غبار حرب افغانستان طال بصيرة الإدارة الأمريكية ـ جورج بوش أصبح أول من ضرب طابور الدعم العالمي الذي اصطف خلفه ضد الإرهاب. خطاب الرئيس الأمريكي الأسبوع الفائت جاء مستغرقاً في الغرور والنرجسية والغطرسة. «حالة الاتحاد» استهدف ابقاء العالم قاطبة ـ وليست امريكا وحدها ـ في حالة حرب طويلة الأمد وغير محدودة الجبهات. موجة الغرور تدفع الإدارة الأمريكية لجهة منزلق بالغ الخطورة. من غير المنطقي ان يتصور الجمهوريون ان جميع القوى السياسية في العالم ستظل مصطفة من أجل تحقيق الغايات الأمريكية فقط. تدمير البرجين في نيويورك كان مؤثراً. حرب الإرهاب هيأت العالم ضد الشر غير ان التعاطف كالتعبئة كانتا حالتين عابرتين او هكذا اعتبرهما العالم من اجل درء خطر عابر. خطاب بوش اعتبر البيت الأبيض مركز إدارة العالم بأسره على نحو يصدر الأمر فينصاع الاخرون. لذلك جاء خطاب الرئاسة الأمريكي بمثابة بلاغ عسكري بتوسيع دائرة الحرب. بوش اعلن استهداف 12 دولة سمى منها ثلاثاً. ربما يتفق عدد من قادة العالم بأن كوريا الشمالية خاوية من الغلال وتهددها مجاعة وانها تخزن في الوقت نفسه اسلحة مدمرة لكن من الصعب اقناع هؤلاء بأن الكوريين يشكلون حالياً مصدر رعب للعالم. هناك من يجادل ـ وهو محق ـ انه من الاجدى انقاذ الكوريين الجياع بدلاً من ضربهم. تراث العداء الزاخر بين واشنطن وطهران لايبرر استهداف إيران خاصة في هذه المرحلة التي تتسم بها طهران بالمرونة على الصعيدين الداخلي والخارجي. من غير المقبول ان تتناسى امريكا التعاون الايراني ازاء تصفية نظام طالبان والمرونة تجاه تشكيل حكومة بديلة في كابول. من غير المقبول ان تأتي مكافأة ايران بالتهديد بدلاً من الاستدراج ان لم يكن الاقتراب منها. العالم قاطبة يعرف ان ضرب العراق غاية مبيتة منذ عهد بوش الاب لكنه يدرك كذلك ان النظام العراقي ابدى في المرحلة الاخيرة تجاوباً لجهة الانفكاك من ثوابته العتيقة التي جلبت له ضربات سابقة. من غير المنطقي حشر الشقيق العراقي في قفص الاتهام دائماً. الكل يعرف ان امريكا لن ترضى التقارب العراقي الايراني الاخير الذي يستهدف تصفية القضايا العالقة على الحدود بين الجارتين، لكل من ايران والعراق مصالح وعلاقات مع قوى لا يمكن ان تتجاهلها امريكا. تلك القوى تعتقد ان ضرب بغداد وطهران لا يخدم سوى مآرب امريكية ومن ثم لن تقبل بلاغ بوش المعلن. من هنا تأتي ضربة بوش للدعم الدولي ضد الإرهاب. اخطر ما في الأمر ان تتصور الإدارة الأمريكية بأنها حصلت على تفويض دولي بتصفية أنظمة واستبدال اخرى. هذا هو دور الشرطي العالمي الذي كانت قوى عديدة كبيرة وصغيرة تحذر من شرعنته. هذا هو دور «الكاوبوي» القبيح الذي يرفضه العالم المتحضر. بهذا الفهم يكون بوش خسر جبهة في حرب الإرهاب لكنها جبهة بالغة الأهمية. قصد بوش في خطابه تحويل انتصار الحرب الخارجية إلى مكاسب داخلية لكنه سيفقد على هذا المنوال الخارج والداخل معاً. عمر العمر