يبدو ان الحديث عن ضرورة وجود وبقاء المعاهد العلمية الدينية في البيت أصبح اليوم حديثاً غير مستساغ بل يمكن القول انه يعيش اخر مراحل حضوره وفي طريقه الى ان يولي دون رجعة اذا ما استثنينا، بعض قيادة التجمع الديني للاصلاح التي تعتبر ان الغاء هذا التعليم يمس الهوية الدينية للمجتمع الديني ويرجع تضاؤل الاصرار على بقاء هذا النوع من التعليم إلى انتفاء الاسباب والدوافع التي كانت تقف وراء استحداثه في مطلع السبعينيات. ما يعزز الاعتقاد بتراجع الحديث عن ضرورة وجود هذه المعاهد واهميتها بروز جملة من التحولات والمتغيرات التي انعكست على الدور الوظيفي لهذه المؤسسات التعليمية لدى السلطات اليمنية وفي الاوساط اليمنية المختلفة حتى داخل الحركة السياسية الاسلامية وفي هذا الاطار كتب احد الاطر المحسوبة على التجمع اليمني للاصلاح وهو الصحفي المعروف نصر طه مصطفى مؤكداً ان الظروف التي حتمت ظهور هذه المعاهد لم تعد قائمة وبالتالي لم يعد هناك من مبرر لاستمرارها بعد ان تجاوزت اليمن التحديات التي كانت تحيط به هذه القناعة التي يؤكدها نصر طه مصطفى يشاطره فيها الكثيرون سواء اولئك المصنفون كخصوم تقليديين للاتجاه الديني أو المعتدلين من القريبين من هذا الاتجاه ولولا هذه القناعات التي اخذت تتكرس بانتفاء الحاجة لهذا النوع من التعليم الذي تزايد انتشاره وتوسع على نحو كبير منذ انطلاقته الأولى مطلع السبعينيات وحتى اليوم بشكل كاد يقارب في عدد معاهده والمنخرطين فيه من قرابة نصف عدد المدارس الحكومية لولا تلك القناعات لما اقدمت الحكومة على خطوتها الجريئة بالشروع في تطبيق قانون توحيد التعليم الذي صدر العام 1992م وظل يراوح مكانه منذ ذلك الحين لأسباب وحسابات سياسية اجلت تطبيقه مراراً بفعل الظروف التي عاشتها اليمن منذ مطلع التسعينيات والتي تميزت بتوتر دائم في قمة هرم السلطة بين شريكي الوحدة الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام وقيادتهما. ظاهرة انتشار المعاهد العلمية الدينية التي تميزت بها اليمن لم تكن في منأى عن اثارة الجدل دوماً حولها بين مؤيد ومعارض لها منذ انطلاقتها الاولى وحتى وصولها إلى عتبة الاشباع ودنوها من فصولها الاخيرة بعد تأكد السير في طريق تطبيق قانون توحيد التعليم القاضي بالغاء هذه المعاهد ودمجها بالتعليم العام. بروز وبداية افول المعاهد العلمية في اليمن تحكي وتلخص مجمل التفاعلات والتطورات التي عرفتها اليمن خلال الثلاثين السنة الماضية وهي تفاعلات وتطورات يتداخل فيها ما هو محلي بما هو اقليمي ودولي على نحو يعيد للاذهان وضعية الكثير من بلدان العالم الثالث التي تتداخل فيها هذه المعطيات على ايقاع تراجيدي يعلي من قيمة بعض الاشياء ويقضي بضرورة زوالها في آن واحد كما هو الحال في هذه الظاهرة اليمنية حيث لا يمكن فهمها وادراك دنو نهايتها دون الاحاطة والوقوف على السياقات التي برزت من خلالها وقضت بزوالها في آن. الظهور الأول من المعروف ان أول ظهور للمعاهد العلمية يرجع إلى منتصف السبعينيات في جو مشبع بالحركات السياسية الراديكالية الماركسية والقومية والوطنية التي ارتبطت في وجودها وازدهارها بتنامي حركات التحرر ضد المستعمر من جهة وبهيمنة مناخ الحرب الباردة التي غذت هذه الاتجاهات الراديكالية