الاداري او الوطني بل سخرت لاضفاء شرعية على كثير من الخطايا الوطنية والسياسية وساهمت في تحرير الفساد الاداري والمالي والسياسي داخل المؤسسة الفلسطينية وبالتالي الشعب الفلسطيني لانها ظلت معتمدة على المبالغ الطائلة التي تصلها رسميا من القيادة التقليدية والتي تحكمت في الامور المفصلية والجزئية في فتح. وأمام تزايد حدة الخلاف والتناقض والتفرد وانجاز المزيد من المؤتمرات والتنازع على مرجعية ادارتها وفشل المركزية التقليدية في السيطرة على مجريات الامور. عندها لجأت القيادة الى ضرب اللجنة الحركية العليا وساعدها في ذلك تجربة قطاع غزة التنظيمي وضربها من القيادة التقليدية وحملها اسم (المرجعية) بحجة انه لا يوجد في هياكل الحركة جسم يحمل الحركية العليا وعلى نفس نسق التجربة في مؤسسات فتح اعلنت القيادة مولودها السياسي العجيب حيث فتح اصبحت جداً برأسين هما (المرجعيون) و(اللجنة الحركية) وتصاعدت حدة التضارب داخل المركزية التقليدية وبرزت التناقضات. وجاءت الانتفاضة الحالية لتعزز من جهة الانقسام ولتبقى على المسميات الشكلية القائمة ولتعيد من جهة ثالثة المكانة والقيمة لحركة فتح. ـ ماذا عن التمويل وكيف يسير في فتح؟ ـ التمويل من الرئيس عرفات وفقاً للخطات السياسة ووفقاً للحاجة المطلوبة من فتح في ذات اللحظة لذا يتراوح المبلغ الذي يصرف شهرياً ما بين 100 ألف و 250 ألف لكل من اللجنة الحركية والمرجعية أي لكل من الرأسين في الجسم السياسي؟؟ ـ هل فتح حركة أم تيار سياسي أم تنظيم؟ ـ أنا أصفها بجسم هلامي يتشكل من تاريخ عريق وفتحاويين أحرار وأبطال وقدسية معطلة وقيادة مغيبة وفي اعتقادي ان حركة فتح الآن بحاجة إلى مؤتمر ينفض غبارها، كما انها بحاجة إلى تغيير نظامها الداخلي الذي لم يعد يصلح لهذه المرحلة، حيث انه يقوم على أوهام وكفاح مسلح وحرب تحرير في الوقت الذي تجري فيه مطاردة وملاحقة قيادات فتح والكوادر الميدانية، ويجري اعتقال كل من يحلم برصاصة، كل ذلك نزولاً على رغبة الاسرائيليين في ظل تنكر حكومة العدو لكل الاتفاقات وممارسة الحرب ضد شعبنا وسياسة الاغتيالات والاعتقالات لنشطاء العمل النضالي من أجل الوصول إلى حقوقنا الوطنية المشروعة