بيان الاربعاء:تدل مؤشرات عديدة فى الفترة الأخيرة أن بريطانيا أقلعت عن سياستها المجافية للسودان، وأنها ليست فقط بصدد تطبيع علاقتها به بل ترغب فى لعب دور فاعل، بتنسيق ـ طبعا ـ مع صديقتها العظمى، فى احلال السلام بالسودان. فقد صوتت المملكة المتحدة فى مجلس الأمن الى جانب رفع العقوبات عن السودان، وأيدت داخل الاتحاد الأوروبي الغاء تجميد مستحقات السودان فى اتفاقية لومى التى تبلغ مئات الملايين من الدولارات، واستضافت جيم باكى رئيس شركة تليسمان فى أهم منتديات الحديث عن العلاقات الدولية بالعاصمة البريطانية، وشتم هاوس، ليقدم مرافعة قيمة عن ضرورة استثمارات الشركة فى النفط السودانى. وأبدت الشركات البريطانية رغبتها فى دخول مجال التنقيب عن النفط فى السودان وساعدها فى ذلك تصريح الحكومة البريطانية (مارس 2001) أن النفط السودانى لم يساهم فى تصعيد الحرب. وتوجت تلك المؤشرات باستجابة وزيرة التنمية الدولية، كلير شورت الايرلندية ذات التاريخ الماركسى، لدعوة الدكتور مصطفى عثمان فى زيارة مطولة الى السودان امتدت لأسبوع كامل. ونتيجة لتلك الزيارة قام الدكتور عبد الحليم المتعافى والى الخرطوم بزيارة الى لندن للتباحث مع وزارة التنمية الدولية لتمويل مشاريع تنموية فى مناطق النازحين بالولاية. لم تكن الحكومة البريطانية من قبل تقدم مساعداتها الاغاثية أو التنموية للسودان الا عبر وسيط مثل الأمم المتحدة أو المنظمات الطوعية، فهى لأول مرة تتعامل مع مسئول سودانى بل وتدعوه الى زيارة بريطانيا. وفى ذات الوقت هناك وفد قضائى سودانى عالى المستوى جاء بدعوة من القضائية البريطانية من أجل تبادل الخبرات وكيفية التعاون بين الجهازين. وانعقد فى بريطانيا فى الأسبوع الأخير من يناير الماضى اجتماعان لهما صلة باحلال السلام فى السودان. جاء الاجتماع الأول بدعوة مباشرة من الحكومة البريطانية لمجموعة صغيرة من العسكريين يمثلون الحكومة السودانية وحركة التمرد مع بعض كبار الضباط المتقاعدين من الجيش السودانى على رأسهم الفريق (م) عبد الماجد حامد خليل. ناقشت هذه المجموعة ترتيبات وقف اطلاق النار فى السودان وكيفية مراقبته فى حالة التوصل الى اتفاق سياسى بين الجانبين. ترأس الاجتماع أكاديمى من جامعة أكسفورد ذو علاقة قوية بوزارة الخارجية البريطانية، وانتهى الاجتماع الى اتفاق بين أعضاء المجموعة على هذه الترتيبات على أن ترفع الى كل من الحكومة وقيادة الحركة. وكان الاجتماع الثانى مواصلة الى اجتماعين سابقين عقدا فى جنوب افريقيا ثم فى بريطانيا. تولت الدعوة لهذه الاجتماعات منظمة بريطانية وأخرى جنوب افريقية هما: علاقات الصداقة العالمية (ف. أر. أى)، ومعهد النهضة الافريقى (آ. أر.أى)، مركز الأولى فى كمبردج والثانية فى نيروبى. اختارت المنظمتان المشاركين لهذه الاجتماعات من أعضاء ينتمون للحكومة ولحركة التمرد ولأحزاب المعارضة: الأمة والاتحادي والحزب الشيوعى ولممثلين لحركة البجة واتحاد غرب السودان، وبعض الشخصيات المستقلة مثل البروفيسور يوسف فضل حسن والطبيب الاخصائى ريتشارد حسن. تمت الدعوة لهذه الاجتماعات تحت عنوان: بناء السلام فى السودان. ناقش اجتماع بريطانيا الأخير قضايا: الفيدرالية وتقرير المصير، البترول والغاز فى السودان، الدين والدولة ومشكلة الهوية فى السودان. يطلب منظمو الاجتماعات ورقة بحثية مكتوبة حول الموضوع المطروح للنقاش من شخص يعتبر خبيرا فيه، وبعد أن يقدم الخبير موضوعه يطرح للنقاش العام بين المشاركين، وهى طريقة علمية منهجية تساهم كثيرا فى تركيز النقاش وتحديد نقاط الخلاف. ولا أدرى لماذا لا تفعل الحكومة شيئا مثل هذا عندما تذهب للتفاوض فى أهم مشكلة يعانى منها السودان منذ استقلاله. يبدو لى أن مهمة هذه الاجتماعات هى بلورة توصيات ثم تقديمها الى كل من الحكومة البريطانية والأمريكية حول الحلول الممكنة لتلك القضايا حتى تستفيدا منها فى مساعيهما لاحلال السلام فى السودان. كل هذه المؤشرات تدل على اهتمام بريطانى بالتعامل مع السودان والمشاركة فى صنع السلام فيه، وأحسب أن من مصلحة الحكومة أن تشجع هذا الاهتمام وتفتح له مجالا أوسع للحركة والمشاركة، وأن ترحب بالاستثمار البريطانى فى مجال النفط. ولا ينبغى فى هذه الحالة أن يكون الاعتبار التجارى هو الأول والأخير فى تقدير عروض المتنافسين! فبريطانيا أدرى بالسودان من أمريكا، ولا تخضع سياستها الخارجية الى جماعات ضغط محلية قوية تناصر حركة التمرد كما هو الحال فى أمريكا، وهى فى ذات الوقت أقوى حليف لأمريكا فى الوقت الحاضر مما يعنى تقدير أمريكا لوجهة النظر البريطانية بل وقبول مشاركتها فى صنع السلام بالسودان. ولا شك أنها ستكون أكثر رفقا فى التعامل مع أهل السودان والحكومة خاصة من البلدوزر الأمريكى. لقد أظهرت الحكومة البريطانية مؤخرا اهتماما بالنزاعات الدائرة فى افريقيا مثل سيراليون ورواندا والكونغو كما أن رئيس الوزراء تونى بلير بدأ يعنى بدور بريطانيا الخارجى بصورة شخصية تفوق دور وزارة الخارجية. تحتاج حكومة السودان لتحليل متأن ولسياسة متكاملة فى كيفية التعاون مع الحكومة البريطانية واشراكها فى صنع السلام بالسودان. ولا يقلل هذا بحال من تدبير حال البيت فى الداخل بلم شمل كل القوى الوطنية حول استراتيجية واضحة لتحقيق السلام وتدعيم النظام الديمقراطي.