المصنفة بميلها إلى «اليسار» وفي خضم المساجلات والطروحات السياسية التي انتعش فيها الفكر السياسي التحرري منذ مطلع الخمسينيات وراجت فيها الادبيات المؤطرة لهذا الفكر برزت شطحات تميل إلى مناهضة الدين واقصائه حتى دائرة الفعل السياسي كسبيل لبلوغ التقدم والازدهار الذي كانت هذه الحركات تدعي تمثيله أو تقدم نفسها كحاملة للوائه واقعين تحت تأثير التطيرات الايديولوجية والفلسفية التي شكلت سلفهم المرجعية في رؤيتهم لذواتهم وللعالم المأمول. هذا النزوع الاخلاقي الذي ملته هذه الاتجاهات على وجه الخصوص التيارات الماركسية وإلى حد ما بعض التوجهات القومية جعلهم يقعون تحت اسر نظرة احادية لم يسعفها الحظ في التمييز بين الدين كعقيدة سماوية وبين الممارسة الدينية التي تصدر عن الاشخاص وعن السلطة. وسبب لهم هذا الخلط البين بين الدين كعقيدة والدين كممارسة الانصراف عن فهم كنه التوظيف السياسي للدين ونتيجة لوقوعهم في هذا الاشكال راهن الكثير منهم على استبعاد الدين من الحياة الاجتماعية والسياسية واحياناً من الوجدان الشعبي المسلم وتجلى هذا التوجه في مظاهر عدة أبرزها التقليص الكمي والكيفي لحصص ودروس التربية الدينية وتكثيف مواد التربية الوطنية التي تعلي من قيمة ودور هذه الحركات والثورات التي قادتها حتى تحولت في بعض المناطق إلى دين جديد منها جنوب اليمن الذي جسدت نخبته السياسية الوفاء التام للمنطلقات الماركسية النظرية مراهنة على الأممية التي تصورها ماركس. مقابل ذلك كانت التيارات السياسية في اليمن الشمالي سابقاً تميل في طروحاتها إلى تمثيل هذه المنطلقات وان كان انصارها خارج السلطة. الا ان التيارات القومية والوطنية المشبعة هي الاخرى بثقافة الثورة والتحرر استطاعت ان تفرض رؤاها وتصوراتها على التعليم ومقرراته. ولان هذه التوجهات لم تكن بعيدة عن الرهانات السياسية والايديولوجية في نظرتها للتعليم الذي تعتبره مجالاً خصباً لانتشارها وتعميم افكارها وقناعتها على النشء فمن الطبيعي ان يغدو هذا المجال محط تنافس بين التيارات السياسية ومنها الحركة الاسلامية التي جاءت كردات فعل على تلك الشطحات والايديولوجية وطروحاتها وبالتالي انتعشت قوى سياسية جديدة مقابل قوى «اليسار» هي الحركة الاسلامية ـ أو ما بعبر عنه بالاسلام السياسي ـ واستفادت هذه الحركة من المناخ الاقليمي والوطني والدولي الذي وجد في هذه القوى الوسيلة الناجحة للحد من نفوذ وتنامي التيارات الراديكالية «اليسارية» وعملت على استثمار الحساسية الشعبية تجاه المسألة الدينية ووظفتها تجاه ما تروج له تلك التيارات الراديكالية «اليسارية». مواجهة الايديولوجيات الواردة في هذا المناخ الشعبي الرافض لكل التوجهات والمظاهر التي تشكل اعتداء على القيم الدينية أو حتى المساس بها ومع وجود رغبة اقليمية ودولية في تحجيم دور الاتجاهات الراديكالية من قومية وماركسية ووطنية توافرت الشروط والعوامل التي انتجت الظاهرة السياسية الاسلامية ولم تكن اليمن بعيدة عن هذه الاجواء بل كانت في صلب هذه التفاعلات خاصة مع وجود جزء من البلاد وهو اليمن الجنوبي الذي أعلن صراحة تبنيه للايديولوجية الماركسية والسير في طريق تكريس هذا الخيار وتصديره إلى دول المنطقة خاصة إلى اليمن الشمالي الذي عانى من بروز