بيان الاربعاء: يمر السودان بأزمة خطيرة ومعقدة، فهو اليوم مهدد فى وجوده كدولة ومجتمع متماسك، الصراع على السلطة وعجز القوى الاجتماعية فيه على الوصول الى صيغة مقبولة للحكم تحقق الاستقرار السياسى والمجتمعى وتزيد من عوامل الجذب نحو الداخل «الوحدة»،ادخل البلاد، فى دوامات العنف والحروب الاهليه والتدويل، السودان اليوم ساحة مفتوحة للقريب والبعيد اى دولة مهما صغر حجمها وقل وزنها تستطيع ان تدعى بأن لها مبادرة لحل إشكالية الحكم فى السودان مما أدى الى تدويل القضية وتصاعد أعداد الدول الداخله فى عملية تحقيق السلام فى السودان، ولكن اهل مكة أدرى بشعابها ومشاكل السودان لايمكن ان تحل الا بارادة وجهد سودانى اما الأشقاء والأصدقاء فلهم دور المنشط والضامن لتنفيذ الاتفاق، السودان بلد متعدد اثنيا ومتنوع دينيا وثقافيا وهو اكبر أقطار أفريقيا مساحة واكثرها تمثيلا للقارة بكل مكوناتها لذلك وصف بأنه افريقيا مصغره وهو القطر الوحيد الجامع لشمال وجنوب الصحراء للعرب وغير العرب، بلد بهذا الحجم والتنوع لايمكن ان يحكم بغير نظام ديمقراطى خاصة مع النمو المتسارع للأفكار، الطريقة التى تدار بها مؤسسات الدولة الحديثة تميل نحو دعم الاتجاهات اللامركزية وديمقراطية التوازن الاجتماعى. عوائق تطبيق الديمقراطية مرت على السودان منذ الاستقلال ثلاثة نظم ديمقراطية وثلاثة شمولية جاءت نتيجة انقلابات عسكرية اسما ولكن للمدنيين دورا فى تعثر مسيرة الديمقراطية وفى ادخال العسكر كرقم فى المعادلة السياسية. اما الحصاد فهو مزيد من المعاناة والفقر وفقدان القدرة على التحكم فى الشراع ربما وبنظرة عابرة يمكن اجمال العوائق فى الاتى: اهتمام النخبة السياسية ببناء الدولة «المؤسسات الموروث منها والمكتسب» واهمال بناء الامة. غلبة المجال السياسى وتضخمه على حساب المجالين الاجتماعى والثقافى. ـ وصاية الدولة على المجتمع اضفى عليها مظهر القوة فهى التى تحدد الحقوق والواجبات للمواطنين ضعف المجتمع المدنى وتخلفه. ضعف الاحزاب السياسية تعد الاحزاب من اهم العناصر التى يمكن ان يترتب عليها نجاح الديمقراطية او فشلها لذلك يجب قبل ان نوجه الاتهامات قراءة الواقع قراءة صحيحة ومعرفة الفروق الجوهرية بين الاحزاب فى البلاد المتقدمة والاحزاب فى بلادنا الفقيرة ـ الاحزاب فى الغرب فى «اوروبا وامريكا» تعكس واقعا سياسيا واجتماعيا معينا فهى تمثل أيديولوجية محددة تجسد بدورها مصالح طبقة، اما الاحزاب فى دول العالم الثالث ومنها السودان فهى تمثل الواقع الاجتماعى المعقد بكل تناقضاته واختلافاته حيث تقوى النزعة الاثنية والطائفية والدينية. ارتباط تكوين الاحزاب بظرف تاريخى ساهم فى بلورة اهدافها وفى تجميع الناس حولها «معارك التحرير ضد الاستعمار» واعطى الغلبة للشعارات والتعبئة وتحريك الجماهير، فالمعركة معركة تحرير لا تعمير والسياسة هنا بالقول لا بالفعل فى لحظة الحماس والاندفاع العاطفى والناس فرحة بمولد جديد لم ينتبهوا للمشاكل والمخاطر التى بدأت تتراكم مع الزمن. الديمقراطية والاحزاب بمفهومها المعاصر جديدة على مجتمعات لم تكتمل فيها الوحدة الوطنية التقاطع بين البنى التقليدية والدولة الحديثة أدى الى تعدد دوائر الولاء والانتماء والى ظهور اشكالية هى ان الولاء موزع بين الابنية التقليدية والدولة الحديثة، غلبة الولاء للانتماءات الاولية جعل المجتمع فى السودان