انكار شارون العزم على تصفية ياسر عرفات يعكس ضيق افق السفاح الإسرائيلي وليس رجاحة عقله. بعد شهرين من تضييق الخناق على مقر الرئيس الفلسطيني، بالدبابات يعترف شارون بالعجز إزاء التخلص من عرفات. لو ان البلدوزر الإسرائيلي كان قادراً على بلوغ غايته تلك لما راودته الخيبة الحالية. ضيق افق شارون يتجلى في ممارسة الكذب الصراح علينا واستغباء الجميع من خلال محاولة ابانة شيء جديد كان خفياً على العيان. شارون لم يتراجع عن محاولة تصفية عرفات. الحقد الذاتي الذي يكتنز به رئيس الوزراء الإسرائيلي إزاء الرئيس الفلسطيني لا يحتاج إلى عناء بغية استخلاصه. لا يزال شارون يعرب عن ندمه ازاء عدم تصفية عرفات في بيروت قبل عشرين عاماً. ضيق افق شارون تفضحه ممارساته الدموية وسعاره تجاه كل فلسطيني. ذلك شأن تؤكده أرقام الشهداء والجرحى والبيوت المدمرة والمتاريس المستحكمة وحواجز الأمن المقامة منذ مجيء شارون إلى السلطة. الارض الفلسطينية تحولت إلى ساحة حرب والمدن أصبحت ثكنات عسكرية. ضيق افق شارون شاهد على المأزق الذي انتهت اليه التسوية السلمية اذ لم يترك البلدوزر الإسرائيلي كوة أمل يمكن النفاذ عبرها من النفق المظلم الحالي. حالة التأزم داخل المناطق الإسرائيلية توضح بجلاء ضحالة افق شارون اذ لم ينعم شعبه بالأمن والسلام بل افتقد هامشاً من استقرار ايقاع الحياة اليومية فصارت حياته نهباً للخوف والقلق بعد تعدد التفجيرات الفلسطينية في محاولة لتوسيع مدارك شارون. غير ان الانكأ في حماقات شارون وضيق افقه يتمثل في تصوير الأزمة بمثابة مسألة شخصية بينه وبين عرفات. لاخلاف على ان ابا عمار رمز فلسطيني لكن تصفيته لا تعني مطلقاً موت القضية. ما لا يدركه شارون انه سيواجه حتماً جيشاً من الـ «عرفات» في حالة تصفية الرئيس. هذه حقيقة لا تستوعبها رأس شارون الصغيرة. كما ان خياله لا ينفتح على احتمال ان عرفات ربما يكون سعيداً فيما لو تمت تصفيته داخل مكتبه بدبابات شارون وتكون تلك خدمة شخصية وليس هزيمة ذاتية. قصر رؤية شارون جعلته يعتقد اننا قد نصدق كذبته بالتراجع عن تصفية عرفات. نحن كنا منذ البداية ابعد نظراً من شارون ففهمنا ان البلدوزر الإسرائيلي يستهدف اقصاء عرفات سياسياً وليس بالضرورة تصفيته جسدياً. واخذنا على محمل العقل والمنطق ذلك الاقصاء ليس حصراً في قامة عرفات وانما بما يمثله في المشروع الفلسطيني من دولة ذات سيادة عاصمتها القدس وحق الفلسطينيين في العودة واقتلاع المستوطنات. هنا مكمن ومحور غايات فوهات دبابات شارون. وهذا هو مسرح عجزه الحقيقي الذي يثير حوله برك الدم الفلسطيني وانقاض البيوت. اعتراف شارون بالتراجع عن اغتيال عرفات اكذوبة يتجمل بها محاولاً اخفاء مشروعه الحقيقي الذي يتمثل في تصفية القضية الفلسطينية. ضيق افق شارون وقلة عقله انه يتوهم انه قادر على بلوغ تلك الغاية التي استنزفت قواه العسكرية على نحو لم تكن واردة في حساباته أو خياله ولما ادرك عجزه اطلق اكذوبة اخرى ظن انها ستنطلي على الجميع وهي زعمه التراجع عن تصفية عرفات جسدياً. الحقيقة التي يؤكدها نهج شارون الدموي ان رئيس الوزراء الإسرائيلي يستهدف تصفية عرفات جسدياً وسياسياً على طريق تصفية القضية الفلسطينية وشعبها لكنه لا يستطيع ادراك شيء من ذلك بكل ماكينته العسكرية المخيفة. عمر العمر