مقاومة مسلحة تنطلق من الجنوب وتعتنق تلك الايديولوجية وهذه الوضعية دفعت بالحركة الاسلامية إلى الواجهة التي حملت على عاتقها مواجهة تلك الافكار والتصدي لها مستفيدة من حاجة السلطة لها في مقاومة ذلك المد إلى جانب رغبة هذه الحركة في تصفية حساباتها مع خصومها التقليديين توافرت الشروط المنتجة لهذه الظاهرة بابعادها الذاتية والوطنية والاقليمية والدولية التي ساعدت على البروز القوي للحركة الإسلامية في اليمن. ويمكن للمتابع ان يرصد ثلاث مراحل مختلفة لصعود وتراجع التيار الديني الذي ارتبطت به ومعه نشوء وتراجع المعاهد العلمية في اليمن. المرحلة الاولى: وتبدأ من مطلع السبعينيات وحتى اعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990م وهذه المرحلة تميزت بتزايد حاجة السلطات في الشمال إلى تواجد هذا التيار بغية تحجيم الخصوم التقليديين وتقليص نفوذهم السياسي والفكري والثقافي وهذه الحاجة فتحت المجال للتيار الديني ان يكون شريكاً فاعلاً في المقاومة المسلحة التي عرفتها المناطق الحدودية مع الجنوب وبقدر ما كان يحرزه هذا التيار من تقدم على جبهات القتال كان يوسع من نفوذه وتغلغله في قطاع التعليم الذي يشكل أهم مجالات رهاناته السياسية مع تواجد في بعض المؤسسات والقطاعات الاخرى ولكن كان تواجداً محدوداً. وشهدت هذه الفترة انتشار وتزايد المعاهد العلمية التي يسجل لها انها استطاعت ان تقوم بدور ريادي في جذب قطاع عريض للتعليم خاصة في الاوساط الفقيرة والهامشية ومن اوساط الفتيات وانتشرت هذه المعاهد في المناطق النائية تحديداً لاسيما في الاوساط القبلية التي تعرف بهيمنة القيم التقليدية الممانعة لتعلم المرأة خاصة وللتعليم بشكل عام الا ان هذا النوع من التعليم الذي قدمته هذه المؤسسات التعليمية وتركيزها على الاطر المحلية شجع هذه الاوساط على الاقبال على التعليم وبقدر امتداد وتوسع هذا التعليم كانت تنتشر الافكار السياسية لهذا التيار الذي استطاع التغلغل في الاوساط القروية والريفية وكذلك في المدن بدرجة كبيرة لكن ذلك لم يؤد إلى مواجهة مع السلطات بسبب الظرفية السياسية التي استوجبت الحاجة لهذا التيار معتمدة أسلوباً مرناً في تحجيمه وتحديد نطاق نشاطه الذي ظل محصوراً في المجال التربوي والتعليمي وساعد على ضبط ايقاع حركته ونفوذه تحريم الحزبية في تلك الفترة وفقاً للدستور اليمني الذي كان يحظر مثل هذا النشاط وقلل من فرص طرح المطالب السياسية أو المجاهرة بها وبالتالي اقتصر النشاط السياسي على التعبئة العقائدية والسياسية لاتباع هذا الاتجاه. وعلى الرغم من هذا التعايش الظاهر الا ان العلاقة بين السلطات وهذا التيار لم تكن تخلو من التوترات العميقة لاسيما في اطار المؤتمر الشعبي العام الذي ظل الاطار التنظيمي الذي يجمع مختلف القوى السياسية خاصة منها قوى الحركة الاسلامية وهذه الصراعات غالباً ما كانت حول المعاهد العلمية أو بعض المدارس. وكانت أولى المؤشرات التي كشفت هذا الصراع الخفي على هذه المؤسسات بين السلطات والتيار الديني مطالبة المؤتمر الثاني للمؤتمر الشعبي العام في سنة 1984م بضرورة توحيد التعليم والغاء المعاهد العلمية الا ان هذه المطالب لم يستجب لها من قبل القيادات السياسية العليا في البلاد بسبب ان وجهة النظر هذه