وفى البلاد المشابهة له اقرب الى التفكك منه الى التماسك، لذلك ارتبطت وظيفة الحزب السياسى فى هذه الدول بقضية التكامل القومى والحزب كمؤسسة الانتماء اليها اختياريا يمكن ان تساهم فى بناء منظومة من القيم السياسية المشتركة التى يلتف حولها افراد المجتمع لتتحقق عبرها درجة ما من التكامل القومى. الانقلابات العسكرية فى السودان اضافت بعدا جديدا للازمة التى تعمقت. احزابنا تعانى من امراض كثيرة ابرزها غياب الديمقراطية داخلها غياب البرنامج، الجمود الفكرى، والتكلس فى بنياتها التنظيمية، ضعف العمل وسط الجماهير. البعد عن الجماهير والاكتفاء بعمل فوقى تقوم به مجموعه صغيرة من القيادات، جمد حركة المجتمع وحيويته وافقد هذه التنظيمات القدرة على تحريك الشارع وحولها الى مجرد ادوات ضغط بدلا من ان تكون ادوات تأثير ومستودع للمبادرات والخيارات. ضعف الحركة السياسية فتح الابواب امام اصحاب التطلعات غير المشروعة لادخال العسكر فى المعادلة السياسية ولاستمرار النظم الشمولية لفترات اطول من النظم الديمقراطية ربما لعب المثقف السودانى دورا سالبا فى هذا المجال لعزله او عزلته المثقف فى بلادنا ناقد ومحلل ولكنه يقف عند الصمت او النقد فى دوائر ضيقة ليس لها اى بعد حركى. الاتهامات الموجهه للاحزاب: الاحزاب السودانية متهمة بأنها ترفع شعار الديمقراطية وتستخدمه كوسيلة للوصول الى السلطة، عندما يتحقق الهدف تطبق هذه الاحزاب مفهومها الخاص مما يشكك فى مصداقيتها. بعض الاحزاب لها ايديولوجية نافية للديمقراطية. غياب الديمقراطية داخلها. الانقسام والتصدع فى بنيتها التنظيمية. المجتمع السودانى يمر بمرحلة انتقال والاحزاب السودانية بحكم تكوينها والمتغيرات الكثيرة من حولها وفى داخلها عرضة للصراعات والانقسامات وان اختلفت الدوافع، وهى كأى كائن اجتماعى حى اما ان تطور نفسها «هياكلها وبرامجها» والا كتبت لها شهادة الوفاة على الاقل سياسيا وان بقيت كأطلال ترمز للماضى اكثر من تمثيلها للحاضر. الاحزاب فى ظل الشمولية الانقلابات العسكرية تبدأ مسيرتها بطاقم عسكرى يتولى ادارة البلاد بعد فترة يبدأ حديث عن تنظيم سياسى جامع لكل المواطنين وعن التحول من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية ولكن فى النهاية تظل البلاد محكومة بالاجهزة الامنية اما المؤسسات الاخرى فهى واجهة ولكنها لا تملك سلطة. فى هذه النظم حزب كبير ومسيطر هو الحزب الحاكم كما هو الحال فى السودان اليوم «المؤتمر الوطنى» وهو ادارة من ادارات الدولة مندمج فى مؤسساتها ومعتمد عليها فى تنفيذ قراراته وفى مده بالمال والرجال وللحزب الحاكم احزاب صغيرة تدور حوله وتتوالى بعده ولكنها فى النهاية مجرد اسماء فهى مصطنعة وضعيفة فى تكوينها وليس لها اى سند جماهيرى. فى ظل هذا النظام هناك تعددية ولكنها تعددية مقيدة ومحكومة من اعلى وحديث عن تأجيل الديمقراطية بحجج غير منطقية منها على سبيل المثال: اتهام الشعب كله بانه ليس ناضجاً سياسيا والسؤال هنا كيف يتم النضج السياسى فى ظل اقصاء المجتمع بكاملة من الشأن السياسى وفرض وصاية جماعه على المجتمع ؟ خطر التعددية على الوحدة الوطنية لقد اثبتت التجارب ان الوحدة الوطنية التى ضحى بالحرية من اجلها لم تصمد امام المتغيرات الاجتماعية والاحزاب الحاكمة فى ظل الانظمة الشمولية ليست محصنة ضد الانقسامات وما حدث للمؤتمر الوطنى خير دليل. ـ التعدد الثقافى مدخل للتمزق: يتوهم النظام ان تقوية ودعم الخصوصيات الثقافية يؤدى الى تفكك المجتمع بدلا من وحدته ويسعى لفرض ثقافة الاغلبية بآليات الدولة بدعوى الانصهار الثقافى الذى يتحول الى قهر ثقافى يتم باسم الوحدة الوطنية، هيمنة ثقافة المركز واهمال الثقافات الطرفية ادى الى ردود فعل حادة واخيرا تبلورت فى تيارات سياسية رافضة حملت البندقية بهدف تحقيق تطلعاتها. المجتمع المدنى: فى الدول المتقدمة نشأ المجتمع المدنى بموافقة الدولة وموازيا لها، فى هذه الدول اجماع واسع اعتمد على المجتمع المدنى. المجتمع قوى ومتماسك والدولة مجرد واجهه خلفها نسق قوى من المؤسسات والمنظمات المجتمعية. دول كثيرة فى الغرب اهتزت حكومتها كما هو الحال فى ايطاليا ولم تؤثر هذا فى المجتمع اما فى العالم الثالث، فالوضع مختلف المجتمع المدنى نشأ ضد الدولة، ففى السودان كان للنقابات دور رائد فى نشر الوعى ومقاومة المستعمر هنا يكمن الفرق، الدولة فى العالم الثالث اقوى من المجتمع والمجتمع المدنى ضعيف ومحاصر خاصة فى ظل النظم الشمولية. كلما كان المجتمع المدنى اقل تطورا يكون الاكراه السياسى والارغام اكثر اهمية من الاجماع. وصف غرامشى الدولة فى الاتحاد السوفييتي بانها كل شيء اما المجتمع فكان عتيقا وهلاميا والنتيجة كانت عندما انهارت الدولة انهار المجتمع. الاستقطاب الدولي والاقليمي السودان دولة محورية لها موقع وسطى فى افريقيا وبين جناحى العالم العربى «المشرق والمغرب العربى» لذلك لم يكن غريبا تأثره سلبا وايجابا بالتحولات التى تحدث فى محيطة الحيوى فى افريقيا والعالم العربى وفى بقية انحاء العالم ففى فترة الحرب الباردة تأثرت كل دول العالم بما تم من استقطاب غير مجرى الحياة فى دول كثيرة يكفى ان ارتفع عدد الانقلابات العسكرية فى امريكا اللاتينية الى اكثر من الف انقلاب عسكرى. لقد تضرر السودان كثيرا من الاستقطاب العربى الافريقى الذى زادت حدته فى السنين الاخيرة ومن اعطاء الحرب الاهلية فى السودان بعدا دينيا مما غير نظرة الاشقاء والاصدقاء للسودان الذى كان فى الماضى قبلة لكل دول الجوار من الشرق والغرب، السودان اليوم طارد حتى لابنائه السودان عند على مزروعى يمثل هامشا افريقيا وعند العرب دولة طرفية من التخوم. وفى بداية حكم النظام الحالى اتهم الدكتور الترابى بأنه يريد ان يبنى نموذجا لدولة الاطراف الاسلامية «بناء دولة الاسلام من الاطراف بالقوة» اما التنويريون الجدد فى افريقيا فقد وصفوا الصراع فى السودان بأنه صراع الاطراف فى دولة طرفية «ازمة الهوية» ويقال ان الثقافات السودانية فى حالة صدام. اما التحولات على المستوى العالمى خاصة التى حدثت فى اواخر القرن الماضى وهى كبيرة ولها اثار على كل اطراف العالم، اهم معالم هذه التحولات هى: انهيار الاتحاد السوفييتي والنظام العالمى ثنائى القطبية وبروز نظام عالمى جديد احادى القطبية. تراجع مفهوم الدولة من المطلق الى النسبى بالدخول فى مرحلة ما بعد الدولة القومية، سيادة الدولة فى هذه المرحلة غير مقدسة وغير متاح لها ان تتصرف كما تريد فى مواطنيها بعد ان اصبح لحقوق الانسان بعدا عالميا وتطبيق الديمقراطية لم يعد هما وطنيا فحسب بل هما عالميا واصبح التدخل فى الشأن الداخلى للدول امرا طبيعيا تحت مسميات مختلفة الشرعية الدولية، الحلف الاقليمى تحالف الراغبين كما حدث فى تيمور الشرقية