يثير الوضع العام على مستوى العالم ككل، قدراً كبيراً من الاحباط والعجز والشعور بضرورة الانسحابية واللامبالاة. فقد ضاعت منطقية سير الأحداث وصارت الرواية مفتوحة ، لكل شيء وكأنها من عبثية بيكيت والجميع في انتظار الذي يأتي ولا يأتي. ويأخذ الوضع السوداني حظه كاملاً غير منقوص في هذه الوضعية الرديئة باعتباره بؤرة توتر تتصارع فيها قوى عاجزة وغير مسئولة تريد فقط الخروج من مأزق ورطت نفسها فيه بارادتها أو سياساتها ومواقفها العشوائية، وهي الآن دخلت في نفق سيناريوهات وحلول لم يكن اي طرف يقبل بها قبل فترة قصيرة، ولكن الهرولة واللهاث هما الآن ما يميزا خطوات الحركة الشعبية والنظام في الخرطوم من اجل ارضاء الولايات المتحدة الأمريكية وتنفيذ شروطها غير القابلة للمناقشة وأصبح الوقت المطلوب للتنفيذ يحسب بالساعات وليس بالاسابيع أو الشهور. ويتم تنفيذ الطلب فعلاً خلال الفترة القصيرة المطلوبة. يجتهد الكثيرون في تحديد المشهد السوداني الممكن وذكرت بعض المصادر إلى ان الاتجاه سيكون الابقاء على الفريق عمر البشير بعد اقصاء الصقور والمتورطين في محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك عام 1995 في اديس ابابا والتحقيق مع الذين تعاونوا مع ابن لادن وقدموا له التسهيلات حتى مغادرته السودان عام 1996 بعد خمس سنوات من الاقامة هناك. ثم تشكيل حكومة انتقالية قومية تكون مقبولة للجميع يشترك فيها الحركة الشعبية والاحزاب الشمالية المعارضة والجيش وبعض الاسلاميين، ويبدو ان هذا الحل يجد قبولاً في واشنطن والقاهرة معاً وهذا ما يعطيه قوة، ولا اعتقد ان البشير قد يقف ضد هذا الحل فهو لا يطمع في اكثر من ذلك خاصة وان الحركة الاسلامية صارت مجرد جيوب في السلطة لا تستطيع ان تنجز اي فعل واكتفى بعضها بالقدرة على التعطيل والتعويق، والحركة الإسلامية التي انتهى الامر بها من التمكين والمشروع الحضاري إلى ملاحقة قادتها التاريخيين بواسطة الانتربول، فهذا مآل لا يسمح لها بمقاومة مثل هذا الحال من خلال عناصرها الماسكة بالسلطة. فهي لم تعد ترفض أي طلب لامريكا واصبح ينطبق عليها قول الشاعر عن علاء الذي لا يقول لا، ولولا تشهده لكانت لاؤه نعم. لم نعد نعرف للنظام سياسة ثابتة تجاه ما يدور في جبال النوبة. فقد صرح غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني لشئون السلام بأنهم لن يسمحوا بوجود دول ذات مواقف عدائية من المشاركة في عملية مراقبة تنفيذ الاتفاق التي تتولاها لجنة عسكرية تضم ثلاثة ممثلين لكل طرف ورئيساً محايداً يساعده نائبان، وكانت الدول الرشحة هي أمريكا والنرويج وسويسرا وبريطانيا، وكان المسئول السوداني يقصد بالتأكيد امريكا. وهذا للاستهلاك المحلي ليثبت للمواطنين انهم مازالوا اصحاب القرار المستقل والذين يناطحون الولايات المتحدة الامريكية، ولكن في اقل من يومين فقط، نقرأ: «اعترف مستشار الرئيس السوداني لشئون السلام الدكتور غازي صلاح الدين بموافقة الحكومة السودانية على مشاركة الولايات المتحدة في مراقبة وقف اطلاق النار في منطقة جبال النوبة، وحاول صلاح ان يخفف من تراجعه ويبدو ان ذلك قد فرض عليه، اذ كان من الممكن ان يأتي التصحيح أو المراجعة من مسئول اخر غيره. وواضح ان الامريكيين ارادوه ان يبلع لسانه ـ كما يقال، ويستمر تصريح صلاح الدين: «ان امريكا ستشارك بعضوين في فريق المراقبين الذي يضم بين 10 ـ 15 مراقباً اجنبياً. وان فريق المراقبة لن تقوده الولايات المتحدة ولن تكون لها غالبية فيه. مشاركة امريكا بكونها رعت المفاوضات التي قادت إلى توقيع وقف اطلاق النار في جبال النوبة «صحيفة الحياة 28/1/2002» الم يكن يعرف هذه المعلومة قبل الادلاء بتصريحه النشابي؟ هذا نموذج بسيط لكيفية إدارة الصراع وكيف فقد النظام أي بوصلة يهتدى بها، وهو الآن يتخبط في قضية قومية تقرر مستقبل السودان بدون مشاركة القوى السياسية الأخرى لانها في حالة غياب أو غيبوبة. من المفارقة ان النظام الذي يتعامل مع الولايات المتحدة بكل هذه الطاعة والخنوع، مازال يكشر عن انيابه القمعية في الداخل «اسد عليّ وفي الحروب نعامة». فقد منعت السلطات احتفالاً سلمياً وفكرياً بمناسبة مرور 17 عاماً على اعدام زعيم الجمهوريين الاستاذ محمود محمد طه، وطوقت الشرطة ساحة النشاط الطلابي بجامعة النيلين وكادت ان تشتبك مع الطلاب والذين حصلوا على تصديق من اتحادهم، لولا تدخل العقلاء، وفي نفس السياق تقدمت مجموعة من المواطنين المعارضين للاستاذ محمود بعريضة لرئيس الجمهورية للتدخل ومنع مسجل الاحزاب من السماح لبعض الجمهوريين بتأسيس حزب حسب الطلب الذي قدمه الدكتور معتصم محمود وبعض الجمهوريين النشطين. وهكذا مرة اخرى يحاول النظام القفز على النقاط الخاصة بحقوق الإنسان في اتفاقه مع المبعوث الأمريكي دانفورث، وهي لا تعني وقف اطلاق النار في جبال النوبة ووصول الاغاثة الإنسانية ومراقبة خطف الاطفال والنساء فقط، وكأن النظام يريد ان يأخذ من بعض كتاب دانفورث رغم انه قد قبله كله، ولكن كالعادة يتجاهل الوضع في الشمال تحت وهم ان الغرب والولايات المتحدة الأمريكية لا يهمهم امر الشماليين كثيراً، والمسألة ليست جغرافية ولا اثنية ولا دينية ولكن يجب ان يحترم النظام حقوق الإنسان الاساسية في كل السودان: حرية التعبير والتنظيم والتفكير والحركة كمباديء لا تتجزأ وغير قابلة لمفاصلة السوق والمناورة، اذا اراد ان يلتزم بالمباديء الاربعة التي اتفق عليها مع مندوب الرئيس الأمريكي، ولكن النظام يستخف بالمعارضة وله الحق في ذلك. تزداد المتاهة السودانية اشتباكاً وغموضاً وتضيع الطرق طالما ظل الطرف المقابل والموازن للنظام غير مؤثر ولا يوجد من يحارب للمعارضة معركتها، وهذا هو المأزق والأزمة، هذا الغياب يجعل الحل السوداني ناقصاً حين يجيء ويخلق وضعاً غير مكتمل ولكن هو الأمر الواقع. ضاعت الفرص من المعارضة سابقاً وكذلك الرؤية الواضحة، والأطراف المشاركة في الحل والمبادرات زادت حيرتها وهي تحاول ترتيب الاوضاع في السودان، وهذا جهد وضع الشعب السوداني آماله فيه منذ انقلاب يونيو 1989 والآن ينفض عنهم في حيرة محبطة، ولا ندري ماذا نقول وبماذا ننصح، وكما يقولون شر البلية ما يضحك فقد جاء إلى ذهني مونولج قديم لعبد الرحيم بيه كبير الرحيمية حين زار السودان في منتصف الخمسينيات اسماه «حارة التمبكشي» وقلت في نفسي انهم بالفعل اصبحوا حارة التمبكشي لا تعرف لماذا الخلاف والاختلاف وضاعت القضية، استأذن القاريء في الاستشهاد بقوله عن الحارة: كان في تلاتة في حارة التمبكشي لقوا تلات ريالات اتنين براني وواحد مابسيرشي اشتروا بيهم تلات وزّات اتنين طاروا وواحدة ما رجعتشي دخلوهم الفرن اثنين حرقوا ووحدة ما طلعتشي كلوهم واختلفوا فيزعلوا من ايه اذ كان كل اللتقال ما حصلش! انه ضحك كالبكاء خاصة حين نتصور ان الانتظار الطويل للخلاص ضاع هباءً كما ان التضحيات كانت عالية ففي فترات العمل المسلح ضاعت ارواح لا ادري من هو المسئول عنها، ويبدو الآن وكأنه بالفعل عمل عبثي ولا أحد ينقد ذاته ولا أحد يريد ان يصلح شيئاً، وكأن كل ما تم خلال هذه السنوات العجاف ما حصلش.