اعتبرت آنذاك وجهة نظر التيارات الراديكالية المنضوية في اطار المؤتمر الشعبي العام بل تنافس اعداد المعاهد العلمية خلال هذه الفترة بشكل كبير على خلفية هذا الصراع الذي استطاع الاسلاميون توظيفه لصالحهم وانتقلت اعداد المعاهد العلمية الدينية من 50 معهداً إلى ما يقارب من 700 معهد. المرحلة الثانية تمتد هذه المرحلة من اعلان قيام الوحدة عام 1990م وحتى العام 1994م وهي المرحلة التي عرفت تطورات سياسية عززت من جديد من خطوط بقاء هذا التيار والحاجة اليه في سياق هذه التفاعلات التي عرفت بالازمات السياسية بين المؤتمر والاشتراكي رغم تخلي هذا الاخير عن الطروحات الايديولوجية الماركسية وقبوله بالتعددية الحزبية والديمقراطية الا ان لعبة التوازنات السياسية التي تحكم مسار الفعل السياسي في اليمن كانت تصب في اتجاه الابقاء على هذا التيار الديني وعزز من حضوره ان الحزب الاشتراكي اليمني رغم تخليه عن طروحاته السياسية والايديولوجية السابقة الا انه لم يستطع التخلي عن ترسبات العداء التقليدي بينه وبين التيار الديني ماجعل من قضية توحيد التعليم القضية التي اججت هذه الترسبات المكبوتة وكشفتها في تصدر الحزب الاشتراكي وحيداً لهذه القضية قضية توحيد التعليم وقاد في سبيل ذلك حملة محمومة من اجل اقرار قانون توحيد التعليم عام 1992م الذي وافق عليه البرلمان وعارضه اعضاء التجمع اليمني للاصلاح. وبقدر ما كانت هذه المواجهة بين الاشتراكي والاصلاح تشتد، كان المؤتمر الشعبي هو المستفيد منها حيث وفرت له مجالاً خصباً للمناورة في صراعاته الامر الذي يفسر بجلاء واضح بقاء قانون التعليم يراوح مكانه منذ صدوره رغم المعارك و السجالات الكلامية التي ميزت هذه الفترة حول قانون توحيد التعليم واتسعت الهوة بين التجمع اليمني والحزب الاشتراكي وهي الهوة التي استطاع المؤتمر الشعبي ان يوظفها في اللعبة السياسية لفائدته. الأمر الذي وفر مسوغات لبقاء هذا التيار الديني قوياً في وجه خصمه التقليدي الحزب الاشتراكي واستفاد في هذا المناخ تزايد اعداد المعاهد العلمية بوتيرة اكبر خاصة في ظل الخلافات المتفاقمة بين المؤتمر والاشتراكي التي استطاع التجمع اليمني استثمارها لصالحه. الحرب والانفصال ومع انفجار حرب صيف 1992 واعلان الانفصال، اسهم حزب الاصلاح الذي بدا لاعبا فاعلا خلال هذه الحرب التي انتهت بمؤامرة الانفصال وكأي حرب لابد ان يبحث المنتصر عن استحقاقاته فما عادت الحرب تضع اوزارها حتى كان التجمع اليمني للاصلاح اكثر استعداداً لجني المزيد من الثمار وبدأت اولى هذه الثمار بدخوله كحليف قوي في الحكومة الجديدة التي شكلت اعقاب الحرب وكانت هذه الفترة هي فترة التوسع والامتداد لحزب التجمع اليمني للاصلاح وبالتالي اتساع وتزايد المعاهد العلمية حتى ما ان وصل العام 1996م حتى كانت اعداد المعاهد العلمية قد قفزت إلى 1200 معهد ولان هذه الفترة كانت هي فترة جني الاستحقاقات للتحالف في الحرب فقد امتدت شراهة التجمع اليمني إلى المدارس التي رأت ضرورة تحويلها إلى معاهد وبرز خلال هذه المحاولات مواجهات وصراعات بين انصار المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني تركزت حول السيطرة على قطاع التعليم الذي كان على رأس وزارته وزير ينتمي للتجمع اليمني للاصلاح