في لقاء خص به «البيان» قال استاذ العلوم السياسية بجامعة دينيه ديكارت بباريس «الاستاذ ادموند جوف» ان العالم الآن عاد إلى وضعية عرفتها الانسانية قبل مئة وخمسين عاماً. وأضاف ان هذه الوضعية المتميزة بتقهقر في القانون الدولي جاءت نتيجة طبيعية لأحداث 11 سبتمبر. وبين ان الولايات المتحدة الأمريكية تحاول الان ممارسة هيمنتها على العالم وخاصة على مستوى الامم المتحدة، مستغلة غياب او افول القطب الثاني. وبخصوص ما آلت اليه وضعية.. الأمم المتحدة كهيكل دولي مستحدث بعد الحرب العالمية الثانية، بين جوف انه على الشعوب ان تلتف حول المنظمات الاقليمية لدعم دورها، وذلك في ضوء فقدان الأمم المتحدة بعضا من تأثيرها. د. ادموند جوف الذي تواجد بتونس في اطار دروس يلقيها في الجامعة العربية للعلوم وهي جامعة خاصة اكاديمياً معترف بها، جاب العلاقات الدولية الحديثة وحاول ان يكشف عقلية الغرب وفلسفته في الديمقراطية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. ـ أظهرت الأحداث الدولية الاخيرة، توجها للتمييز بين الامم والحضارات بين امم «متحضرة» «متميزة» و«صاحبة رسالة» وبين أمم «متخلفة»، «إرهابية» وبالتالي يجوز معاملتها خارج القانون الذي تحظى به الأمم «المتحضرة» والمقارنة هي هنا بين الحضارة الغربية «اوروبا وامريكا» وبين الحضارة العربية الإسلامية. فما هي المخاطر التي يمكن ان تنتج عن هذه الوضعية؟ ـ فعلا، وبسبب احداث الحادي عشر من سبتمبر لابد وان نقف على التقهقر الذي عرفه القانون الدولي، فقد عدنا إلى وضعية عرفتها الانسانية قبل مئة وخمسين عاماً. وهي وضعية لم تعامل فيها الأمم والدول على قدم المساواة. فوشي وهو احد رجال القانون الدولي، اقترح منذ القدم تعريفاً للدولة، في ثلاثة أصناف، وقد رأى ان الصنف الثالث من الدول لا يستحق حتى وصف الدولة! ثم جاءت محاولة اخرى خلال سنوات الستينيات حيث اقترح البعض «ازدواجية المعايير» في التعامل بين الدول على مستوى العلاقات بين الدول الغربية أو بين الدول الأوروبية والدول النامية.. وحسب هؤلاء فانه ينبغي التعامل مع العنف الأقل من الدول طبقاً لمعايير وقوانين معينة، أما الصنف الثاني، فينبغي التعامل معه بمستوى ادنى من القوانين الدولية! ـ أليس ذلك هو ما يتم التعبير عنه حالياً بسياسة المكيالين؟ ـ نعم هي نفس العقلية واعتقد اننا عدنا حالياً إلى وضعية مماثلة للتي كانت سائدة في وقت ما، والتي يكون بالامكان اعلان الحرب فيها دون تنفيذ قواعد القانون العادية.. حدثت الحرب الآن في افغانستان ولكن دون ان يتم اعلانها. ثم من سيراقب ما يحدث؟ ما هي مبررات كل ذلك؟ فهل ان «اعطاء ابن لادن ومجموعته درسا»، يعد مبرراً كافياً لتبرير عقوبات تفرض على شعب بأكمله وتدمير يطال بلداً كاملاً، والكل يعرف حجم المآسي التي عرفها الشعب الافغاني على مر العصور، بسبب الحروب. الوصول أليم، في بداية الألفية الجديدة إلى مثل هذه الوضعية، يؤكد اننا على أبواب مفاجآت عديدة ومشاكل عديدة ناجمة عن ذلك. ثم ان ذلك سيؤثر سلباً على الحريات العامة، في اتجاه التقهقر سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو في العديد من الدول الاخرى في العالم. ويمكن الاشارة هنا إلى ما تعرفه بريطانيا مثلاً حيث يتم مراجعة القوانين التي اعتبرت «متسامحة» وغير مقيدة والتي تتعلق بالاعلام، وبالتجمع والتنقل. وغيرها من الحريات.. فقد طرحت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بعض الافكار التي حملت القانون البريطاني بعض المسئولية في تواجد المتطرفين على التراب البريطاني، وخاصة منهم القادمين من العالم العربي، مما مكنهم من القيام بأنشطة ارهابية دون ان يطالهم القانون. والاشكالية هنا ان تغيير بعض القوانين لمقاومة الارهاب سيؤدي إلى تحديد في الحريات العامة. وهذه القضية طرحت في بريطانيا وفي فرنسا وقد تطرح في كل الدول بما تحمله من تناقض. ـ ما هي المخاطر على مستوى العلاقات بين الدول وليس فقط داخل الدولة نفسها؟ ـ فعلا هناك مخاطر على مستوى العلاقات بين الدول وربما سنعود هنا إلى قاعدة الكيل بمكيالين، فقد يتم اتخاذ بعض الاجراءات الحمائية ضد بعض الدول النامية مما قد يعني، بصورة اخرى الغاء وجود هذه الدول من الخارطة السياسية والثقافية، الاتجاه هو اقامة العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول «الجديرة بالاحترام». وهو ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية الآن عندما تضع قائمة بالدول «الخارجة عن القانون» أو «المارقة» وهي قائمة تطول باستمرار، بل كانت قائمة قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد رأينا ان هذه الدول «المارقة» تعرضت من قبل الولايات المتحدة الأمريكية إلى مختلف العقوبات على مختلف الاصعدة، مثل العراق وليبيا وكوبا، والسودان والقائمة طويلة جداً. وعلى الرغم من حصول تقدم في مقاومة هذا التوجه، الا ان الاحداث الأخيرة سوف تعود بنا إلى البداية كما ستعود بالعديد من الدول إلى العدم والمجهول، وهي دول عانت كثيراً.. واعتقد ان ذلك سيكون عاملاً جديداً للفوضى وعدم الاستقرار والتطرف.. ـ في مثل هذه الظروف الدولية، والتي يتم فيها تجاهل الامم المتحدة، تعتقدون ان هذه المنظمة ربما تمر الآن بالايام الأخيرة في حياة منظمة سابقة، هي عصبة الأمم؟ ـ نعم للاجابة على هذا السؤال ينبغي الاشارة أيضاً إلى حدث مهم في العلاقات الدولية، وهو سقوط حائط برلين واختفاء أحد القطبين وهو الاتحاد السوفييتي، وبعد اختفاء الاتحاد السوفييتي من المواجهة، فان الولايات المتحدة الأمريكية تحاول الآن ممارسة هيمنتها على العالم وخاصة على مستوى الأمم المتحدة.. والقول ان الأمم المتحدة مهددة، وربما تعيش ايامها الأخيرة فلا اعتقد ذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية، بقبولها اخيراً لتسديد ديونها ازاء هذه المنظمة فانما كانت تهدف في حقيقة الأمر إلى دعم هيمنتها وتجنب الانتقادات التي قد توجه لها. اضافة إلى ان الولايات المتحدة الأمريكية في حاجة إلى منظمة الأمم المتحدة لتبرر بعض اعمالها، أو لتكون هذه المنظمة غطاء لهذه الاعمال. نعم وضعية الأمم المتحدة تغيرت وهي مقبلة على تغييرات اكبر ولكني اعتقد ان هذه المنظمة ستظل تمثل في هذه الظروف المضطربة عامل استقرار واعتدال وفي كل الاحوال فان الشعوب ستظل في حاجة إلى هذه المنظمة كمنبر للتعبير عن كل المواقف ففي الجمعية العامة مثلا كل دولة تحظى بصوت وبامكان الدول النامية ان تعتمد ثقلها في الجمعية العامة، بما يعطي صدى اكبر لمواقفها ومطالبها. من ناحية اخرى لابد من القول ان اصلاح منظومة الأمم المتحدة مطروح واذا حدث فانه سيمس تركيبة مجلس الأمن الدولي المانيا أو اليابان قد يلتحقان بالمجلس وربما قد تتمكن الدول النامية من «التسرب» داخل المجلس أيضاً بشكل من الاشكال اذا لم يتم اعتبار ان هذه الدول ممثلة الآن في المجلس، من خلال الصين. واعتقد أيضاً انه ينبغي اعطاء دور اوسع في هذا الاصلاح اذا ما وقع للمنظمات غير الحكومية هذه المنظمات منصوص عليها في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة ولكن ينبغي دعم دورها اكثر مما هو عليه الآن. واذا كانت الأمم المتحدة بصدد فقدان البعض من تأثيرها، فاعتقد انه على الشعوب ان تلتفت اكثر حول المنظمات الاقليمية لدعم دورها فهناك جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الافريقية التي ستصبح الاتحاد الافريقي. وكذلك منظمة المؤتمر الاسلامي، وقد نجحت الدول النامية في وضع منظمات اقليمية عديدة وهي قادرة على العمل بنسق أفضل مما تعمل به الآن خاصة اذا توفرت الارادة السياسية للدول. ـ لماذا الفشل حتى الآن، في ايجاد تعريف موحد للإرهاب، على الرغم من ان هذه القضية مطروحة منذ فترة طويلة على البحث؟ ـ اثر احداث الحادي عشر من سبتمبر تفطن العالم انه لا يوجد تعريف موحد للإرهاب. ولكن هناك بعض النصوص، ومقبول في معاهدات تحاول ايجاد تعريف ما للإرهاب مثل القرصنة الجوية، وغيرها. وقعت محاولات لايجاد تعريف موحد ولكنها فشلت واعتقد ان اغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لم تكن ترغب في الوصول إلى هذا الصنف من التعريف لأنهم يدركون انه امام استحالة اعتراف العالم بحقوقهم فانه عليهم القيام بأعمال غير عادية وهو السبيل الوحيد الذي يظل امامهم للمطالبة بحقوقهم. الوضعية خطيرة جداً لانه ينبغي وضع حد واضح بين المقاومة الوطنية والإرهاب وهي مسألة جلية جداً خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، اذ انه من حق الفلسطينيين مثل كل شعوب العالم ان يحظوا بحقوقهم الوطنية والسياسية كاملة. أوروبا تناولت قضية الإرهاب في معاهدة ستراسبورج. ـ كيف تنظرون انتم كرجل قانون وصاحب مواقف وافاق انسانية رحبة إلى العقلية الأمريكية الحالية والتي تتبنى «الحرب» ولا شيء غير الحرب، ضد كل العالم وحسب منطق من ليس معنا فهو ضدنا. ـ هل تعتقدون ان الأمريكيين تجاوزوا في حملتهم هذه كل منطق للدفاع الشرعي عن النفس؟ ـ اذا ما نظرنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية فانه لابد من الوقوف على ثابت مهم في تاريخهم، وهي انهم يعتقدون انهم يمثلون نوعاً من الشعوب المختارة صاحبة رسالة مهمة وهي حمل الحضارة للشعوب، ولذلك فانهم عندما يرون ان شيئا ما لا يتناسب مع ما يطمحون له، فانهم يعتقدون ان من حقهم، وانطلاقاً من المباديء التي يؤمنون بها ان يصححوا تلك الوضعية واعتقد انهم خاضوا حروبا عديدة في العالم انطلاقاً من هذه القناعة. كما حدث في فيتنام، ولم يتوقف الأمر الا عندما اقتنعوا انهم يدفعون الضرائب بهدف القيام بحرب كيميائية فظيعة.. هم يعتقدون انهم يخوضون حرباً شرعية، واعتقد ان امما عديدة في العالم وعبر التاريخ، تعاملت على أساس هذه الافكار، وهذا هو الخطير في الأمر. واعتقد هنا في قضية الحرب الاخيرة ان الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية قد تنجح في تعديل هذه العقلية، لأن الخطير في الأمر انه باسم البحث عن رجل يتعرض شعب بأكمله إلى فظاعات الحرب.. ثم انها حرب غير متناسبة تماما من حيث القوة، وهي مقارنة لا تخدم الموقف الأمريكي. اعتقد ان على الدول الحليفة للولايات المتحدة وكذلك الرأي العام العالمي، ان يشيروا إلى ذلك باستمرار حتى يكون بالامكان وقف هذا التيار. ثم انه ومهما كانت الانتقادات التي توجه للولايات المتحدة الأمريكية، الا انه لابد من القول ان الشعب الامريكي شعب كبير وقد اظهر في مناسبات عديدة ذلك وانتصر للحرية وحقوق الشعوب كما كان الأمر خلال الحرب العالمية الثانية ولكن ذلك لا ينبغي ان يكون تأشيرة مرور في كل الحالات فعندما يتم تجاوز حدود المعقول، فينبغي الدعوة إلى التوقف واعتقد ان هذا الموقف سيطرح خلال الاشهر المقبلة. الان الوضع تجاوز بكثير منطق الدفاع الشرعي عن النفس وان كان من غير المفهوم اللجوء إلى القتل في رد فعل عن القتل. وان كان بالامكان تفهم ما حدث، ولكن ما قاموا به في افغانستان يتجاوز كثيراً ما تعرضوا له. واعتقد ان الوقت قد حان لان يسمع الأمريكيون بأن ما حصل حتى الآن كافياً. حاورته في تونس: فاطمة عبدالله