ما ساعد على الحضور المتزايد للتيار الديني في قطاع التربية والتعليم ليس على مستوى توسع المعاهد العلمية بل وعلى تزايد تواجده في المدارس والهيئات الادارية التربوية والتعليم على مستوى المحافظات والمحليات وهو ما نجم عنه قلق كبير وسط القيادات الدنيا للمؤتمر الشعبي. ولان الحسابات دوماً ما تكون حسابات بعيدة المدى فقد اقتضت التكتيكات الطرفية اتباع سياسة النفس الطويل على اعتبار ان اثار الحرب مازالت حاضرة والتحديات التي تطرحها كبيرة لا يمكن فتح جبهة جديدة للصراع في وقت يتطلب موقفاً وطنياً موحداً لمواجهة تلك الافرازات والتداعيات التي عادت ما تخلفها الحروب لاسيما ان تلك الحرب التي عرفتها اليمن كانت تتداخل فيها المعطيات الوطنية والاقليمية والدولية بشكل واضح وهو ما ترك مساحة واسعة للتجمع اليمني للاصلاح استطاع من خلالها كسب مواقع جديدة في قطاع التعليم الا ان ذلك لم يدم طويلاً اذ ما ان أتى العام 1997م الا وبوادر هذه التوترات تظهر للعلن. المرحلة الثالثة: وتبدأ منذ العام 1997م وتحديداً من الانتخابات النيابية في 27 ابريل من العام ذاته ومازالت فصولها تتوالى حتى اليوم وتميزت هذه الفترة بمنافسة شديدة خلال هذه الانتخابات التي على اثرها حصل المؤتمر الشعبي العام على الاغلبية المريحة وخرج الاصلاح من الحكومة وعلى الرغم من ان هذه المرحلة هيمن عليها التأكيد الدائم على التحالف الاستراتيجي بين الحزبين الذي جاء على خلفية التحالف من اجل انجاح المسار الديمقراطي تجاه مقاطعة الحزب الاشتراكي لهذه الانتخابات. غير ان هذا التحالف ظل محكوماً بهذا الدافع الذي لا يمكن فصله عن تداعيات الحرب وبقاء بعض تحدياتها قائمة ما جعله تحالفاً هشاً في مضمونه لا يخرج عن اعلان النوايا السياسية ولان المؤتمر الشعبي أصبح في وضعية مواتية لتقليص حجم حليفه بفعل امتلاكه للاغلبية المطلقة داخل السلطة التشريعية فقد بادر في هذا الاطار إلى استعادة زمام المبادرة في قطاع التعليم وشيئاً فشيئاً استطاع ان يعزز مواقعه في المدارس والادارات التربوية والتعليمية على حساب توحد ونفوذ حليفه ورغم هذه الضربات الموجهة لتقليص حجم الاصلاح في قطاع التربية الا ان ذلك لم يمنعه في مساندة ترشح الرئيس اليمني في الانتخابات الرئاسية واعلانه بأن الرئيس علي عبدالله صالح هو مرشحه لهذه الانتخابات في سبتمبر عام 1999. الا ان المرحلة التي اعقبت الانتخابات هذه عرفت تزايداً كبيراً لخلافات الحزبين خاصة حول قطاع التعليم الذي اخذ نفوذ الاصلاح يتراجع فيه بشكل واضح بعد ان كان يراهن عليه في التجذر والتوسع ويمكن ان يخلص المتابع لرصد تفاعلات هذه الفترة الى ان الصراع انحصر بين الحليفين الذي يسعى كل واحد منهما إلى تعزيز مواقعه في قطاع التربية والتعليم لان ذلك يعني تعزيز الحظوظ والمواقع في الانتخابات ولان الخاسر في هذه الجولة كان هو الاصلاح فقد عمد الى الانكفاء وتدعيم حضوره وتواجده في المعاهد العلمية على اساس المحافظة على الممكن مما هو متاح بعد ان بدأ المؤتمر هو الاخر يراهن على السيطرة على قطاع التعليم عبر تقليص نفوذ الاصلاح في الجهاز الاداري والتنظيمي لوزارة التربية والتعليم على المستوى المركزي والمحلي. وفي سياق هذه التفاعلات عبر الامين العام للتجمع اليمني للاصلاح محمد البدومي لوسائل الاعلام بقوله ان هناك ابعاداً للكثير من اطر حزبه من الجهاز الوظيفي وان هذا هو الثمن الذي يدفعه الاصلاح لقاء تحالفه الاستراتيجي مع المؤتمر كان ذلك في خضم الاستعداد للانتخابات المحلية والتعديلات الدستورية التي جرت في العشرين من فبراير من العام 2001م والتي بدأ خلالها الخلاف إلى العلن وتأكد مدى عمقه واتساع هوته بالأسلوب التكتيكي الذي اتبعه الاصلاح عندما اعلن مباركته للتعديلات الدستورية في الوقت الذي صوتت فيه نسبة كبيرة من أعضاء الحزب ضد تلك التعديلات وصاحب هذه الانتخابات والتعديلات الدستورية مواجهة مسلحة بين انصار الطرفين افضت جميعها إلى اعلان الطلاق البائن بين الحليفين التقليديين لتكون هذه المرحلة فاصلة في مسار العلاقات التي جمعتهما خلال الفترات السابقة التي حكمتها معطيات كل مرحلة من المراحل. ومع تشكيل حكومة باجمال في ابريل من العام 2001م عقب الانتخابات المحلية والتعديلات الدستورية أعلنت هذه الحكومة الشروع بتطبيق قانون التعليم مسطرة بذلك مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد على انه من الواضح ان الاتجاه يصب في اتجاه توحيد التعليم الذي ظلت تحكمه الاعتبارات السياسية منذ وجود وبروز المعاهد العلمية وحتى إعلان ادماجها بالتعليم العام والبحث عن صيغة لضمان التكوين الديني في التعليم لكنه تكوين سيستحضر بدون شك العامل السياسي بما يحول دون تمكن التيار الديني من استثمارها لصالحه كما تشير الدلائل والخطوات المتبعة حتى الآن. وباستحضار هذه السياقات التاريخية التي تحكمت ببروز المعاهد العلمية على اختلاف محطاتها وتحولاتها ومتغيراتها يمكن فهم الخلفيات التي افضت إلى السير في طريق توحيد التعليم وانما ازدواجيته حيث يبدو جلياً ان الخلفيات والدوافع والأسباب التي انتجت هذا النوع من التعليم في اليمن اذ تراجع مد التيارات الراديكالية اليسارية من قومية وماركسية وانتفت حاجة السلطات إلى توظيف هذا التعليم في صراعاتها كما ان الحاجات الاقليمية والدولية التي كانت تغذي التيار الديني تراجعت هي الاخرى اذ تقلصت حظوظ هذا التيار اقليمياً ودولياً وتضاءلت أهمية توظيف البعد الديني في الصراعات الدولية والاقليمية خاصة بعد ان اصبح تواجد التيارات الدينية يشكل تحدياً لتلك البلدان التي وقفت خلفه بتشجيعه ومؤازرته. واذا ما أخذ في الاعتبار التطورات التي نجمت عن تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية وما اعقبها من تداعيات وتطورات لبدا من الواضح ان الظروف التي هيأت لازدهار ونمو هذا التعليم لم تعد مواتية اذ تغيرت المعطيات الوطنية والاقليمية والدولية ما يعزز من فرص المضي في تطبيق قانون توحيد التعليم في اليمن. ولعل ما ذهب اليه الرئيس اليمني في شهر رمضان الماضي عند لقائه برجال الدين يلخص مدى تداخل الابعاد الدولية والاقليمية والوطنية في هذه المسألة عندما قال: لولم نتخذ قرار توحيد التعليم لكانت اليمن معرضة لضربة أمريكية. وبالتالي تبدو جل المؤشرات والمعطيات التي حافظت على استمرار وبقاء هذه التجربة طوال الحقبة الماضية على غير ما كانت عليه في الماضي على ان الاسئلة اليوم ستنصب على المستقبل وآفاقه التي ستكون حتما معزولة عن خلفيات الماضي وأسبابه وشروطه